Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


الشجن الثقافي الكوردي


 

 

محمد عفيف الحسيني

أشجار ساندفيكين المنفية
(جرارات كاتربيللار الراكدة في قامشلوكي)

 

الجزء الأول

 

1

كان علينا أن نستريح في أوبسالا: مزكين كمو، آخين ولات، وأنا؛ استراحة من غوتنبورغ البحر، إلى أوبسالا العريقة.

ظلت عجلات الروح تخفق طيلة ساعات الظهيرة إلى المساء؛ ثمت أقاليم الكورد هناك: سنكون في ساندفيكن، سيجتمع هذا الحشد من الكتاب والإعلاميين والموسيقيين والفنانين الكورد السوريين، في أول تأسيس لاتحاد ثقافي في المنفى. نسغ مبدع منفي، صورة الزمان القديم في الجزيرة وعفرين وكوباني وكورد الشام، ستكون في اطار من طبائع الملل الأخرى، لماذا ليس من تجمع، بعدما حدث الذي حدث في أحداث قامشلوكي؟.

في أوبسالا، سيكون سليم ملا، القديم، الذي أضجر الكمنجات بصابونة النقّاش، وأضجر الهجران منذ زمن بعيد، من عامودا، إلى قامشلوكي، إلى حلب، إلى أحجار النسيان، إلى السويد، لكن ظلت الكمنجات معلقة في رحيله، ظلت الأوتار مشدوهة إلى نسيانه.

تلك الليلة التي جمعتنا في منزله القلق، أخرج كماناً، ووتّر الكمان، وتّره الكمان، لحظات وتوقف عن العزف: الحنين أغواه بالتوقف، فتوقف، الحنين إلى توابل الماضي، والحنين أن يكون طاهياً ذلك الليل لأسماك الليل، بدل أن يظل عازفاً لآلة البرتقال القديمة الضجرة من أقاليم الكورد وثرثرة التبغ في أفواهنا.

كان علينا أن نستريح في أوبسالا، فلم نسترح.

2

علينا، آخين وأنا، أن نستدل إلى بيت صديقنا القديم دلور ميقري، نذهب إلى زهوره الصيفية المقرورة، وهي تنحني تحت ضربات الخريف الصفراء، فتصفر، لاتصفر مثل الكمنجات، بل تمتد في رئة الحوش الخلفي المطل على غابة المهاجرين الساكنين في  شرائع الله، وتوريات الله، وتقاسيم الله، وتقاسيم المنفيين، المشيدين في الشمال ـ شمال كوردستان.

دلور ميقري، أيضاً، عويل قديم، عويل من جهات النقشبندي الكبير مولانا خالد، في الشآم، إلى روسيا، ثم السويد، نزفٌ كثير عاشه، ونزف حياتي كثير، أنساه أنه يكتب الشعر، والمقال التاريخي، ويرسم الزيتـ، ويخطط الكاريكاتير، أنساه العويل أن يتمم وجده في محلول الشجن، وفي أنابيق الزمن الهائلة، التي تغلي فيها أخلاط اللغة الكوردية ممزوجة بظلال بيتهم القديم في الشآم ـ حارة الأكراد.

كان علينا أن نستريح في أوبسالا اليوم الثاني، فلم نسترح.

3

لم نجد مكانين في كرسيين مجاورين، الباص الذي يسيل من أوبسالا إلى ستوكهولم العاصمة؛ أشجار وأبقار وسماء وقمح وأسفلت جديد وصباح مقرور ورائحة موز وعراك بالسكاكين في عمل روائي لكاتب روائي، عراك يهنأ فيه أحدهم بضربة الدم القاتلة: إبن مدينة دير الزور، إبن كاتب العدل "أبو ممدوح"، يطعن سليل القهوة "محمد نايف"... بسكين كباس، تصطدم الضربة بالقلب مباشرة، ينغرس النصل في القلب مباشرة. ينزف نقطة واحدة من البنفسج على شفته، فيريد أن يموت، فيموت، محمد نايف. في عامودا، وليس قامشلوكي.

4

هل سأتذكر ماحدث في قامشلوكي؟.

