Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


مقام الضيوف


 

 

نيروز مالك

 

كانت جدتي تسرد لي الحكايات باللغة الكردية

 

 

حاوره: عبدالحليم يوسف

 

* سنبدأ من الاسم "نيروز مالك"، إن الاسم مؤلف من كلمتين: الأولى لها دلالة كردية، والثانية كلمة عربية، من أين جاء هذا الاسم؟ وما حكايته؟

ـ كان بودي لو أقص عليك حكاية اختياري اسم "نيروز مالك"، لأنشر تحته منذ البدء.. إلا أن هذا الأمر سيطول، وليس مفيداً برأيي، الحديث فيه منذ البدء.. لأنني لو فعلتُ ذلك، سأضطر أن أتحدث عن السياسة والايدولوجيا والثقافة وغيرها.. أي سأكرر كثيراً من أفكاري في أجوبتي على أسئلتك.. كما أني أتمنى من القارىء أن يستشف بنفسه حكاية الاسم الذي اخترتُ.

* سنتوقف قليلاً عند حياتك الشخصية الآن، كيف تعيش؟ ماذا تعمل؟ هل لك أن تحدثنا عن برنامجك اليومي؟

ـ منذ مدة ليست بعيدة، أصبح لي حياتان! الأولى تلك التي يراها الناس جميعاً.. أي ذهابي إلى العمل والعودة منه، تسللي في بعض الأحيان من البيت إلى المقهى الذي اعتدت لقاء من أريد من الأصدقاء فيه.. تجولي بين المكتبات مرة أو أكثر من كل أسبوع.. قضاء بعض الليالي ساهراً هنا وهناك من أماكن السهر مع الأصدقاء، تسكعي الطويل في الشوارع والحدائق، قضاء بعض الوقت، وهو ليس بكثير مع أسرتي الصغيرة (زوجة وابنتان)، التأمل وسماع الموسيقى الكلاسيكية والقراءة والكتابة معظم أيام السنة باستثناء فصل الصيف.

هذا باختصار وبصورة عامة عن حياتي الأولى.. أما حياتي الثانية، فأجد صعوبة جمة في الحديث عنهاّ والصعوبة تكمن في الكتابة عن الوجدان والمشاعر والاحساس وشيء من الأحلام، والكثير من الكوابيس.. وعن الخوف والذعر والصمت المطبق الذي يشبه صمت الموت، وعن رغبات أخاف من نتائج الافصاح عنها.. مثل أن تصدمك سيارة أو أن تقتل بطريقة خاطئة، أو تؤخذ إلى مكان مجهول ولاتعود منه أبداً، أو تدفن في قبر طوله متران وعرضه متر واحد.. وأنت على قيد الحياة لمدة سنوات أو مدى العمر!

بالمناسبة، هل تفعل أنت ما أفعله أنا عندما أحاول الحديث مع نفسي؟ قد تسألني ماذا أفعل؟ إليك الصورة.. أحياناً أرغب في شتم نفسي.. وعندما أحاول، أتردد كثيراً.. ثم ألتفت فيما حولي لأرى إن كان هناك أحد ما إلى جانبي أم لا.. أو حتى قريباً مني.. وعندما أجد نفسي وحيداً.. لاأشتم نفسي خوفا، انما أشتم رجلاً آخر لاأعرفه في دولة أفريقية، أو أمريكا اللاتينية أو أي قارة أخرى غير آسيا.

أرجو أن أكون قد وضحت الصورة عن حياتي اليومية..

