Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ثقافات العالم 


 

 

حمزة الحسن

جسر جومان والضفة الأخرى  للقلب

 

"يحزنني مجرد التفكير،

بأن وطننا العريق، العجيب،

ينقرض مع مرور الأيام!".

الروائي ايفو أندريتش، مؤلف رواية: جسر على نهر درينا.

 

كنا نخترق مضيق برسلين بسرب مدرعات في ذلك الشتاء الجليدي الموحل، الشتاء العاصف الجبلي، حيث بدا كل شيء غارقاً في البياض، بما في ذلك الجبال والأشجار والطيور والطرق والعواصف والأنهار  والمنازل والمداخن.

كانت المداخن تنفث في هذا الغمر الثلجي الأبيض الكثيف دخاناً رمادياً بدا في هذا اللون الضبابي الكثيف، علامة حية وطرية ومهدئة على الحياة الخفية العائلية الدافئة. وهذا الدخان، الرمز، كان هو الشيء الوحيد الذي لم يحمل لون البياض، حيث غرقت الطبيعة الوعرة والصخرية بالأبيض المتوهج، حتى بدا العالم كأنه متاهة ثلجية بيضاء، ونحن نغرق في هذا الحريق الناصع المضيء.

أتذكر جيداً (سنة77) كيف أن الوحول والعربات العسكرية المنقلبة في المضيق، كانت تعرقل تقدمنا، وكنا أشبه ما نكون بفرقة ضالة تندفع نحو مصير محتوم وغامض، لكنه مرسوم بأوامر صارمة كقدر لعين.

وبدا الأمر لي كأننا نزلنا تواً من إحدى روايات أرنست همنغواي بهذه العجلات والأمطار والوحول والثلوج والعواصف والمداخن والموت المنتظر والمعارك المقبلة، وخاصة روايتيه الشهيرتين (لمن تقرع الأجراس، ووداعاً أيها السلاح)، فهما أقرب في هذا الضباب والأمطار والمضيق، لهذا الجو العاصف والقاسي والشرس.

كنا نعرف أن هناك ثلاث مدرعات محاصرة في منطقة تسمى ويلزة أو ديلزة، حين ينعطف الطريق من كلالة نحو اليمين على قنطرة فوق مجرى مائي، وقد تم إعطاب عجلاتها بالرصاص المنهمر من قمم الجبال وعلينا الإسراع  قبل هبوط الليل لكي لا تحترق.

وحين عبرنا القنطرة واخترقنا الأرض شبه السهلية الترابية الموحلة، انهمرت من القمم الجبلية ذخيرة الموت فوقنا، حتى صار أزيز الرصاص يرن فوق الحديد السميك المضاد للرصاص، بما يشبه النقر الحاد المتواصل.

لم أكن أعرف أن عجلة القيادة كانت تحمل وسيطاً هو (السيد نامق) إذا كنتُ أتذكر جيداً، وهو شخصية محلية  محترمة من كل الأطراف، وكان سيقوم بدور مفاوض سلام، بعد أن تم إبلاغ كل الأطراف.

وحين نزل من العجلة التي أمامي، وفي يده راية بيضاء، توقف كل شيء، حتى الرصاص والثلج والضباب والتنفس والموت والخوف، وطلب من جنود المدرعات المحاصرة الخروج، وقد خرجوا فعلاً حسب الاتفاق، بدون رصاصة واحدة، في سلوك يعكس شجاعة الآخر في الوعد الأمر الذي جعلنا نشعر باحترام عميق لمن أريد لهم أن يكونوا خصومنا في السلاح، نحن الإخوة، شركاء المصير، والأرض، والتاريخ، وهذا الثلج الهابط فوقنا حزيناً كالرماد. ما أكثر الرماد!

وقبل حلول المساء كنا ننحدر، كسرب من  الحشيش الأخضر المكسو بالثلج (لون المدرعات) نحو جومان، بعد عبور القنطرة نفسها التي بدت لي جميلة ومدهشة تحت مجرى صخري فوار هادر.

على قمر مضبب بزغ فجأة، على غير توقع، في هذه المتاهة، وكنا نبدو كرجال صحراء غمرهم الأبيض المحترق، ونور القمر الشفاف الرقيق، وهو ليس قمر البراري. عسكرنا في موقع مطل على البلدة.