فلأتذكر:

الطريق الذي يمر من بيت جكرخوين، إلى مركز المدينة، يمر عبر الحديقة الكالحة، مسبوقاً بالشركة الأمريكية الكاتربيللار، لصنع الجرارات المجنزرة، الشركة العملاقة التي توقفت عن أعمالها، بقرار مقاطعة البضاعة الأمريكية، فظلت تلك الآلات الصفراء راكدة، ومستأنسة بمشية جكرخوين اليومية ـ الدمدمة، بالقرب من أنفاسها؛ يعبر جكرخوين تلك الجرارات وألوانها الصفراء، هي آلات مفيدة، لكن البعث قيدها. مثلما سيقيد البعث مئات الشباب، بعد عقدين في دم قامشلوكي. ومثلما ستعبر الصور من قامشلوكي إلى أن نتآلف بضعة عشرات من الكورد المثقفين في أوربا، لنكون في سلاسة لقاء: تقاطرنا من "قصباتنا" الأوربية، إلى قصبة ساندفيكن السويدية، لنتآلف في اتحاد لنا، نحن ـ منفيي الله والعباد ـ.

5

ثمت طريق أخرى: نبتة الثعلب (هي خصية الثعلب) تنبت على الجرارات. وتنمو عليها هتافات في مدرج ملعب القامشلي: عاش صدام حسين. يسقط الكورد! هتافات طريق، هتافات خذلان، هتافات تتدحرج من الكرة الشدودة، إلى أفواه الكورد في المدرجات. طريق يغمر المتفرجين بالأسى، ويغمر حرس البعث، بأن بأن يشدوا أقواس كراهيتهم نحو خصية الثعلب على الجرارات.

6

لم نجد مكانين متجاورين، في الباص الذي يغمره الصباح المبكر، ويغمره الهدوء والمظلات وكاتدرائية أوبسالا، ورائحة موز الكاريبي الجنسي؛ لم نجد مكانين، لنتحاور فيه عن طريق بيت جكرخوين إلى الملعب البلدي في القامشلي، ذلك اليوم الدامي؛ آخين جلستْ بجانب عجوز سويدية، وجلستُ أنا بجانب العدم، تغمرني أوتار سليم ملا، من كمنجته الكسيرة، إلى كمنجات سليم بركات العنيفة.

باص أزرق، وكون أزرق، فلتكن الكمنجات زرقاء أيضاً؛ ورائحة الموز الكاريبي زرقاء. ومدينة ساندفيكن زرقاء؛ لكن ستوكهولم كانت تنتظرنا، بعد أربعين دقيقة.

لم تكن تنتظرنا ستوكهولم، بل ملكها، الراحل منذ أكثر من قرن، في الطريق المار من كوردستان إلى بيت شريف باشا السليماني. الملك السويدي، صديق السفير الكوردي، في الدولة العثمانية العلية ـ آنذاك ـ لكنها تحولت إلى كمالية فاجرة، مثل بعث ملعب قامشلوكي، ذلك اليوم.

هل سأتذكر، ماحدث؟

لن أتذكر. لأنني لم أكن هناك.

كنتُ، أحلم بطائر الكركي فوق مشفى قامشلوكي الوطني.

الطائر الوديع الذي بنى عشه فوق مدخنة رائحة المرضى؛ ثم رائحة خصيتي الثعلب، على جرارات كاتربيللار الهاجعة بالقرب من شجيرات السرو في دستور حزب البعث.

7

كان هواء ستوكهولم يعبر السفن والمجاذيف وقصر الملك، وكان الهواء يعبرنا.

نعبر الهواء، أيضاً؛

نعبر كتاب الأعمى (أعني به البصير الكبير، الشاعر السويدي النافذ: غونار إيكلوف)، وهويتحدث عن الأمير الكوردي، قبل ألف سنة في زمن القسطنطينية، وليس زمن قامشلوكي؛ لكن، المغزى، والحدث، والألم، هو نفس الخيال: خيال السمْل.

هل كان على الجرارات الكاتربيللار، أن تشهد ماشهدت؟

هل كان على المثقفين الكورد في غربي كوردستان، أن ينتظروا صرخة الأم، وهي تشحب في إبنها، ابنها في الذاكرة، والذاكرة في الغياب؟

هل كان الدم، ليلتئم الكورد في ساندفيكين، في تأسيس بادرة ـ هي بادرة لسان المنفيين عن أنفاس الجرارات الجاثمة هناك؟

8

يعبر الهواء القليل محطة ستوكهولم ـ محطة الأكورديونات العازفة للقلق والشجن، يطوقها المسافرون بفتنتهم، وتطوق الفتنة القطارات، وهي تهدر تحت الأرض: كلها هي قطاراتي. أرقامها أرقام عمري الضائع، يقول المنفي. منفى.. منفى، يغيب الطائر على مدخنة قامشلوكي، على مدخنة مشفى قامشلوكي، ويغيب الكورد ـ الطيور الخائفة الموزعة في أعشاش غير كوردية ـ عن ملتقى ساندفيكين. يغيب الكثير، يغيب الفنان والموسيقي والمترجم والمقهور، لكن يحضر المؤتمر، أيضاً المتفيهقون، المتشدقون، يرفعون بعقيرتهم، وكأنهم يؤذنون. طيور عقعق: لامعة خضراء جفلة؛ وتنقر المبادرة بلؤم، طيلة ثلاثة أيام، تذرق.