* سنعود إلى الوراء، أنت تقف وراء العقد الرابع من العمر، كيف يمكنك أن تحدثنا عن الطفولة التي عشتها، امتدادها في حياتك وفي كتاباتك، هل من آثار لتلك السنوات الغابرة؟

ـ عن أية طفولة تريدني أن أتحدث؟ عن ولادتي بعيداً عن مسقط رأس والديّ، أو العيش مع مجموعة من الأطفال من شتى الملل والنحل، أو عن أيام الفقر والعوز والعجز عن فعل أي شيء لتخطي هذا الواقع المرير والمهين والمذلّ.. عن أية طفولة تريد أن أتحدث؟

لازلت أذكر القهر الذي كنت أعانيه عندما كنت أستيقظ في الساعة الخامسة صباحاً ـ صيفاً، شتاء، ريبعاً، خريفاً، وأنا في الثانية عشرة من العمر، ولمدة سنوات، وكنا نقطن في حي السريان القديم، وكان يسمى في تلك الأيام (براكات السريان)، لأنه، أي الحي، طبعاً لم يصبح حياً إلا منذ وقت قريب.. بعد أن هدمت تلك "البراكات" لتصبح أبنية ـ كان بالفعل بيوته مبنية من اللبن الحواري ومغطاة بسقوف من ألواح التوتياء وبعض الأعمدة الخشبية، فتصبح البيوت جهنماً في الصيف وفي الشتاء براداً يمكن أن تخزن فيه الجثث..

قلتُ، كنت أستيقظ في الساعة الخامسة صباحاً لأذهب إلى حارة "القله" التي هدمت في أوائل السبعينيات من أجل بناء مشروع "باب الفرج" الذي لم يبن للآن.. هل تعرف لماذا؟ فقط من أجل أن توفر أسرتي نصف ليرة، أي خمسين قرشاً، وهو فارق السعر مابين كيلو الخبز الأبيض، وكان ثمنه (35) قرشاً، وبين سعر الخبز الأسمر، وكان سعره (25) قرشاً، أقطع المسافة مشياً، وكانت أكثر من عشرة كيلو مترات ذهاباً وإياباً مثلها، لنوفر، كما قلت خمسين قرشاً.. ثم أذهب إلى مدرستي "المأمون" في حي الجميلية.

أم أحدثك عن بنطالي الوحيد الذي كنت أرتديه طوال أيام السنة صيفاً وشتاءً، أم أخبرك عن عدد الرقع التي كانت عليه، قبل أن أشتري آخر جديداً..

أم أحدثك عن حالة القهر والانزواء والعزلة عن الناس جميعاً، وبخاصة الأطفال الذين كانوا في سني، بسبب خجلي من الفقر الذي كنتُ أرفل فيه! أو عن غضبي من أطفال آخرين، عندما كانوا يشتمونني في وجهي بجملة لم تعد شائعة اليوم "كردي جحش"، أم أحدثك عن طفولة قضيتها شاهداً على طفولة لآخرين عاشوا شقاءً مزدوجاً في الميتم الخيري الاسلامي في مدرسة حطين..

لقد حمدت ربي كثيراً في تلك الأيام، على أنه لدي أب وأم يحيطانني بالرعاية رغم فقرهما.. أم أحدثك عن وعي المبكر بالأفكار الاشتراكية العلمية، وأنا في سن الثالث عشرة من سنواتي، عندما بدأ "المكتب الثاني" بالقاء القبض على الشيوعيين وبقية الوطنيين، وزجهم في السجون.. وذلك بحكم عيشي في دار عربية مؤلفة من سبع غرف، كانت تعيش أسرة في كل غرفة فيها.. وكانت، على ما أذكر، أصغر أسرة من تلك الأسر مؤلفة من أربعة أولاد اضافة إلى الأب والأم.. أية طفولة؟ كأنك تعيش في ثكنة.. المطبخ واحد لسبع أسر لايقل عدد أفرادها جموعاً عن خمسين فرداً، ومرحاضاً واحداً، وصنبور ماء واحد.. تصور هذه الطفولة التي تصارع الكبار قبل الصغار من أجل الدور في الدخول إلى المرحاض أو غسل الوجه واليدين..

