Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية 


 

 

بُرهان شـاوي

 

الفضائيات العربيـة.. والتضليل الاعلامي..

 

 

 

الفضائيات العربية.. والخطاب القومي الشوفيني.. والأكــــراد

  منذ عقود والاعلام العربي، والأنظمة العربية بكل إتجاهاتها وألوانها وعصورها وحقبها، ملوكاً وعساكر وأمراء وشيوخاً، تتخذ من مأساة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ملفاً رئيساً وأساساً ونقطة محورية تدور حولها كل نشاطات وتوجهات خطابها الإعلامي. إلا أن الفضائيات العربية منذ بداية ظهورها في النصف الأول من التسعينيات، أعادت صياغة هذا الخطاب من جديد وعززته بكل الامكانيات التقنية التي تتوفر في وسيلة الاتصال التلفزيوني، ومن خلال كل أجناس العمل الاعلامي التلفزيوني ( لقاءات تلفزيونية، حوارات خارجية، ريبورتاجات، تقارير مصورة، افلام وثائقية، وروائية،...الخ)

  ورغم أن الإعلام العربي قد خدم القضية الفلسطينية في طرحها على المستوى الشعبي والدولي إلا ان الشعب الفلسطيني نفسه كان ضحية هذا الاستخدام المنافق لقضيته من قبل الاعلام العربي والانظمة العربية. فالشعب الفلسطيني يحتاج إلى دعم الشعوب العربية، لكن بشرط أن تكون هذه الشعوب قادرة حقاً على تقديم الدعم الحقيقي، وليس الاكتفاء بالحماس الذي نراه على المتصلين هاتفياً بالقنوات الفضائية عند اشتعال حوار ساخن، ولا بالشقشقات الخطابية لأبطال الأستوديوهات ولا بالنوايا الطيبة، أو بالمظاهرات التي تخرج في المناسبات، والتي تكون محاطة ومخترقة من أجهزة الأمن والمخابرات أكثر من المتظاهرين أنفسهم.

   لسنا هنا في غرض مناقشة موقف الاعلام العربي، والفضائيات العربية بالتحديد، من القضية الفلسطينية، وإنما وجدنا في القضية الفلسطينية مدخلاً لتحليل طبيعة الخطاب القومي في الفضائيات العربية، فهذه الفضائيات أساءت للقضية الفلسطينية حينما استغلتها في خطاب مزدوج، عنصري وشوفيني، من حيث أن منظمة التحرير الفلسطينية حظيت بدعم كل فصائل التحرر الوطني في العالم ولا تزال، كما وقفت هي أيضاً إلى جانب حركات التحرر والشعوب المضطهدة في العالم، وليس من مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة أن يسيء الخطاب القومي العربي إلى الشعوب المضطهدة والتي تناضل مثل الشعب الفلسطيني من أجل حريتها وتقرير المصير. ومن بين هذه الشعوب يقف الشعب الكوردي في مقدمة الشعوب القريبة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً من الشعب الفلسطيني.

   فالخطاب الاعلامي العربي يتهجم على أميركا ويتهمها بأنها تتبع سياسة الكيل بمكيالين، بينما هو نفسه يتعامل بنفس الطريقة مع حقوق الشعوب والقوميات والأقليات الدينية التي تعيش في البلاد العربية أو تجاورها. ولكي نتفحص طبيعة الخطاب القومي، العنصري، الشوفيني، في الفضائيات العربية، نتوقف عند خطاب هذه الفضائيات من الأكراد وقضيتهم، وفي العراق خصوصاً.

   ملايين العرب، من المتنورين والمثقفين والعامة، لا يعلمون بأنه لولا خيانة الدول الكبرى للشعب الكوردي، وبالتحديد فرنسا وبريطانيا، اللتان قطعتا الامبراطوية العثمانية في معاهدة سايكس - بيكو، وتنكرهما للوعود التي قطعاها لممثليه في ذلك الزمان، لكانت هناك اليوم دولة أسمها كوردستان، ولكان عمرها عمر الدول العربية بالضبط، ولكانت لها حدودها المعترف بها وعضويتها في الأمم المتحدة..!