9

طيور ستوكهولم، طيور ملعب قامشلوكي، ومشفاها. طيور القطتين عندي. قطتان تراقبان نافذة غوتنبورغ: تنهمر أوراق الخريف على مرآى حدسيهما، فترتفع المخالب، تريد إقتناص الخريف على شكل طائر أصفر.

10

الهواء القليل ـ لِمَ هو قليلٌ؟ ـ يسفح على محطة باصات أوبسالا ـ ستوكهولم. ننزل. نذهب إلى المكتبة الكوردية، التي هي في شجن آخر ونسيان آخر وصحراء أخرى ووسوسة الورق الكوردي الذي يبتذل في مشاريع بأيدٍ أنسابٍ ظاهرةٍ للعدم والعدم والعدم.

أسلم له ـ  لبطريرك المكتبة مخطوطات كوردية عن الفن الكوردي (بشار العيسى، بهرم حاجو، عمر حمدي)، تسلم آخين له مخطوطة شعرية عن الشعر الكوردي، أسلمه مخطوطات عن الحجل الكوردي، أسلمه الشجن، فيتضاحك، ويدخن، البطريركُ.

11

ماء القنال يجري، والبرونز يجري، والثاني عشر من آذار يجري، والخفة تجري، والدقّل الخفي يجري، والخريف يجري، والغابة القريبة الخريفية تجري، ويجري حبي أيضاً، وحب آخين؛ نخرج من المكتبة وديعيْن، قلقيْن. سنذهب إلى النقّاش: الملك السويدي الملول على حصانه الرهوان، يحارب طيور العقعق. ننظر إليه، ونكتم الرائحة النفّاذة القتّالة ـ الزنجار في الثاني عشر من آذار، في إصطبل العروبة، بطبعتها الفاشية.

12

سليم بركات، في ستوكهولم.

سليمو هناك، ونحن هناك أيضاً.

إبن عمي أيضاً هناك، الموسيقي والتشكيلي سعيد ريزاني، هناك أيضاً صديقي أولف بالمهِ، وصديقي جكرخوين، بعد أن مر خلل أشجار الصنوبر في الحديقة، في قامشلوكي، تأوه، وشمَّ رائحة الملعب، ففرَّ إلى ستوكهولم، فمات فيها، وهناك أيضاً الحنين إلى جرارات الكاتربيللار القديمة في قامشلوكي. الجرارات هي محاريث الله العصرية.

13

قنوات تقذف بمائها، وترش الغرباء بالرذاذ الاسكندنافي، مبنى البرلمان، قصر الملك السويدي الموحش، والعصافير المكتنزة، والبحث في مركز العاصمة عن زهر لسليم وسندي، دون جدوى، والمرور عبر البناء ـ المتجر الذي قُتلت، ذبحت فيه الوزيرة السويدية الخارجية، صديقة الكورد.

ـ الساعة السادسة، سنكون في متاهة الوصول إلى بيت سليم النائي المنعزل العارف البعيد.

أنساب الابداع في مجرة سليم بركات، أخذنا العنوان، ودخلنا أنفاقاً، خرجنا منها أيضاً، ودخلنا، لنكون في قطار الضواحي، من مركز ستوكهولم إلى مركز الكوردي بقشرة اللغة العربية، ولب كورستان.

سليم أيضا من العريقين في النزوح، ترك موسيسانا القرية التابعة لعامودا، إلى عامودا المختزلة، إلى قامشلوكي ـ البطش، إلى الشآم القليل، إلى بيروت الكرمل، إلى قبرص البحر، إلى السويد الكمنجات الهادئة. هجر، بعد أن هجّر العنف البعثي شقيقه الكبير توفيق، ثم  الأصغر ضياء؛ هجرة إلى تدمر، كانت الملكة زنوبيا تنتظرهما! سجن تدمر الرهيب؛ شقيقان مغيبان إلى اليوم منذ ثلاثين سنة. ماأرهف الغياب.  ماأرهف خمار زنوبيا، التي اعتقلت أيضاً في زمن شاعر السويد غونّار إيكلوف، شاعر القسطنطينية التي كرهها، زمن الرومان.