أم أحدثك عن طفولة مبكرة قضيتها في حضن جدّي (لأمي) في قرية "قِيبار" المنقسمة إلى (اسلام ـ إيزدي) أو أحدثك عن طفولة وسنوات أحلامها العريضة في بناء عالم خالٍ من الفقر والتمييز القومي والديني والعرقي.. وعن صور البطولة التي ارتسمت في خيالي وأنا في الرابعة عشر، عن الشيوعيين الذين دخلوا السجون في أيام الوحدة (المصرية السورية)؛ الشيوعيون الأكراد الذين تعرفت عليهم في تلك الدار ـ الثكنة، أصحاب بطولات حقيقية كانوا، هؤلاء الذين ضربوا لي المثل في التفاني، وقدموا لي فكراً انسانياً رحباً، وجدت فيه الطريق التي سلكتها من أجل الوصول إلى الجنة الأرضية وأنا في مطلع شبابي في الواحد والعشرين من عمري..

هناك الكثير من الأشياء التي يمكنني أن أحدثك عنها وعن طفولتي، ولكن هذا يحتاج إلى صفحات طويلة طويلة جداً..

هذه الطفولة القاسية التي عشتها، لازالت امتداداتها تعيش معي، ولم أستطع في بوم من الأيام التخلص من ذكرياتها.. لم أحاول ذلك أبداً.. وكثيراً ما أعود إليها عندما أمر بظروف قاهرة صعبة، لأطلق شيئاً من الأمل في لحظات اليأس التي أمر بها.. كما أني أعود إلى ذكريات تلك الطفولة لأصوغ حدثاً من أحداثها في قصة أو فصل من رواية.. ولعل أبرز ما استفدت منه في تلك السنوت التي جسدتها في روايتي (الجد والحفيد) التي أنجزتها في عام 1988.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أعتقد بأن كل ما كتبته عن الطفولة هو صور من طفولتي.. ولاأعتقد ـ بالنسبة لي على الأقل، يمكن للانسان أن يبتر طفولته من حياته، بعد أن يترك تلك الطفولة وراءه بزمن غابر كما قلت..

* أنت إبن ثقافة مزدوجة، كيف تتداخل هاتان الثقافتان لديك؟ وكيف تتم الاستفادة منهما في التجربة الكتابية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لماذا لم تكتب بالكردية؟ لاأعتقد أن بقاءك في حلب وابتعادك عن البيئة الكردية يبرر ابتعادك عن اللغة الكردية وعدم الكتابة بها؛ مثلاً: جلادت بدرخان الابن الصميمي لـ كردستان الشمالية، نفي إلى دمشق، عاش فيها.. ومع ذلك أسس الأبجدية الكردية هناك.

ـ إن الجواب على سؤالك ليس سهلاً، والسبب، لاأدري إن كان السؤال يحمل من المعرفة أكثر مما أملكها، لأجيب عنه في مثل هذه الحوارات، أم أني غير موافق على جانب من السؤال، وهو يتعلق بتداخل الثقافتين..

أنا بخبرتي المتواضعة ـ أعرف، وهذه المعرفة، تسندها تجربة، كوني ابن ثقافتين كما قلت.. إن الثقافة لاتتكون فقط من ولادة انسان على لغة غير اللغة التي يتكلم بها ويعيش عليها ساعات يومه، ويقيم بها علاقاته مع الآخرين..