  وبتبسيط شديد واختصار قسري لعدم قيام دولة كوردستان، رغم أنها حُددت حدودها وخريطتها من قبل الدول الكبرى، هي أن الدول العظمى أقرتا قيام الدولة الكوردية في العام1921، على أن تكون الموصل ضمن الحدود التركية، لكن عندما عرف الانكليز بمسالة وجود النفط في الموصل، أرادوا ضمها إلى الدولة العراقية، ولم تتنازل تركيا المنهكة عن الموصل إلا بشرط تخلي الانكليز عن مسالة قيام دولة كوردستان.. وهذا ما كان.

وربما لا يعرف الكثيرون، بأن المصادر التاريخية والجغرافية العربية من العصر العباسي، والوثائق الرسمية بما فيها وثائق عصبة الأمم في العام 1924، كلها تشير إلى أن ما يسمى اليوم بدولة العراق كان مقسماً إلى ثلاثة أقسام هي : إقليم السواد الذي كان يطلق على السهل الرسوبي من العراق، وإقليم الجزيرة الذي يضم شمال وغرب الهضبة الغربية، وإقليم الجبال الذي يضم كوردستان الحالية. أما وثائق عصبة الأمم فقد أوردت في تقريرها الصادر في العام 1924 عندما أرادت أن تحل مشكلة ولاية الموصل، بأن العراق يتألف من ثلاثة أقاليم هي: كوردستان، الجزيرة، والعراق العربي.

  وربما الكثيرون لا يعرفون أيضاً بأن الشعب الكوردي هو من الشعوب الهندو- أوروبية، وليس من الشعوب السامية، التي ينتمي إليها العرب واليهود أيضاً..، أي أن الأكراد شعب مختلف عن العرب تماماً، أصلا وفصلاً، ولغة، وعادات، وجذوراً، وذاكرة تاريخية، وعائلة لغوية أو قومية، كالأتراك والفرس والأفارقة الذين يحدون البلاد العربية، وهم شعب لم ينزح إلى وطنه الحالي، والذي يسمى كوردستان، من أي مكان، فهو لم يأت من جزيرة العرب ليمتد إلى آسيا وأفريقيا كالشعب العربي، وانما هو التشكيل المتداخل الأخير للشعوب والقبائل التي سكنت جبال زاغروس منذ أكثر من سبع إلى ثمان آلاف سنة، فهم أي الكورد اليوم، الامتداد الحقيقي لشعب الكاساي واللولو والكوتي، الذين زحفوا على سومر في عهودها الأولى، قبل خمسة آلاف عام، ثم تلاشت دولهم فبرز العيلاميون، أو الايلاميون، ثم الميديون الذين أقاموا دولة ميديا الشهيرة، ثم الكردوخ، الذين يعدون الأجداد الأقرب للشعب الكوردي الحالي، والذي تذكر وثائق بلاد الرافدين بأنهم كانوا يسكنون هذه المنطقة قبل حوالي ثلاثة آلاف عام.. كما ذكرهم الاغريقي (زينفون) في كتابه الشهير(رحلة الألف ميل.. أو أنابازيس)، علماً أن لفظ (كور) في اللغة السومرية يعني (الجبل) وحالة النسب فيها تتشكل باضافة الياء أوالدال والياء.. ولفظ(كوردي) بالسومرية يعني ( الجبلي).