في الصيف الماضي، تحدثنا سليمو وأنا عن الشروال الكوردي.

في صيف آخر قديم، أهداني الشهيد الشاعر مهدي خوشناو، بذلة كوردية، وحذاء من صنع يدوي لمهرة هولير. الحذاء أتلفه رودي ـ إبني خلل يومين، في أمطار غوتنبورغ، والبدلة الأنيقة بقيت لأربع سنوات، أنيقة ومكوية وغامرة في الحنين أن أكون مجدداً في كوردستان، وألبسها؛ أرتديتها لمرات لنفسي؛ الأزرق الغامق، السترة ـ القميص، والشروال العريض المريح.

في الصيف الماضي قايضني سليم بركات الشروال الكوردي، بما أريد من روح الكتان الفرنسي والحرير الفرنسي والشريط الفرنسي ـ الحمالة ـ القابض على الكتفين ونطاق الجينز.

كانت البلوزة الحريرية البرتقالية اللون تنتظرني (أخذته آخين مني، وظلت تلبسه طيلة المهرجان البديع للمنفيين الكورد الكتاب والفنانين، وكذلك طيورهم العقعق، في سناندفيكن).

طهو زنجفر. طهو شعر. طهو رواية. طهو نيللوفر. طهو يونانٌ. طهو كوردي. طهو مساءٌ أملس، مرور بين الزمن في موسيسانا وستوكهولم. طهو بتوابل أول المساء. طهو المهاجرين:

"دينوكا

ماذا اقول للصيادين الذين يضعون سروجاً فوق ظهور الكلاب السلوقية في سفح سنجار وجبال عبدالعزيز؟ أنتِ مختبئة في مكان ما، ربما في زريبة، تشمين التراب ومزاود النعاج. كبيرةٌ أنتِ. بليلةٌ. مسكونة بالحصاد وبي.

أسمع والدك يصيح: دينوكا.. أسمع والدتك تصيح: "دينوكا، احملي خبز الشعير هذا إلى المهاجرين وقولي أن يستريحوا قليلاً".

كان عددهم يزداد يوماً بعد يوم.. من طشقند وخوزستان وأرمينيا والجنوب الغربي لروسيا، حملوا أشرعتهم وصرر السرخس إلى الجزيرة بلاأحذية أو مناجل. وكنتِ صغيرة لم تدركي أنهم يحتاجون إلى الماء، وإلى امرأة مجنونة أو أرملة يدفنونها بعيداً في شقوق البراري، لتنبت في سنيِّ الهجرات عَدَساً وجنادب. أنت تجهلين كيف يمتلىء الأخدود بين "عامودا" و"موسيسانا" بجثث البغال والأعضاء المبتورة. تجهلين من أين يحصل البدو على بنادق فرنسية. ولماذا ينتفخون على تخوم القرى حين يهجمون عاصبين رؤوسهم بعباءاتهم.

قيل: خرجتِ من جهة العراء، وخرجتْ "بريفا" من جهة العراء، ومن جهة العراء خرج الله، وجاءت الدهشة والطلقات الفارغة التي جلبها الصِّبية من براميل قمامة السراي. وقيل إنكِ عدتِ بقطيع من النعاج المبتهجات وكبش واحد يخرّ كالمحارب في كل موضع مبلل بالبول.

دينوكا... دينوكا..

أنا متعب، ولاأسمع صوتك حيث أرى هضاب "معيريكا" وعربات الأكراد المحملة بالقش".

يقول سليم بركات عن شجن مهاجر.

من (كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضاً).  1972

الزجاج المعشق بألوان المينا، القناديل المعشقة بألوان المينا. المساء المعشق بألوان المينا. الدرابزون القلق المعشق بألوان المينا. الخريف الذي يتدلى مثل رمان مكدود. مثل شمال مكدود. زجاج ملون بأصابع سليلة الإغريق: سندي، سينيثيا. تتدفق من المساء رائحة عامودا وكفر جنه والرومان القديم. يقيناً ليس رومان زنوبيا، حيث تدمر الشقيقين الكليلين المزوقين والمزرقين في خيال سليم بركات. وخيال حراث الموت منذ السبعينات السعيدة، إلى القرن الحادي والعشرين السعيد على رئات جرارات الكاتربيللار القريبة من ملعب قامشلوكي غير السعيدة.

