Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية 


 

 

خالد خليفة

كم هي المسافة بعيدة بيننا

 

نص المداخلة التي ألقيت في مؤتمر ديار بكر الذي انعقد تحت عنوان"التعدد الثقافي والشرق الأوسط"، وحضره كتاب ومثقفون عرب وأكراد وأتراك وفرس، ودعت إليه بلدية ديار بكر لمناقشة العلاقات بين ثقافات المنطقة.

 

لو أردنا سرد تاريخ الكراهية في منطقتنا المسماة بالشرق الأوسط ومحيطها، لاحتجنا إلى عشرات الآلاف من الصفحات، واستغربنا فعلاً تورطنا بانتاجنا كل هذا الكم من مفاهيم الشوفينية، والغائنا للآخر القريب منا إلى درجة أننا نبدو كجيران يتقاسمون منزلاً متعدد الغرف، وأحياناً حين تشتد السيول وتدمر غرفة أحدنا، نضطر للنوم في سرير واحد رغم الكراهية، وبنفس الوقت كنا كأية شعوب آخرى، أنتجنا أيضاً مفاهيمنا عن الحق والخير والجمال، وكان لنا فلسفة وفلاسفة، ساهموا في حوار الحضارات ذات يوم.

وإذا أردنا أن نبحث عن أسباب هذا العطب إن صحت التسمية، فما أسهل الإجابة، وكم هي ساذجة حين نحيلها دوماً على الآخر، مبرئين ذاتنا كأفراد معقدين وكشعوب مرتاحي الضمير، ومعتقدين بيقين كامل بكمالنا ونقص الآخر، رغم أن الآخر الأوربي سابقاً، والأمريكي حالياً ليس بريئاً براءة كاملة من دمنا.

قد يقول قائل إنها مشاكل الجوار في كل أنحاء العالم مستشهداً بالإنكليز والفرنسيين، وكأن الأمر جزء من الطبيعة البشرية للإنسان أينما وجد وفي كل الأزمنة، وإن كنت أعتقد عكس هذا، تاركاً عبء دراسة نشوء الظواهر إلى علماء إختصاصيين، مكتفياً بتأملاتي كروائي ومعتبراً أيضاً أن الحقائق التي أصل إليها قابلة للتحول والإلغاء والمحو، لما يكتسبه فعل المحو من أهمية بالنسبة لروائي ولد ويعيش وبالتأكيد سيموت في ما يسمى بالشرق الأوسط،هذه المنطقة من العالم التي لم يتوقف الصراع فيها منذ فجر الخليقة، ولاأعرف إن كان سيتوقف يوماً، لتلتفت شعوبها إلى خبزها وتفاصيل يومية لحياة تمارسها بكل ما تستحق تفاهتها من عناية، كأن تنجب وتتناسل أطفالاً أصحاء وتستمع في الأماسي لأغانٍ بعدة لغات تشكل فسيفساء المنطقة، بإختصار أن تنتمي إلى هذا الكل الثقافي الغني والخاص دون إدعاء أحد بحقه بملكيته بمفرده وإدعاء تفرده وتعاليه على شركاء قدريين. وإن كانت هذه اليوتوبيا هي هروب من استحقاقات الماضي وعدم مراجعته للوصول إلى استخلاص العبر كما يردد المولعون بالإنشاء؛ إلا أنني أشرت في البداية إلى أنني روائي يتأمل، ولست عالم إجتماع يضع مقدمات ليصل إلى نتائج وقوانين تحقق له مجد الإكتشاف، ومن ثم لتصبح ثوابت عامة لايمكن تجاوزها، وتكتسب قداسة القوانين، وهذه القداسة لاتمنع روائياً مهنته سرد الجمل ونزع صفة القداسة عن الشخصيات وهتك الأسرار، وبالتالي أجد نفسي متورطاً بالتفكير بطريقة عكسية والذهاب بعيداً عن جمود القوانين التي رسخها سياسيون دوماً من مصالحهم إستمرار هذه القطيعة ونمو الكراهية التي تعطيهم مبرراً قوياً للهروب من استحقاقاتهم وواجباتهم.