ولا أدري هل هي الأقدار أم المصادفات، أن التقي في بغداد في سنة 87، وفي حرب الخليج الأولى، بآزاد الكردي، في فندق سيوان في فرعٍ لشارع السعدون، منطقة البتاوين، وكان مبعداً قسراً بقرار من جومان، في حين كنتُ هارباً من الحرب!

كلا، ليس قدراً بل المصير المشترك، والشراكة في الحياة والموت والخوف والألم والنفي والأمل. يسمع هو حكايتي، وأسمع أنا حكايته: إنها في الحقيقة حكاية واحدة لشخصين، جرحين، أملين ، طفلين، غسقين، منفيين من وطن واحد!.

يصير هو بعد ذلك بسنوات أحد شخوص رواية (الأعزل) وأصبح أنا وجهه الآخر: هو يحلم بنهاية الحرب، العودة إلى جومان، حساء نظيف، ومدخنة، وجبل، وجواز، وحذاء، وكرامة، وسلام، وأمل، وزوجة، وربيع. أما أنا فليس عندي لا أمس ولا اليوم غير حلمه هو: نحن حلمان في منفى واحد، وطن واحد، جرح واحد، أمل واحد، قلب واحد، حزن واحد، وفي فندق واحد هو فندق (سيوان)  الذي  قد يعني اسمه مقبرة الشعراء!

مهما حاولنا أن نتحدث عن سيرة ذاتية شخصية، فسوف نجد أنفسنا، نحن الجيل الخائب، أمام سيرة عامة مشتركة (تاريخ السلطة!) وكل حكاية خاصة، مهما بدت مفرطة في خصوصيتها، ستكون في النهاية حكاية الجميع.

حدثني عن ذلك الشتاء الجليدي، وعن جبال قنديل وسكران وحصاروست وكرده مند، وحدثته عن أخي يحيى غير الشقيق الذي قتل فوقه يوماً (ذاكرة مشتركة للألم!) لكي نتساوى في عدد الموتى والقبور والأحزان وفي الخسارة!

حدثني عن جبال حصاروست، وكيف كانوا يرون مدرعاتنا حول البلدة أو في الطرق والكمائن التي نصبت لها، وحراساتنا فوق جسر جومان في الليل.

أقول له ضاحكا:

ـ إذن كنت مخرباً؟!

يضحك  بسرور:

ـ بشكل ما، نعم. مخرب لوضع ما!

 

أقول له بفرح وانتشاء:

ـ من صحة المنفى من جومان!

ـ من صحة المحارب الشريف!

اسأله:

ـ قل لي أين كنتم يوم دخلنا البلدة أول مرة؟!

ـ كنت أنا نازلاً إلى المدينة من قاعدة سرية على سفوح حصاروست لغرض حمل الأرزاق حين مررتم لأول مرة في الشارع!

قلت مقاطعا:

ـ كان القمر جميلا في تلك الليلة!

ـ لا أتذكر. قد يكون القمر مهماً عندك لأنك لست من الجبال. عرفت فيما بعد أنكم كنتم في قرية ويلزة لفك حصار المدرعات. هل رأيت أننا شرفاء في الوعد؟!

قلت مازحا:

ـ أنت تستحق لقب آمر بتاليون حقيقي!

فاجأني مرة قبل أن نتعرف أكثر ونكشف المخبوء:

ـ هل أنت "منهم"؟!

وكنت أعرف ماذا يعني فقلت:

ـ لا، ماذا يقول لك قلبك؟

ـ يقول لي، لا!

ـ عندك قلب رجل جبلي نظيف أيها المخرب الجميل والمنفي. قل لي أرجوك: حين دخلنا رايات سنة 75 وجدت فيها مشنقة. لمن تعود؟!

قال بما يشبه الألم:

ـ تلك كانت لشنق المعارضين أو الخونة. تقع على الجانب الأيمن من الطريق حين تمضي صاعداً

نحو حاج عمران، أليس كذلك؟

ـ بالضبط.

وأضاف بحسرة:

ـ كانوا مع الأسف يتصرفون على أنهم سلطة!

قلت:

ـ سمعت آخر خطاب للزعيم البارزاني، وهو ينسحب من عرينه كأسد جريح، يقول في اذاعة جومان قبل أن  تدمر في اذار سنة75: "إن الشعب الكردي لا صديق له!". هل هذا صحيح؟!

ـ صحيح تماما.

قلت:

ـ ونحن؟

ـ أنتم إخوة!

قلت:

ـ هل لي أن أسألك: هل تعلمتم درساً من كل هذا الألم؟!