يختلط الليل المنوّر مثل رمان، مع ليل الكتف الجريحة في مشفى قامشلوكي ـ المشفى أيضاً قريبة من الملعب، ومن الجرارات ومن الحديقة ـ.

 أقلتَ لك حبيبتي؟ نعم. حبيبتي كري موزا، حيث ترقد فيها عظام أجدادي وصحائفهم المخضرة المنورة. صحائف سليلهم المنفي إلى ساندفيكن، هذه المرة الكثيفة، والكليمة من طيور العقعق التي تأكل وتنقر من ذرقها.

سليم كان منهمكاً مع تماثيله الروائية، الخارجة من نسج الخيال السحري، والواقع السحري الكوردي، الواقع الذي في ساندفيكن، وبحضور هذا الحشد من الإعلاميين الكورد الرهيفين، وكذا النقّاشين على حكايات الاغتياب والنميمة؛ مشارفهم هي مشارف الفشل القديم: سياسياً، ثم فلسفياً، ثم شعرياً، ثم سيبزغون بفيوضاتهم ونورانيتهم ـ الخسران على شهداء قامشلوكي، والاتحاد الذي سيتكون نهائياً، بعد ثلاثة أيام من مغادرتنا، من سليم بركات إلى الشجن الثقافي الكوردي في ساندفيكين.

14

كان التوت البري المدجن لذيذاً، ونحن ندخل متاهة لندخل في متاهة ثانية، هي ستوكهولم الكبيرة الشهيرة.

كان التوت لذيذاً، أكلته هذه المرة من يدي آخين، من سياج الجار السويدي لسليمو، التوت الذي انتظرنا لنتذوقه، ونحن في انتظار سينيثيا، تهرع إلينا، من البيت إلى السياج، بعد أن أضعنا الطريق. ونهرع إلى القطار العائد من ضواحي ستوكهولم، إلى أوبسالا، الباص نفسه، والرائحة ليست نفسها، هي رائحة الفتنة المسائية في كرسيين مجاوريين، نراقب مشهد الله الليلي وهو ينعكس على أبنائه: النجوم في همساتها العلية: "هاهما يعبراننا: إبن أوركيش، وإبنة هوري"، يناغيان بارام.

"أتذكر حين كنا نصنع مهوداً،
من الثلج؟
وبحرقة الأمهات
كنا نناغي بعضنا البعض؟".

تقول جانا سيدا، في شجن شعري هادىء.

15

لم نلتق بإبن عمي الموسيقي التشكيلي سعيد ريزاني، ولاصديقي الشهيد أولف بالمِ، ولاصديقي جكرخوين، ولاالوزيرة الخارجية السويدية الذبيحة. التقينا بتماثيل وفقهاء الطيور (فقي تيران)، فقهاء الطيور وفقيهات الطيور من جنس السويد، يفتتون الخبز ويتأملون مراكب أعمارهم وهي تجوب توابل العمر الراحل بهدوء، دون سجون وطنية، كما هي سجون شرق المتوسط، ودون أنظمة شاملة قهارة جبارة، بخصى تشبه خصى الجِمال، خصى الديناصورات، خصى الحوت، هل للحوت خصيتان؟ نعم.

تقول الحكاية نقلاً عن الذي زار اليابان في خياله: أن اليابانيين يحرثون أراضيهم بالحيتان، يربطون أعناقها ـ ألها أعناق؟ ـ بالنير، ويدفعون بها في قلب أرض الله الإلكترونية. هي مواقع إلكترونية لئيمة، تحرث مشيئة شهداء قامشلوكي ببيع صور الشهداء، يلتقط مغامر ومقهور صورة الطلقة البعثية، وهي تخترق صدر إبن خالي غيفارا، ثم يرسلها لموقع إلكتروني جليل، فلاينشرها الجليل صاحب الموقع الجليل، بل يبيعها إلى الإعلام العالمي الجليل بنعمة العملة الصعبة الجليلة!

إلكترون إلكترون. فلسفة فلسفة. شعر شعر. واحد قهار، واحد صمد، باسط بجناحيه العريقين على طيور العقعق؛ هي الطيور النهمة الشرهة الأكولة اللامعة تحتاج إلى جناحين باسطتين مثل جناحي الأم، في هجرة الكورد إلى أوربا، حاملين معهم قشهم وشعيرهم وسرخسهم، من (كري موزان ومعيريكا) إلى ساندفيكين.