  المهم، من خلال هذه المقدمة المكثفة، أردنا القول بأن الشعب الكوردي واحد من أعرق شعوب المنطقة، إلى جانب (الآشوريين) و(السريان) و(الكلدان) و(الأرمن) و(الصابئة المندائيين) و(الأزديين)، التي منهم تم إشتقاق اسم (آسيا.. أو آزيا) كما تلفظ في اللغات الأوربية، وغيرهم من الشعوب بما فيهم العرب. وإذا ما كانت بعض هذه الشعوب التي ذكرناها تعرضت للإبادة والتشريد والانصهار القومي والعرقي، فهي لا تشكل اليوم سوى بضع ملايين، بينما كانت في السابق تقود إمبراطوريات كالآشوريين مثلاً، فان الكورد يؤلفون ما يقارب 30 - 40 مليون انسان يتوزعون بين تركيا وإيران والعراق وسوريا وأرمينيا.. وإذا ما توقفنا عند القضية الكوردية في العراق، فاننا نجد أن هذا الشعب كان مقدراً له أن تكون له دولته المستقلة كباقي شعوب المنطقة، إلا أن السياسات الاستعمارية نكثت بوعودها، فصار مصيرالملايين منهم ضمن الدولة العراقية التي تشكلت بقرار الدول العظمى في بداية العشرينيات من القرن المنصرم..، لكن منذ ذلك الحين والشعب الكوردي، سواء في العراق أو في بقية أجزاء كوردستان، يناضل من أجل حقوقه القومية. ومن الغريب أن الشعب الكوردي في بدايات تشكل الدول القومية في المنطقة كان يناضل من أجل الاستقلال التام والانفصال من أجل تشكيل دولته القومية المستقلة، ثم بعد التنكيل وحرب الابادة ضدهم صار يطالب بالحكم الذاتي، وفي العراق يطالب اليوم بالفيدرالية ضمن العراق الموحد.. ورغم هذه المطالب المتواضعة قياساً لحق الشعب الكوردي، فانه تعرض للابادة المنظمة سواء من خلال التصفيات الجسدية كما جرت في ظل نظام البعث في حلبجة وحملة الانفال أو من خلال عمليات التعريب، والتهجير القسري، وتشويه الطبيعة الديموغرافية لكوردستان بترحيل القبائل العربية إليها، وتغيير أسماء المدن والقرى فيها.

  ورغم أن الحركة الوطنية الكوردية، والحركة اليسارية الشيوعية العراقية، وكافة المنظمات الديموقراطية العراقية، والمعارضة العراقية على مدى أكثر من عقدين من الزمان تناضل وتصرخ وتنشر البيانات وتصول وتجول كاشفة مأساة الشعب الكوردي للعالم أجمع، إلا أن الاعلام العربي، والفضائي خصوصاً، تعامل مع هذه المأساة على طريقة (لا من شاف ولا من درى)..فكان في حالة صمم، لكنه مؤخراً وبعد سقوط النظام الدموي في العراق نطق، وياليته استمر في صمته ولم ينطق.!!

 ومن السخرية أن يصرخ الاعلام العربي ليل نهار منادياً صلاح الدين الأيوبي محرر القدس، لكنه يتجاهل مصير شعب صلاح الدين وأحفاده!!

الفضائيات العربية تعلن يومياً عن جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين، سواء في حملات التبرعات أو حملات التضامن، وتذكر بأن إسرائيل قطعت كذا ألف من الأشجار ودمرت أكثر من أربعة آلاف قرية، بينما النظام البعثي العراقي قام بأضعاف هذا العدد من التدمير في كوردستان، بل ان الذين أبادهم صدام وزمرته وشردهم في المنافي أضعاف ما شردت إسرائيل من الفلسطينيين، وما قامت به إسرائيل في صبرا وشاتيلا لا يختلف عما قام به نظام البعث في حلبجة، بل وأقل مما قام به البعثيون في اأانفال، فاسرائيل لم تدفن الفلسطينيين أحياء كما فعل البعث!

