Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ثقافات العالم


 

أحمدالخميسي

الزهرة السوداء لحضارة الروائي العالمي "كوتزي"

 


" كل المخلوقات تأتي إلي العالم حاملة معها ذكرى العدالة". نعم. هكذا يعتقد القاضي في رواية "في انتظار البرابرة" للكاتب جي كوتزي ـ من جنوب أفريقيا - الفائز بنوبل العام الماضي. قاضي المقاطعة الحدودية في بلد احتلته جيوش الإمبراطورية المتحضرة التي ينتمي إليها القاضي. هنا عاش ثلاثين عاماً في جناح في مخفر الحراسة الأمامي، وضاع شبابه بين إصدار الأحكام وجمع الآثار القديمة التي خطت عليها لغة الشعب الأصلي، والتسلي بلعب الشطرنج في بيوت الأصدقاء، أو الورق في غرف الفندق، وأخيراً مضاجعة نسوة البلد المحتل آخر الليل. السنوات الطويلة علمته أن السلطة الحقيقية في أيدي ضباط الجيش وقائد المخفر، وأن وجوده مجرد استكمال لشكل الإمبراطورية التي دفعت بجنودها من آخر الدنيا إلي هذه البلد، لتطرد سكانها الأصليين من مواطنهم وحقولهم، وتقيم المستوطنات بقوة السلاح، ثم تطلق على أصحاب البلد صفة "البرابرة". لا شك أن وجه الشبه بين حالة الاستيطان في جنوب أفريقيا وفلسطين يثب لعقل القارئ. حين يتوجه أحد الضباط الصغار في المخفر بسؤال للقاضي: "ماذا يريد البرابرة منا؟"، يقول له: "يريدون وضع نهاية لانتشار المستوطنات وعودة أراضيهم"  ويشهد القاضي يومياً كيف يقوم الضباط بتعذيب المواطنين على نحو وحشي لمجرد الشك في أنهم برابرة يخططون لعمل انتقامي. يحدث القاضي نفسه: "عندما يعاني بعض الرجال من الظلم، فإن قدر الذين يشهدون معاناتهم أن يعانوا من الخزي". يعيش المخفر الأمامي في خوف دائم من البرابرة. رغم أن أحداً لم يشاهدهم، وليس ثمة معلومات عن أية خطط لديهم لأي عدوان. وينفي القاضي للعميد المسؤول عن المخفر أن البرابرة يشكلون خطراً، قائلا له: "لكن إذا أردنا الصراحة، فإن ذلك هو معنى الحرب. إكراه الآخرين على خيار محدد". أي إكراه المواطنين الأصليين على أن يصبحوا أعداء. هل هناك مخرج آخر؟ أو عدالة أخرى؟ يفكر القاضي في أنه: "لا مكان للعدالة هنا، لأنها لن تعني سوى فتح بوابات البلدة لأناس قمنا باغتصاب أراضيهم". هذه هي العدالة الوحيدة عند الروائي العظيم جي كوتزي: انسحاب المستوطنين، وليس التعلق بمختلف الذرائع من أجل مواصلة البقاء. يشهد القاضي حالات التعذيب البشعة، ويخاطب نفسه بأنه "لا تربطه صلة بأولئك الذين يمارسون التعذيب، القابعين في الأقبية المظلمة مثل الحشرات". القاضي شاهد محايد معذب الضمير فحسب. لكن هل تسمح الجرائم للبعض بترف الحياد؟ أم أن الجميع أطراف فيما يجري؟. ذات يوم تصادف القاضي حالة تعذيب لفتاة من البرابرة  لا علاقة لها بأي شىء، يحطمون قدمها، ويغتصبونها أمام أبيها، ويحمون شوكة حديدية أمام عينيها فتصاب بنصف عمي. ثم يتركونها تتسول في أرجاء المخفر، لأنها لم تعد تستطيع الرجوع إلي أهلها في الجبال. يتخذها القاضي عشيقة، ويقول لنفسه وهو يتحسس ندوب التعذيب على بدنها الشاب: "أنا معها ليس من أجل النشوة.. لكن لأسباب ستبقى غامضة بالنسبة لي" ثم يتساءل: "هل هي ما أريد؟ أم آثار التأريخ التي يحملها جسدها؟". إن الفتاة تصبح الوطن الذي ساهم القاضي بحياده في عملية اغتصابه  وحينما تفتر علاقته بها يفكر في أنه "من الخطأ أن تعتقد أنك قادر على أن تحرق أو تمزق أو تفرض سبيلك إلي داخل الجسد الآخر المتكتم". هذا ينطبق أيضاً على الاستعمار: إنه لا يستطيع أن يفرض سبيله إلي داخل الأوطان الأخرى، ولا يستطيع أن يلقى قبولاً، يقوم القاضي برحلة شاقة لكي يعيد الفتاة إلي الجبال، ثم يعود إلي المخفر، فيجد نفسه طريح الزنزانة وعرضة لكل أنواع التعذيب الوحشي الذي اكتفى ذات يوم بموقفه المحايد، وهو يشاهد ضحاياه. يجد القاضي نفسه في الثكنات داخل ذات الغرفة التي استخدموها في التحقيق والتعذيب بتهمة التخابر مع البرابرة الأعداء. وهناك يعلم أن الجيش يقوم "بهدم البيوت لبناء مزيد من الزنزانات" فيقول لنفسه: "إنه أوان ازدهار الوردة السوداء للحضارة". وعندما يصل التعذيب حداً غير محتمل، يصرخ القاضي صرخات ألم مرعب، فيقول الضابط: "إنه ينادي أصدقاءه البرابرة، تلك لغة البرابرة".  يقول كوتزي إن الألم هو اللغة الوحيدة التي قد يتطهر من خلالها المستعمرون والمستوطنون ليصبحوا أصدقاء للآخرين. ويصيح القاضي في وجه الضابط: "ليس ثمة أعداء سواكم أنتم، إنك العدو أيها العميد". يعري كوتزي حقيقة أن البرابرة الوحيدين هم أولئك الغزاة في رواية عظيمة، صدرت ترجمتها عن المجلس الأعلى للثقافة، وتستحق رغم مستوى الترجمة القراءة. هناك رواية أخرى صدرت لنفس الكاتب العظيم في روايات الهلال اسمها "حياة وزمن مايكل"، تؤكد أن جائزة نوبل كسبت الكثير بضم ذلك الكاتب العبقري إلي قائمة من فازوا بها. الكاتب الذي يؤمن بأن "كل المخلوقات تأتي إلي العالم حاملة معها ذكرى العدالة"، وأن الأطراف كلها طرف  فيما يجري، وأن أحداً لا يستطيع أن يدعي الحياد، ذلك أن أقل درجة من تعاطف القاضي مع السكان دفعته إلي نفس الجحيم.

***

* أحمد الخميسي: كاتب مصري

 خاص بـ تيريز. كوم 
13/01/2004

 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002