16

الرغبة الكثيفة في الالتقاء بأصدقاء المنفى، وكذا بأصدقاء الكتابة، الكتابة التي أشعلت النار في أوراحنا وحياتنا. كنت أريد أولاً أن ألتقي بجان دوست، وكنا قد خططنا أن ننسل من المؤتمر بعد أعماله، إلى أوبسالا كل يوم، حيث الكمنجات؛ لكن لم نستطع، التقينا ليوم، وليوم آخر، غادر، ثمت من ينتظره. عجولاً غادر، وعجولاً فقدته أيضاً. كان حليم يوسف، أو حليمو، الصديق القديم، أبعدتنا الأيام، فالتقينا، بعد خمس عشرة سنة، وكان إبراهيم محمد، الذي أتينا سوياً إلى السويد، هو يحمل على ظهره ندوب مخابرات البعث، وأنا أحمل على ظهري متاعي اللغوي، كان إبراهيم أكثر من ألم، وأكثر من صديق، وكان... وكان من قامشلوكي؛ أخذته القوى الإلهية الأرضية إلى جنتها ـ جحيهما، وأذاقته من تفاحها وسعيرها، ثم في الفجر أخرجته من نعمة النسيان ـ نسيان أنه رأى مارأى من نجوم في قبو شيطاني؛ في قامشلوكي، بالقرب من السرايا القديم، الذي بناه الفرنسيون.

وكنتُ قد اشتقت إلى شقيقي، غير سليم بركات، شقيقي الآخر عبدالرحمن شيخ عفيف، لكنه لم يأتِ، كان يدون في هانوفر رائحة الخريف ويطن في الزهور الختمية في عامودا. كان يشرب الشاي الألماني، بيد كوردية. وكنت قد اشتقت إلى إبن عمي أحمد حسيني، فلم ألتق أيضاً به؛ تحادثنا سطراً واحداً، السطر القلق عن الحيوات البرية والتبغ ونهر عامودا وموتى عامودا. يقيناً لم نتحدث عن أي شيء. فقط نبهني مرة، ونحن في الخارج ندخن، كنت أرتدي شيالاً وحافياً:

ـ "يابني ستمرض". لكن لم أمرض. ولم أرد عليه. وكنت أريد أن ألتقي بدليار ديركي، القلق الممتزج برائحة المؤانسة للفقدان عن ديريك، فلم ألتق به؛ التقيت به في اليوم الأخير من الشعر في قصبة الألم. وكنت أريد أن ألتقي بعبدالباسط سيدا، وهو يسرد لي عن الفلسفة الكوردية ـ حيث اختصاصه الأكاديمي ـ لكن، لم ألتق به أبداً. وكنت لاأريد أن ألتقي بالسياسيين الكورد، خاصة أحدهم الذي حول كلمته إلى لون البرتقال الفج، وعض على ليمون الاحتدام، وملحه، مشيداً بأضواء حزبه، على شهداء قامشلوكي، لم أكن أريد أن أسمعه، فلم أسمعه، ولم ألتق به.

وكنت أريد أن ألتقي بالكتاب الكورد ـ غربي كوردستان الكثيرين، والفنانين أيضاً، لكن لم يحضروا، غابوا بحجة ودون حجة. كنت أريد أن ألتقي مثلاً بـ يونس الحكيم، لكن لم ألتق به. وكنت أريد أن ألتقي بفؤاد كمو، لكن لم ألتق به، كان قد عاد للتو من كوردستان، بعد ستة أشهر. كنت أريد أن ألتقي بـ سامي نامي، فالتقيت به حنوناً أديباً واضحاً ومتواضعاً. وكنت أريد ألن ألتقي بصديقي القديم زيور حاجو، فالتقيت به؛ زيور الصديق منذ اقتدارنا على لغات غير لغاتنا: الإنكليزية له، والعربية لي، نحن الكورديين، فكنا في اقتدار أننا كنا طلبة في جامعة حلب. أخذ مني تلك السنوات الأعمال الشعرية الكاملة لـ ناظم حكمت، ثم فرقتنا الجغرافيا، لم أندم على تلك الأعمال الضائعة، ولم أندم على الضياع في متاهة الرحيل من كوكب الله إلى كوكب الله. لكن ساندفيكن، كانت تحتشد بالأعمال الناقصة للكتاب الكورد ومثقفيهم؛ لم يأتِ الكثير، أعذار مثل أعذار وزير هارون الرشيد، وزوجة هارون الرشيد الجليلة مثل إلكترون.

