Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ثقافات العالم 


 

 

عزت عمر

 

"ليس للكردي إلاّ الريح"

 

قالت فالنتينا:

 لقد بدأ غالي يفقدني أعصابي.. لا أعرف ما الذي دفعه للمجيء إليّ بعد ما يزيد عن عشرة أعوام على افتراقنا؟.. صحيح أنني أغويته في تلك الليلة من ليالي أيار في حديقة العجوز أنوشكا.. نعم ما زلت أذكر ذلك جيداً، فقد جاء مصطحباً العمّة صوفي.. كانت تتأبط ذراعه وكأنها أمه.. وبعد أن التقت العجوزان على سماور الشاي.. انفلت سيل من الذكريات بينهما عن الحرب والحبّ وغلاء المعيشة..

نعم أذكر ذلك جيداً.. وأذكر عينيه اللامعتين في قبو المؤونة هناك حيث تخبئ العمّة أنوشكا الجوز والبندق.. ليلتها كان على أتم الاستعداد لكي يمنحني كلّ ما أريد.. كنت عطشى إلى الحبّ، وكان في الحقيقة فتى نبيلاً.. نعم أذكر عينيه المترقرقتين بالدموع، وأذكر وجهه الشرقي الممتلئ بالبراءة رغم حاجبيه الكثّين.. قال لي يومها أنه سيغادر إلى الجبال.. وقال للعمة صوفي أنه سيحنّ كثيراً إليها ووعد بمراسلتها..

غالي.. هكذا أسميناه نحن فتيات الصف الرابع في كلية الاقتصاد، فقد كان جذّاباً بسمرته الذاهبة في الخجل، ولكنه منذ أن سكن عند عمّتي صوفي بات صديقي الأوحد.. في الحقيقة كان مدهشاً بالنسبة لي في تلك الأيام.. ولم أكن أعلم شيئاً عن سبب مجيئه، ولا عن انضمامه إلى صفّنا، لقد قيل حينها أنه ينتمي لشعب أضاع الإمبرياليون حقوقه.. وما أكثر أبناء تلك الشعوب في موسكو تلك الأيام!! لقد اكتفينا أنا والفتيات بتلك التسمية وكانت تملأنا سعادة، وخصوصاً عندما كان يداعبنا أنا وكارين، أو عندما كان يأتي جالباً معه زجاجة من الفودكا ملفوفة في جريدة البرافدا تحت إبطه..

إنها أيام قديمة بالطبع ، أيام ما قبل بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف، وقبل عواء الذئاب في حديقة العمة أنوشكا.. أما الآن، وقد انهار كلّ شيء فلا أعتقد أن إعادة الذكرى تفيد كلينا.. ولذلك كنت قاسية معه.. نعم مع الأسف كنت قاسية كثيراُ، ولكنه الزمن وقد عصف بنا، فلابد من الانحناء له..

***

رأيته يقف على نافذة بيت العمة صوفي وقد اخشوشنت ملامحه، وضرب البياض على فوديه وأعلى رأسه، ولكنه ظلّ آسراً كما عهدته، في الحقيقة لم أجرؤ على الاقتراب منه أكثر، خشية أن يتعرف ملامحي، ولكنني رفعت سمّاعة الهاتف واتّصلت بكارين وقلت لها: لقد عاد غالي ياكارين؟! فقالت لي: ماذا تقولين؟ أعيدي ما قلته فاليا؟ قلت لها: نعم عاد حاملاً لفافته تحت إبطه، وقرب عمود الكهرباء راح ينتظرني، ولكنني لحسن الحظ  لم أكن أعمل في تلك الليلة، وإلا لما عرفت كيف سأتهرب منه لو أنه أمسك بذراعي، وقادني إلى هناك.. كارين هل أنت على الخط؟!

ولم تكن كارين تنتظر انتهاء قصّتي المطوّلة لكي تركض إليه.. لقد تركتني أقصّ عليها كلّ تلك القصّة الطويلة، كي تغتنم الفرصة وتركض مسرعة إلى هناك.. لعند العمّة صوفي!