أرجو ان لا يفهم من كلامي أنني أبررلاسرائيل ما تفعل، لكن طبيعة النقاش لتحليل الخطاب القومي ومناقشة إزدواجيته في الفضائيات وفي الاعلام العربي عموماً هي التي تدفعنا للاستشهاد بالقضية الفلسطينية، لأنها قميص عثمان الاعلام العربي...، فلقد تفجر الشارع العربي، والاعلام العربي، وأقيمت حملات التبرع التلفزيوني، بل وكتبت آلاف القصائد التي صدرت منتخبات منها في ثلاثة مجلدات عن مؤسسة البابطين في الكويت، حينما استشهد الطفل (محمد الدرة).. وكانت جريمة بشعة تقشعر لها الأبدان وتكشف عن همجية القتلة الذين صبوا جام حقدهم على الطفولة الفلسطينية المتجسدة في الطفل الشهيد..، بينما يصمت الشارع العربي، ويجف حبر الاقلام، وتهرب القوافي، ويتشاغل المثقفون، ويصمت الاعلام العربي، عن إبادة الأطفال والنساء والشيوخ في كوردستان، بل هناك وثائق عن دفن الأطفال أحياء

أمام أنظار أمهاتهم..!!

وقد راقب العالم كله مأساة حلبجة، وتناقلت شاشات التلفزيونات في العالم أجمع تلك الصور المرعبة لجثث الاطفال والنساء والشيوخ المنتفخة والمرمية في شوارع المدينة الشهيدة، بينما لم تتجرأ أكثر الفضائيات إدعاء بالحرية والدفاع عن رأي الناس، بل ومن لا رأي لهم، من عرض ولو لقطات من هذه الماساة المرعبة..

الفضائية العربية الوحيدة التي قدمت هذه اللقطات وبشكل مستمر هي الفضائية الكويتية، ولكن بعد أن عضهم جرذ العوجة..

  وها نحن نرى إهتمام الفضائيات المفاجيء بالقضية الكوردية..، ياسبحان الله..،ما الذي جرى فجأة.. لكن الاقنعة لم تستطع أن تغطي هستيريا الحقد من وجه هذه الفضائيات..فما إن برز دور الكورد في عراق ما بعد صدام، حتى أُعدت البرامج لمناقشة القضية الكوردية، لكن بحس شوفيني عنصري كريه.. فرأينا معدي برامج يقدمون لنا خطباً طنانة مستمدة إما من أيديولوجيتهم القومية المتطرفة وانتمائهم السابق والخفي لحزب البعث، أو لكونهم ينتمون لقوميات غيرعربية، لكنها تعيش صراعاً مع اأاكراد.. حتى ذهب أحدهم إلى اتهام الاكراد بأنهم يريدون إقامة اسرائيل ثانية في المنطقة.

  إن الفضائيات العربية تجهل أو تتجاهل بأن العراق يتألف من شعوب وقوميات متعددة، وجميع هذه القوميات والشعوب، وبلا استثناء، تواجدها في العراق يسبق دخول العرب إليه بآلاف ومئات السنين.. بغض النظر عن حجم وتعداد نفوس هذه الشعوب.. إن الفضائيات تجهل أو تتجاهل بأن اسم سورية هو من (آسورا)، وهم الشعب الآشوري الحالي الذي كانت له إمبراطورية حمكت العراق والشرق كله لمئات السنين!! وهم اليوم يشكلون الجزء الأكبر من مسيحيي العراق!!

إن الفضائيات العربية، والاعلام العربي عموماً، بل والحركات السياسية العربية، بما فيها الحركات (الديموقراطية)، والشيوعية، تنظر إلى كل مطالبة بالحقوق القومية، وكأنها مؤامرة إستعمارية على العرب والأمة العربية..، فمطالبة البربر والطوارق (الامازيغ) بحقوقهم القومية والثقافية يفسر كمؤامرة لإرباك الجزائر والمغرب، ومطالبة شعوب جنوب السودان وقبائله بحقوقهم يدعى مؤامرة إمبريالية