الثقافة وتكوين المرء عليها، باعتقادي، هي أعقد من أنْ أولد أنا أو غيري، كردياً.. الثقافة هي تلك الأرضية الاجتماعية التي ولدت عليها وعشت فيها وبينها أيضاً.. وتلك اللغة التي تعبر بها شفاهة وكتابة عن حياتك اليومية المعاشة، وذلك الخضم العارم من الناس الذي تخوض فيه وتتشابك حياتك مع حياتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية.. فأنا، وهذا الأمر يدعو للأسف، لم أعرف اللغة الكردية كتابة. أي لم تتمرس يدي بالكتابة عليها، أي لم يكن لها الخيار في حرية التعبير عما يجول في صدري وما يعكسه عقلي في حياتي المعاشة اليومية. إنما هي، أقصد يدي، ذهبت مباشرة إلى اللغة العربية، في المدرسة، ولساني في التعبير مع من كان يحيطني من الناس، وكان معظمهم عرباً، أرمنَ، تركماناً، جراكسة.. وأكراداً.. حتى أبي، لم أعرفه بشكل جيد، إلا بعد أن بلغت الثانية عشر من العمر، كان في معظم الوقت على الحدود مع إسرائيل.. كان جندياً متطوعاً في الجيش الوطني منذ سنة 1940.. أي لم أعش في مجتمع كردي صرف. ولم أطلع خلال طفولتي ويفاعتي على ما يعانيه الأكراد كشعب، لهم لغتهم وثقافتهم ومشاكلهم السياسية الخاصة بهم.. لم أتعرف قبل سني شبابي على واقع الشعب الكردي ونضاله من أجل حقوقه..

وما أعتقده اليوم وبالأمس أيضاً.. لايكفي للمرء أن يولد كردياً أو عربياً حتى يمتلك ثقافة الشعب الذي ينتمي إليه.. إنما عليه أن يعيش مع هذا الشعب وبينه وفي بيئته، لكي يستطيع أن يمتلك ليس ثقافة الشفهية أو المكتوبة فقط، إنما روحه الجوانية أيضاً.. حتى يستطيع الكاتب التعبير عنه..

أنا لم أنفَ كـ جلادت بدرخان.. أنا ولدت في مدينة عربية، عشت في مجتمع عربي، وتعلمت الثقافة العربية في مدارسها وبين شعبها.. جلادت نفي للأسباب التي دفعته إلى تأسيس الأبجدية الكردية ـ باللاتينية.

وما أعرفه عن جلادت بدرخان، أن تفتحه الأول كان على قضايا قومية. كيف يمكن للشعب الكردي أن يحصل على حريته.. أن يكون له دولة ذات حدود وعلم ورئيس.. أي دولة ذات سيادة..

أما أنا.. فكان تفتحي الأول على الفكر الماركسي وعلى الأفكار الاشتراكية العلمية.. كنت كثيراً ماأطرح على نفسي، وكان ذلك قبل انتسابي للحزب الشيوعي السوري في سنة 1967، السؤال التالي: أين موقعي.. هل هو الحزب السيوعي السوري، أم حزب (البارتي)، بقيادة البارزاني الأب الذي كانت له صولات وجولات في كردستان العراق في تلك الفترة؟ كنت أقول لو قامت الدولة الكردية، هذا يعني ستكون برجوازية صغيرة على عشائرية، وهذا الوضع يتطلب النضال من جديد من أجل تحويلها إلى دولة اشتراكية.. أما الانتساب إلى الحزب الشيوعي السوري، هذا يعني قيام الدولة الاشتراكية.. وفي هذا النظام، حلت مشكلة القوميات من دون حيف أو ظلم أو قهر.. وكان الاتحاد السوفييتي ـ يومذاك ـ مثالاً حياً لنا. لهذا اخترت الحزب الشيوعي، ولم أختر البارتي.

أما الكتابة باللغة الكردية.. ليس من الصعب تعلم الأبجدية الكردية، ولكن ألا ترى معي أنه من الصعب التعبير بها عن القضايا التي تثير وجداني وتدعوني إلى التفكير الدائم بها.. وهي قضايا تهم جميع الشعوب التي تعيش في سوريا، أكانت أقلية أم أكثرية؟ قضايا مثل العدل الاجتماعي، الحريات الديمقراطية، محاربة الفساد الذي ينخر المجتمع ويحط به إلى الدرك الأسفل يوماً بعد يوم.. وفوق كل هذا، التعصب القومي والديني غير المعلن.. إن مثل هذه القضايا بالنسبة لي هي من الأوليات التي علي أن أعبر عنها.. هذه القضايا هي التي تشغل بالي وأقاتل في ساحتها منذ سنوات طويلة.. وهذه القضايا تهم الشعب العربي مثلما تهم الشعب الكردي وبقية الأقليات التي تعيش في سوريا..