أعتقد بتوصيفنا لواقع الحال الذي يحمل كل المرارة نكون قد وصلنا إلى درج أمانينا بعدم استسلامنا لجعل الكراهية قانوناً ثابتاً وأبدياً، ويفتح باب الأمل ببداية حوار شائك وطويل يقوده مثقفون هذه المرة، وإن كنت أعتقد بشراسته أيضاً، مثقفون خارج كل أطر الإيديولوجيات الثابتة، يبشرون بقوة إستقلالهم عن الخطاب السياسي والقومي المفعم بالحماس الفارغ والمؤدي إلى هلاك ألوان منطقتنا التي تميزت بتنوعها الهائل وفسيفسائها النضر، معيدين إلى الثقافة قوة حضورها وألقها كفعل مستقل يخاطب الإنسان أينما وجد، ويقدم صورة شعوبنا واضحة، صريحة كما هي في الأصل، فرواية لـ سليم بركات أو فيلماً لـ يلماز غوني يستطيعان الدفاع عن حقوق الأكراد في الحياة أكثر من كل بيانات الأحزاب التي استعارت كما هي كل الأحزاب القومية في المنطقة خطابها من تبجيل الإنتماء ووهم التفوق على الشعوب الأخرى؛ و لو راجعنا قرناً ماضياً من الزمن, أي القرن العشرين لوجدنا أن اكتشاف وهم التفوق هذا قد كلف شعوب المنطقة دماء كثيرة, وأورثنا كراهية عمياء قادتنا إلى التقوقع على ذواتنا, والتعلق بحبال الخلاص عبر هؤلاء الزعماء الذين صنعناهم ورفعناهم إلى مراتب الأنبياء، كي نكتشف متأخراً أنهم عبارة عن أوهام من قش لا تستطيع العيش والتحكم بآمالنا لولا أنها أغلقت نوافذ البلاد، ليتعفن كل شيء بما فيه ثفافتنا، فلا هي طردت المستعمرين ومغتصبي الأرض ولا دافعت عن كيان الإنسان، بل استلبت حريته وأنتجت وسائل قمع أصبح ضمن السوابق التاريخية بقسوتها ونهب إقتصاديات المنطقة، لتنتج نوعاً غريباً من الفساد وأورثت اليأس والتشكيك بذاتنا على أننا أمم تستطيع النهوض والعيش بكرامة وتشارك البشرية سباقها الحضاري.

أعتقد بأن تاريخنا يؤهلنا كي نكون منتجين لا مستهلكين فقط, وكان المثقف في هذا القرن بصورته العامة شريكاً في إنتاج هذه الكراهية, ما عدا إستثناءات قليلة لم تستطع مقاومة بطش السلطات, والتأثير في صناعة الرأي العام, فالحرب الشرسة ضد الديمقراطية  والتنوير باسم حماية القومية والشعب، الحجة التي استخدمت دوماً للقمع أنتجت رد فعل أصولي يهدد الآن بإدخال المنطقة في نفق قد نحتاج قرناً آخر كي نكتشف أنه وهم آخر زاد من تخلفنا وأمية شعوبنا في دينهم و دنياهم.

وإن كانت بداية أي مشروع هي المعرفة فأعتقد بأن المعركة ضد الأصوليات  في المنطقة هي معركة الجميع، وخاصة المنتجين للثقافة والفنون وكافة أشكالها، لأنهم الهدف الرئيس لهذه الأصوليات التي تحاول اعادتنا جميعاً إلى قسوة الجهل ومصادرة العقل, وإذا تابعتُ في استطرادي هذا الذي قد يوصلني كروائي إلى الجهل مرة أخرى، ويعبر عن قلقي وعدم تركيز أفكاري، أو بالأصح هروبي من الوصول إلى نتائج ثابتة، بل إلى إعادة الأمور إلى أولها، وطرح الأسئلة الأساسية التي تتم عن جهلنا لبعضنا البعض، ولعلكم تستطيعون تخيل دهشتي حين كان طلاب جامعيون أتراك يسألونني منذ عشرين عاماً حين كنت أحاول الدراسة في جامعة أستانبول: "هل يوجد لديكم سيارات في حلب؟"، ويقاتلونني على إنتماء النبي محمد: "هل  هو عربي أم تركي؟". أرى الآن الصورة أقرب إلى الكاريكاتور، وأنا أتساءل مرة أخرى: هل أعرف أنا عن آداب جيراني الأتراك وشركائي في بلدي الأكراد وجيراني الآخرين الفرس ما يؤهلني لشراكتهم أم أن ما يصلني هو شذرات قليلة لا تكفيني كي أرسم صورة صحيحة لشركائي في هذه المنطقة ؟، وأيضاً ماذا يعرف هؤلاء الشركاء عن ثقافتي وفنوني وبالتالي عن أحلامي وآلامي؟. فالجهل المتبادل بين الأكراد والأتراك والعرب والفرس كان سبباً أساسياً لنمو هذه الكراهية واستفحالها إلى درجة تستدعي التفكير بشكل جديفإذا كان الأتراك يكرهون العرب والفرسكما أن الأكراد يكرهون الأتراك والفرس والعرب الذين يكرهون الجميع، فكيف سنحتمل كل هذا الجهل لبعضنا البعض المؤدي إلى كل هذه الكراهية؟!.