ـ لا أدري!

 جزء من هذا الحوار نشر في (الأعزل) قبل سنوات، وهو ليس حديث اليوم. حدثته بعد ذلك عن الحرب، والهروب، وعن السلطة وعن هويتي المزورة التي أحملها فبحلق في وجهي بذعر ومودة:

ـ أخشى عليك من مداهمة رجال الأمن!

ـ هل يأتون؟

ـ فجأة قد يأتون بدون سابق إنذار. وفي هذه الحالة سأتصل بك  في الهاتف.

قلت ضاحكاً:

ـ وماذا ستقول؟

ضحك منتشياً بالصداقة والشراب والأسرار والحزن كوعل جبلي مسرور وهو يقول:

ـ أقول لك اقذف نفسك من الطابق الخامس!

حين كنت أقف فوق جسر جومان، حارساً، بعد منتصف الليل، وفوقي يهطل الثلج، وتحتي هدير المياه وهي تضرب الصخور، أتذكر الروائي البوسني ايفو اندريتش مؤلف الرواية الرائعة الشهيرة (جسر على نهر درينا).

فهذا الروائي الكبير كان يحزنه الحقد العنصري والقومي والعرقي والاضطهاد المتنوع، وكان يحلم أن يظل جسر درينا، هو القلب والجسر الذي يربط بين المكان والعرق والدين والقومية واللغة والتاريخ وبين الأمكنة والناس المختلفين. هذا الروائي  يقول عنه عبد الرحمن منيف في كتابه "لوعة الغياب":

"أما حياة اندريتش ذاتها، وما تمثله من معاناة ومصاعب وتحديات، فإنها صورة للعصر الذي عاشه، وشهادة على هذا العصر الذي لا يعرف الرأفة والعدل والمنطق. وليس من المبالغة القول أن حياة هذا الكاتب كانت من أبرز مصادر روائعه الفنية في القصة والرواية، إذ سجل الكثير مما عاشه وعاناه، وقدم حالات وأماكن وشخصيات عرفها عن قرب.

إنه ينقل الأماكن والشخصيات، النبضات وروائح الأشياء، لسعات البرد ولهيب الحريق، لحظات الحب ورجفة اللمسة الأولى، بامكانه أن يقول أشياء كثيرة: الأشياء الندية، الحافلة، والشديدة الحزن، وتلك التي تقول الفرح والأمل، وربما البطولة، وحتى الموت، وهذا ما فعله الكاتب العبقري، اندريتش:.

 كان هذا الروائي يشعر بالحزن وهو يرى الحقد الأعمى يقضي على تاريخ بلده، وكتب يقول: "يحزنني مجرد التفكير بوطننا العريق العجيب ينقرض مع مرور الأيام!". وكان يشعر أن الجميع، من كل الأديان، واللغات، والقوميات، يمكن أن يعيشوا بسلام وحب وأمل، لذلك كانت صرخته في هذه الرواية الصادرة قبل سنوات طويلة من الحرب الأهلية، هي النبوءة التي ضاعت في حوار السلاح والحقد، فلم يسمعها أحد إلا في مقابر اليوم، وبعد أن خرج الجميع خاسرين من حوار السلاح والعرق والدم!

 

وكنت أنظر إلى جسر جومان في الليل الثلجي العاصف، وكأنه  رمز الجسر الذي يربط شمال القلب بجنوبه، الآخر وأنا، دون الحاجة لهذا السلاح الذي يأكل الأخضر واليابس، دون الحاجة إلى هذا الموت المتواصل، فما حاجتنا إلى الغفلة، كل حقبة، ونحن في النهاية من يموت لا غيرنا؟!

كم هي صادقة وعميقة وحكيمة كلمات ايفو اندريتش الأخيرة، التي ضاعت في الريح: "إن كل ما تتكون منه الحياة: الأفكار والجهود ووجهات النظر والبسمات والكلمات والزفرات ووجهات النظر..إن كل ذلك يصبو إلى الضفة الأخرى، باعتبارها الهدف والموطن الذي يمكن أن تكتسب فيه مغزاها الحقيقي.. إن آمالنا كلها تكمن في الضفة المقابلةّ".

 

 آمالنا تكمن في الضفة الأخرى

 من جسر جومان

 جسر القلب

 في ضفة بيت آزاد!.

 

* روائي عراقي، مقيم في النرويج.

 

خاص بـ تيريز. كوم 
24/02/2004

 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002