إن هذه القضايا لايمكن أن أتحدث عنها وأعبّر بلغة غير العربية، كيف لي أن أتحدث عن مجتكع عربي يعاني من الفساد والانحطاط والخراب بلغة كردية مثلاً؟ إن فعلت، كأنني ألبس معطفاً سميكاً في عز الصيف.. ثم ألا تعتقد بأن طلبك في السؤال فيه شيء من التعصب؟ هذا التعصب الذي وجدته في روايتك "سوبارتو"، صحيح، أنا لاأنكر أبداً أني تلقيت الشتائم مثل "كردي جحش" وكان من السهل جداً، أن أرد على الشتيمة بأخرى مثل "عرب جرب"، ولكن هذا الأمر، أي الأخذ بروح الثأر، لم يتملكني في يوم من الأيام، لأن الخلفية الفكرية التي تربيت عليها تنفي علي رد التعصب بتعصب آخر...

فالقضية في رأيي، ليست الكتابة باللغة الكردية، إنما القضايا التي يمكن أن تكتب عنها. هذه القضايا، لو أنك سألتني لماذا لاتكتب عن القضايا الكردية؟ لكانت صيغة السؤال أدق.. مثل بعض الكتاب الأكراد الذين يكتبون عن قضية الشعب الكردي باللغة العربية.. مثلاً سليم بركات..

سأفترض بأنك سألتني هذا السؤال، ويمكن أن يكون جوابي عليه على الشكل التالي: أشعر أن الكتابة عن قضايا الشعب الكردي لابد لها أن تنحصر في الكتابة التحريضية من أجل تحقيق طموح وأحلام الأكراد في قيام دولة كردية، أو في انتزاع حق من حقوقه الثقافية.. أي ستكون كتابة سياسية صرفة.. أما أنا، أقول إن السياسة يمكن أن يمارسها الكاتب وهو في حزب أو صديق لحزب.. أو.. فقط، وأقول أيضاً لم تعد تهمني سوى القضايا التي تهم الشعوب التي تعيش في سوريا، أأقلية كانت أم أكثرية، لأنها القضايا ـ في رأيي ـ الوحيدة التي يمكن أن توآخي هذه الشعوب مع بعضها البعض، وأن تتفهم أوضاع بعضها البعض، وأن تصل إلى حلول مشتركة ترضي الجميع ـ أذكّرك.. أنا أتحدث عن شعوب وليس حكومات.. لأن الأخيرة، والتجربة أكبر برهان، لم تحل حتى مشاكل شعوبها، ولم تستطع أن تكسب ثقتها.. حكومات قامت على الاغتصاب والدم وهدر كرامة الشعب الذي تنتمي إليه هذه الحكومات، قبل هدر كرامة الأقليات.

* إن كتاباتك مكتوبة بالعربية، وقلما يظهر الموضوع الكردي فيها، في رأيك، هل تعتبر أنك أضفت شيئاً إلى المكتبة الكردية، الأدب الكردي، الثقافة الكردية، خاصة أنك لاتنكر انتماءك إلى هذا الشعب المحروم من أبسط حقوقه الثقافية؟

ـ في مجموعتي الرابعة "كتاب الوطن" قسّمت المجموعة إلى قسمين، ففي القسم الأول، تحدثت فيه عن حياة الفلاحين وعملهم من أجل غد أفضل، أما في القسم الثاني فتحدثت فيه عن حياة العمال للغاية نفسها.. وأنت تعرف، أنا لم أعرف الريف كمجتمع وبنية اقتصادية، ولكنني اعتمدت في تصوير حياة الفلاحين على الذاكرة، واسترجعت بعض القصص والحكايات التي كانت جدتي قد حكتها لي يوم كنت صغيراً، في خلال زياراتي إلى الريف.. لذا تجد الجو الكردي وحياة الفلاحين الأكراد هو القائم والسائد في القسم الأول من المجموعة.. كما أني أنجزت رواية بعنوان (مم وشين) وهي معدة للطبع، مكتوبة على غرار "مم وزين" مع اختلاف المضمون والزمن، كما أني كتبت مايقارب خمس عشرة حكاية ضمنتها روايتي (الجد والحفيد) التي انتهيت من كتابتها العام الفائت.. لاأدري إن كان هذا النتاج المتواضع يمكنك أن تضعه على رفوف المكتبة الكردية؟