 

عشنا آلاف السنين متجاورين مقتسمين الهواء والجبال والبحار والآلام  الأمنيات؛ نقف الآن كأننا غرباء ولا نريد الجلوس إلى طاولة الحوار التي ستوصلنحتماً إلى فهم أفضل لذواتنا ثم للآخر الذي هو شريكنا في الكثير من الخصائص، ومتقبلين لخصائصه المختلفة التي تشكل غنى لنا، وليس تهديداً لمحونا كما حاولت برامج الأحزاب القومية إيهام شعوبها، ولست غافلاً عن صعوبة هذه الأمنية، ولكن ليس استحالتها بكل الأحوال، ولا بد من الإعتراف بأن آلام هذا الصراع الطويل، لا يمكن الشفاء منها بين يوم وليلة، ولكن أيضاً لانستطيع أن نبقى جالسين ومكررين لنفس الأسطوانة، محاسبين شعوباً على سياسات حكوماتها، فلا يحق للأكراد محاسبة كل العرب على وثيقة التعريب سيئة الذكر التي وضعها ضابط أمن شوفيني، وبموجبها حرم  أكثر من مئتي ألف كردي من حقوق المواطنة، ولازالوا حتى الآن، بالإضافة إلى قوانين التعريب التي تضحكني كثيراً في طريقة ممارستها للي عنق الحقيقة الأزلية، كما لا يمكن العيش دون التنفس، أيضاً لايمكن انتزاع شعب من لغته، ولاأبرأ الأحزاب التي تجاهلت  آلامي كعربي محروم من حقوقي الديمقراطية والعيش الكريم، ومرواغتها عبر أكثر من أربعين سنة من تقوقعها وانتاجها لمفاهيم أكثر تخلفاً من هذه الوثيقة، فاقتصرت نضالاتها على إنتاج  كلام ببغائي  وإنشائي متجاهلة إنتمائها إلى فضاء فعاليتها، ألا وهو المجتع ككل، و إن كنت لاأحتاج لتذكيركم بأني روائي لديه طموح كتابة نصوص جيدة وخلق شخصيات يستطيع التعرف عليها على جعل حياة القراء أكثر إنسانية وتحرض على تذوق الجمال وكراهية القبح والقمع الذي يمارس ضد أي انسان كائناً ما يكون انتماؤه، وليس في نيتي الحديث بشكل مباشر والخوض في نقاشات سياسية مسبقة المفاهيم، وقد أكون واهماً بأن الرواية والفنون الأخرى تمتلك قدرة التأثير على خوض هذه المعركة والمساهمة في التنوير والتشجيع على انفتاحنا تجاه بعضنا البعض، ولازلت أعتقد أن دوستوفسكي وتشيخوف هما روح روسيا مع كتاب عظام استطاعت نصوصهم الصمود في امتحانات التاريخ والبقاء، كما أعتقد جازماً بأن روايات ياشار كمال وفيلم الطريق لـ يلماز غوني ونصوص عزيز نيسن، قدمت لي فرصة جيدة كي أعرف عن آلام الأتراك والأكراد، ورؤية أوجه الشبه بيني وبينهم، أكثر مما قدمته كل خطابات السياسيين وبرامج  الأحزاب، كما قدمت لي روايات سليم بركات والكتاب الأكراد الآخرين فرصة التفكير بشكل عميق بمفهوم الإنتماء واحترام الآخر القريب مني إلى درجة الإلتصاق، بالإضافة إلى فخري بالإنتماء إلى هذه المنطقة المتعددة الثقافات واللغات والأديان ومحاولة بحثي مع الآخرين الدائم في إظهار هذه القوة ومحاربة من يسعى إلى تماثلنا جميعاً لتحويلنا إلى صورة واحدة لا تنتج المختلف والمغاير، فأرجو منكم أن تفهموني أكثر وتتعرفوا على ثقافتي، شاهدوا أفلام محمد ملص وأسامة محمد وعبد اللطيف عبد الحميد، واقرأوا روايات حنا مينا وقصص زكريا تامر والكتاب الشباب، وابحثوا بشكل جدي عما يمثل شعبي من نزار قباني إلى أدونيس والمعري.. ومئات الأسماء الآخرى كي تعرفونا بشكل حقيقي وجدي،  ولا بد من انتهاز الفرصة التي منحني إياها لقاؤكم الكريم هذا، كي أحلم بثقافات متحررة من مساوئ الماضي المثقل بالدم والقطيعة، وكما وعدتكم بأني لن أترك موقعي هذا ككاتب لأي سياسي كي يخاطبكم، بل سأدافع عنه كما أدافع عن انتمائي إلى شركائي كتاباً وفنانين يدركون كم خسرنا، حين  تبنينا مشاريع السياسيين الذين أسسوا عبر التاريخ للهيمنة علينا، وطردنا من ممالكنا لنصبحَ معزولين مشردين وضعفاء، وبالتالي صدى، ولسنا صوتاً.

   دمشق

. خالد خليفة: روائي سوري*

 

خاص بـ تيريز. كوم 
04/12/2003

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002