17

التأم شمل طاقم تيريز: مزكين كمو، آخين ولات، قادو شيرين، وفرهاد أحمي ـ الذي انضم إلى العمل الشاق إلينا ـ، وأنا، الذي أدوّن سيرة جرارات الكاتربيللار في قامشلوكي. ساعاتان من أوبسالا، ظل فيهما مزكين كمو يقود المطر، وليس السيارة، تحت أشجار السويد الخضراء، لم تكن خضراء، بل صفراء. لأستدرك خريف السويد الشمال القاحل. ثمت شجرة مسائية في النُزل الذي كنا فيه، شجرة هائلة، تلونت بالأحمر الميت، مررنا تحتها، والسيارة مرت تحتها، ونحن نتهادى من ساندفيكين إلى روح النزل، مسبوقين بقريب قاسمو وجامع قاسمو: قادو شيرين؛ تحت أشجار قاسمو نبت حبي. يقول قادو، وتحت تلك الأشجار، ذهبتُ إلى بيته في قامشلوكي العام الماضي، الشهر الثاني عشر من برد الله على الغرفة الجنوبية التي كان يسكنها، قبل أن يدفع بروحه إلى الغياب. غرفته القديمة، التي شربتُ فيها الماء مع والده الصلب، ولففتُ من تبغه ـ تبغ كوردستان سيجارة القلق والحنين.

كنت أريد أن ألتقي بصديق شيخ عفيف، الموسيقي رشيد صوفي، فالتقيتُ به خلل شقيقه خالد صوفي، التقيتُ به، عبر مدائح القطب الكبير ملايي جزيري، وعبر أوتار آلة عود رشيد، وعبر حنجرةٍ ـ مكرمة السماء: أن يكون لك الصوت المبحوح الشجي القوي، فتسرد بأوتارها ـ أوتار الحنجرة: ديسا زي نو بي حالي ساقي ورين جاما زجاج، يكتب القطب، يلحن الموسيقي، ونسمع في النزل الصاخب، القرن القديم في جزيرا بوتا، أسرار التصوف الكبير الراقد تحت نجوم الدنيا.

18

الجرارات ـ الكاتربيللار، هي تدبر شؤونها الآن، تتكوم على روحها المعدنية، وينبت على أطرافها المطاطية العشب والبرد وبصل البعث، وينبت على لونها الأصفر اللون السرخس، وينبت على سلاسلها الحديد المطاط، فيكسوها، تكسو الجرارات أنفاس عامودا وهليليكي، معبر نصيبين، والدليل المرتجف إلى قرية شيخ الخزنويين الكبير، والدليل الآخر إلى الحسكة. دليل ورد. دليل حب. دليل برائحة الليل والخوف المبتل بالورد:

(وردٌ من وجهكِ

وردٌ

يأتي مبتلاً

برائحةِ الليل

برائحةِ الخوف

وردٌ يأتي

في الليلِ

في آخرةِ الليل

يجتازُ البابَ المغلقَ

ولهفةَ سورِ حديقتنا

وبناتِ آوىً

يأتي

كالطفلِ الخائف

ويقولُ

احضنني

دعني

على شفتيكَ

دعني أرتعشُ

في أنفاسِكَ

من

بردِ هذا الليلِ

ومعادنِه السوداءِ

في الطرق

وغسقِ آذارَ

دعني

في حضنكَ

نأمة عطرٍ

دعني

أَلبَثُ كالقطِّ

قريباً

من دفءِ لهاثِكَ.. ).

يقول محمدنور الحسيني، عن الشجن الورد.

ويقول الورد الذابل الخريفي في ساندفيكين، يقول: الكورد هنا.

جرارات الكاتربيللار في القامشلي، تتنفس بصعوبة. جرارات تحفر الأرض الكريمة. آلات الله المتوقفة عن التنفس. تتحرك ليلاً بتثاقل، تحفر قبر جكرخوين، وقبور الشهداء.

الكمنجات ثانية؛ هذه المرة سيكون ستير كورداغي، الذي التقيتُ به تلك السنة في بيت قليل مضروب جدرانه بانتظار الإقامة التي أتت تالياً، واستقرت به الحال هادئاً وسلساً مثل الصابونة الكلسية التي تنزلق على أوتار القوس، فتفتن أصابع يده اليسرى في النزل، في المساء الذي ننفض فيه حجر الشبت الصباحي، في نقاشات مدوِّمة وكاشفة، وأيضاً مفتعلة لعصبة، لم نعرف ماذا كانت تريد في فرك أحجارها الخشنة بجدار إتحاد يتشكل حديثاً، في تجربة حديثة ومغامرة ومتعبة وفيها مافيها من بدايات المعارف بالدستور وروح الدستور الذي كان يدب بروح الكمنجات على الحضور.