* في حوار سابق معك، كنت تركز من حيث المرجعية لديك، على جدتك.. مادور هذه الجدة وتأثيرها في كتاباتك، خاصة إن هذه الجدة كانت تسرد لك الحكيات بالكردية. كيف ترجمت هذه الحكايات، من الكردية، ألا ترى أن الجدة كمرجعية لاتكفي؟

ـ لقد لعبت جدتي دوراً كبيراً في حياتي. هذه الجدة التي توفيت بمرض غريب وهي لم تتجاوز الخمسين، ليس فقط من ناحية سردها الحكايات، إنما من نواحٍ جمة.. وبخاصة من حيث تماسك الأسرة.. أقول لولاها لما عرفتُ أنا شيئاً عن جدي وخالاتي.. أو لربما ما بقيت والدتي على عصمة والدي.. كانت جدتي إمرأة صارمة، لاتهادن في قضايا تعتبرها مصيرية، إن كانت تتعلق بالأسرة وأفرادها وتماسكها.. وما إن توفيت حتى تبعثرت الأسرة شذر مذر.. ولكن لله الحمد، كان أفراد الأسرة قد كبروا، ولم يعد صغاراً للخوف على مصيرهم...

حتى اليوم أتساءل: لماذا اختارتني جدتي من بين أحفادها أن تقص علي حكاياتها.. ولعلمك، لم تقصها علي في ليالي الشتاء من أجل أن أنام.. كما جرت العادة.. هذا الإطار التقليدي الذي عرفناه في سرد الجدة أو الجد للحكايات ـ كانت حتى في النهار، في أحيان كثيرة، تمسك بيدي، وتقول لي: تعال يابني.. وتسحبني وراءها، وأنا سعيد، إلى خلف "لقوناق"، وهناك، حيث البرودة، تجلسني في حضنها وتذهب في السرد والقص..

لاأذكر أبداً أنها فعلت الشيء نفسه مع أخوتي، كنت أثيراً لديها ومحبوبها. وكانت دائمة التوصية لأمي بأن تهتم بي وألا تهملني.

أذكر ذات يوم، وكنت في الصف الثاني الابتدائي، وكانت جدتي زائرة لدينا في حلب، كيف أن الأمطار قد هطلت بغزارة وشكلت سيولاً على الأرض، وكانت مدرستي تبعد عن الحي الذي نسكن فيه أكثر من نصف ساعة، وكانت المسافة مابين حي السريان ـ حيث تقع مدرستي وبين الكامب التابع لثكنة طارق بن زياد، الذي نسكن فيه، كان الطريق بين المدرسة والكامب يقع في برية واسعة، لايوجد فيها شجرة أو مبنى.. طريق ترابي أشبه بشريط رمادي يعبر برية صفراء لاغير.. في هذا الجو المائي الغزير انبثقت جدتي أمامي. حملتني على ظهرها بعد أن وضعت علي كيساً من الخيش السميك، وعبرت بي تلك البرية.. ما أثار تفكيري في تلك اللحظة هو: كيف عرفت الجدة الطريق المؤدي إلى مدرستي. وهي التي لم تذهب إلى حي السريان.. ولكنني اكتشفت فيما بعد، أنها كانت تخرج ورائي في كل صباح عندما أخرج من البيت إلى المدرسة.. ولا تعود إلى البيت طالما كنت بادياً لعينيها. </