ركضت كارين في تلك الليلة العاصفة والباردة على طول شارع ليفسكي، وعندما وصلت بدت لها العجوز صوفي مضطربة بعض الشيء.. ولكنها سرعان ما قالت لها: حسناً ماذا أصابك كارين؟ فخجلت كارين وقد بان على ملاحها إنها تريد استعادة عشر سنوات مضت من عمرها، كي تراه نشيطاً وممتلئاً بالحيوية.. قد تكون كارين تصرفّت بشيء من العصبية وهي تدفع العمّة صوفي وتقتحم الصالون، إلاّ أن الغائب كان يستحقّ ذلك.. رأته جالساً على كنبة في الصالة وحيداً وأمامه ثلاثة عشر كرسياً خاوياً، نهض من مكانه لاستقبالها لكن الكراسي سرعان ما امتلأت برجال الأمن والمخبرين وبعض الساسة، لقد شكّلوا جداراً بيني وبينه فاليا؟! هكذا قالت بأسى، ثمّ أردفت: بعد ذلك بقليل قادوه كما تقاد الساحرات الشريرات نحو الطائرة، وقال له أحدهم: أيها الحالم غالي، لم يعد لك مكان بيننا.. بل إن الرجل الأنيق ذا الصلعة التي لا تفارق شاشة التلفزيون قال له: نأمل ألا تكرر زيارتك لنا، لانريد إزعاج جيراننا؟ وكان غالي صامتاً على الدوام، لم ينطق بأية كلمة، ولكنه قبل أن يصعد تلك الطائرة اللعينة، أو قبل أن يدفعه رجال الأمن دفعاً إليها قال لي: أرجو أن تهدي تحياتي لفالنتينا.. لقد قصدتها مساء، ولكنني لم أجدها، كارين.. أتمنى أن تعتني بالعمة صوفي.

في ذلك اليوم المليء بالشجن والأسى سألتها ملهوفة: أين تتوقعين انهم أخذوه كارين ؟! فأجابتني باستهزاء وشماتة: حتماً ليس إلى سيبيريا أيتها البلهاء!

***

كانت الحرب دائرة هناك في الجبال، والناس يذبحون سواء بالكيماوي المزدوج أو بالقصف المركّز من مروحيات الكوبرا، ولا أدري لم ذكّرني كلّ ذلك بعوالم "كوبولا" وهو يصوّر فانتازيا القتل في الفيتنام.. هناك حيث الجنود يقتلون المئات دون أن يرفّ لهم جفن.. رجلٌ وامرأة يركضان على سفح جبل، وبينهما طفلٌ صغير يتناقلانه كلّما تعب أحدهما، فيسلّمه للآخر، والمرأة اللائبة على طفلها لم تنس مؤونة الطحين، ربطت الصرّة بإحكام على خصرها ومضت راكضة.. صحيح أن الصرّة كانت تربكها في ركضها، إلاّ أنها كانت بحدسها الأمومي تدرك أن هذه الجبال لن تطعمها شيئاً فيما إذا توقف القصف.. المرأة وزوجها والطفل الصغير بينهما، عبرا آلاف الجثث الميتة للتوّ أو تلك التي تفسّخت، فانبعثت منها روائح تزكم الأنف، والمروحية ذات الضجيج كانت تنخفض وتطير بانتظام، لترقب يقظة الجثث الضائعة في الأحراش، وأخيراً قال الجندي المكلّف بالمراقبة لقائده ذي النظّارات العاكسة للشمس والهواء: لقد انتهت المهمة بنجاح سيدي.. وبدا السيّد كمن لم يصدّق عبارة الجندي، فمال إلى الأرض أكثر.. مال ومال، فبان طرف ثوب المرأة من تحت أغصان الشجرة.. كان ثوباً كسائر أثواب الريفيات ملوّنا بكل ألوان الفرح الصاخب، فقال القائد عبارته الشهيرة: لا لن يمروا إلاّ على جثتي، وهكذا أوعز إلى جنديه بتجهيز قاذف اللهب، فاشتعل وميض في الجوّ برهة، وما لبثت الشجرة الخضراء الجميلة أن استحالت إلى كتلة من رماد، أما صرة الطحين.. تلك الصرة المربوطة إلى خاصرة المرأة الريفية بإحكام، فإنها استحالت خبزاً للعصافير والأرواح الهائمة في ظلمة الجبال..

***

ـ "إلى أين تأخذني يا أبي؟

ـ إلى جهة الريح ياولدي"

  وهكذا غادر الطفل صباح القرية لآخر مرة في حياته، كان يدرك بحدسه المبكّر أنه لن يراها، كما أمّه التي واروا جثمانها المحترق مساء.. مشى هكذا كما يمشي الأطفال عادة، وهم ممسكون بأيدي آبائهم، لكن الطريق الترابي، ذلك الطريق المنحدر غرباً، فتح له بوّابات مدن ما كان يحلم يوماً أن يزورها، سافر كيفما اتفق، بلا صرة الطحين إلى جهة الريح.

 

* ما بين مزدوجتين والعنوان لمحمود درويش.

* كاتب سوري، مقيم في أبوظبي.

 

خاص بـ تيريز. كوم 
09/01/2004

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002