19

كانت أشجار ساندفيكن الخريفية تراقبنا؛

ويراقبنا السؤال الذي ظل يرفرف على تلك الأيام: لماذا الاتحاد؟

سأتذكر مافعله العراقيون، وهم في بلاء صدام ـ ذخر الأمة العربية، وفخرها ـ، أسسوا رابطة، جمعت منفييهم في مطارح الأرض، وأصدروا مجلتهم القديرة "البديل"؛ هل سنفعل ذلك؟. تتكرر تجارب البطش وتجتمع الماهيات ـ القتل، يفرّ المدوّنون بمثاقيلهم وحيل الكتابة لديهم، ويتفكرون في جرارات متباطئة قوية وبخيال حماية الأدب الكوردي في المنفى، وفي كوردستان. السؤال الذي تحرك تحت المياه، تحرك وكبر، مثل رمية حجر في (كولا عنتر) في عامودا قبل أن يجففه كمال أتاتورك. حجر أملسُ، لكنه يستدير حول نفسه، ويرتطم بالأشقاء الكورد: أين رسائلهم للاتحاد، وماأكثر من جمعيات ومؤسسات وأحزاب ورابطات من كاوا إلى سلالة كاوا، ومن مواقع كوردية من عامودا إلى تل حبش، ومن تل حبش إلى عفرين، ومن عفرين إلى ينابيع كوردستان، ومن ينابيع كوردستان، إلى آفيستا زردشت الجليل، إلى الكتاب الكورد؛ أما سمعوا بخبر أشجارنا المنفية، وهي ترتعش تحت الخريف المنفي في ساندفيكن! يقيناً، قرأ الجميع الغفير ذلك، ويقيناً، تلمس بعضهم حبره، ثم عكف على حبره، شرب حبره ـ حبر الخوف وحبر التجاهل وحبر النميمة والتلفيق والأباطيل. وأيضاً، ذهب خبر تشكيل الاتحاد إلى المواقع الثقافية العربية، لم ينشر موقع واحد هذا الخبر: موقع رزكار. ايلاف, اراب تايمز, القدس العربي. كلنا شركاء وأخبار الشرق.

20

سليم بيجوك، الشاعر، اللغوي، القانوني، قدّم كنزاً من معلومات في مداخلاته الأنيقة الراقية المختصة؛ سليم بيجوك الذي كان طيلة الوقت يدخن من تبغ كتابة قصيدة. إلتقيت به. هو الإيزدي الكسير حباً، قرأ شعراً حباً كسيراً، ودخن المساءات. دخن الشرود الذي كان يرافقه، مثلما رافقني؛ شرود الكتابة. وشرود الحب الممتزج بروح القانون وتوابل القانون.

وروح القانون، سترفرف على إدارة رحيمو ـ الفنان في اليوم الأخير من نقاشاتٍ بيزنطٍ، بيزنط لاينتهون من كيل الليمون الفج بمكاييل الغرباء (أكانوا غرباء حقاً؟).

21

خيال الله على أيامنا الثلاثة في الشمال.

عويل في الشمال.

يتنوّر الشجر الخريف، وهو يوزع بورقه الكبير على الرصيف الطري المبلول بنا.

يتنور الشجر، يتفجر الشجر.

تتتفجر شرايين الشهيد في قامشلوكي، من طلقة فاجرة. طلقة القصاب البعثي.

اجتمعنا في ساندفيكين، لنستطيع إخراج تلك الطلقة الفاجرة، من جسد الشجرة الذابلة في الخريف.

هل سنوقد النار، ونجعل من الملقط أحمرَ ونظيفاً، لئلا، يبقى الجريح ملموماً على نفسه مثلوماً، وجريحاً أبداً. تعبره جرارات كاتربيللار، يعبره هديرها المتفجر، فلا يسمع إلا خصائص لسانه الكليم. لسان لغته الكوردية، التي نادى بها أمه:

ـ يادي.

22

اجتمعنا، لنجعل صحائفنا الكليمة، بلساننا الكليم، أقل ثرثرة.

الجرارات الكاتربيللار، تنام الآن، في السؤال.

السويد

 

 

خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002