Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية


 

محمد سعيد ملاسعيد

– جواني عفدال –

 

"الجحيم المقدّس"  لبرهان شاوي

صفحات مشرقة وحبكة متينة

 

 

* مدخل تمهيدي

.. وللحديث عن  قراءة نقدية أو تحلييلة إن جاز القول عن رواية الجحيم المقدس للكاتب برهان شاوي،والتداعيات الأدبية والدلالات الرمزية وما فيها , وما لها من عناوين وسرد وشخصيات وهموم ومعاناة ومكابدات ..الخ ستناول البنود الثلاثة – الأربعة المتضمنة لها أصولا بالتمعن والتفرس , وهي قراءة لكل نأمة في صيرورة جسد الرواية تشريحا للسرد وتحليلا للشخصيات وتعليقا وتأويلا للأفكار والمبادئ وغيرذلك ..الخ, دون استعلاء على النص ولاممارسة قسر عليه !!..

إن المتعة التي لها إفصاحها عن الجو القاتم, حابس الأنفاس لهول المصائر المعروفة سلفا , فرغم حركة الشخصيات – وهي تبدو جانبية في صيرورة العمل ككل -, مع العلم إنهم الأبطال الحقيقيون، تبدو شخصية البطل –المجند الإجباري الفنان خريج معهد الفنون – عبدالله آدم – وهي ترصد الأحداث والشخصيات والأفعال , وما يرسمه خلف اللوحة وعلى مساحة كل الجبال في كوردستان راويا أوحد . فهي شخصية تحاكيه مستمدة أصلا من ذكرى سيرة فكرة أو شخصية تاريخية هذا بالإضافة إلى الشخصية المرافقة شيرين الفتاة الكوردية المسلوبة الإرادة – ضحية أقدار مأساوية رمتها ظروفها أو بالأحرى سوء طالعها إلى مصير أسود كالح ..

 

* التعريف

 

ظلت الرواية..  وستظل الوحدة الفنية والأدبية الأكثر شمولية لوحدتي الزمان والمكان ، التي تصور شخصياتها وحوادثها ومواضيعها ، وتحولهم إلى أشباه أبطال حقيقيين ، وهم في الأصل مستمدون من الحياة المعاشة والواقع المستمرتجسيدا لموقف أو لفكرة،أو لفعل متضاد مع الماضي ، لتقديم نمط الحياة بكل تجلياتها وأطيافها ، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية ..الخ ، أو الحياة التي عاشتها الشخصيات أو التي سيعيشونها الآن ، بحياتهم وأحاسيسهم وأفكارهم ومشاكلهم ورؤياهم .. والآلام والآمال التي يلاقونها / نفسياً وبدنيا / لما هو معادل أو مواز للتطورات الآنفة الذكر ، والتي تعبر بالضرورة عن سلوكيات وأخلاقيات الأشخاص (الناس أنموذجاً) في كل الوقت المحصور في مجتمع ما محدد بين قوسين ، أو زمان أفقي لرسم خلاصة عن الواقع وتفاعلاته .

بالطبع لا نستطيع أن نمر من دون أن نذكر ( تأويلا وتفسيرا ) للأفكار الفلسفية والمبادئ الاجتماعية التي يتضمنها العمل الفني الأدبي الآن وغدا ، الذي تأثر بها ، وأثر فيها ، على التوالي الكاتب أولا والقارئ ثانيا .. وهما المعنيان الأساسيان بشكل صريح أو مبطن بالإيحاء والرمز، وليحمل معنى أخلاقيا مغايراً ، أو تحريضاً للثورة بالردة على الموجود الممقوت ، ورغم أننا نجد من مقوماتها الناقصة وبالتالي الكاملة ، وهي تمازج مقولة الفن للفن ، أو الفن للمجتمع ، تعليما، ملحميا ، ليصور المجتمع أو فئة منه كنماذج بعدة أصوات ، حسب أنواعها وفسيفساءاتها الملونة، ومن الخاصية الفردية والأنا المتقوقعة إلى الجمعي والروح العامة ، ومن الفرد كذات إلى الإنسان ككل ، ولتصور فئة من المجتمع الذي يراه , وقد تخرم أو انحرفت بوصلته من جراء حدث ما جلل أو تطورات متنوعة ، بعدة ألوان وشرائح حسب تنوع هذا المجتمع أو ذاك في مكان ما ، ليس مهما مكان وجوده إلا بقدر ما يرويه الكاتب وليقدم بالتالي الإنسان كالمسمى مخلوقا يعاني ويحس أو يحاضر وجوديا ، وقد كرمه الله – لصيرورة اعتماد وعي مستقبلي وعلى ارتكازها على مفاهيم علمية وفنية وجمالية مستقبلية .

قد يكون الكاتب ( القاص-الراوي ) متأثرًا  بتيارما( أسلوبيا) بأشكال متنوعة لطرح شخوصه من عدمها ، والذي يبدؤها من محيطها وظروفه الذاتية .. أو الموضوعية في صياغة انبهارية ، بالنظر إلى الحوادث الشخصيات بمنظاره الخاص ، ليكون بشكل أو بآخر بطلا لروايته ، لقصصه ، وبتفسيره الذاتي والضمني في سياق القصة ككل / الكاتب / ليرى منها الحدث الدرامي لسيرها بالحبكة والمفارقة ، حيث تنوع الأصوات والرؤى بالسير والمنولوج الداخلي الحار ، بعيدا عن الآخر الذي يشعر ويحس من ثم يفكر بموازاة الشخصيات الأخرى .

وهكذا ليقدم الإنسان ما يعتمل في دواخله من هموم ونزاعات ، كل من منظوره يرى العالم ويتواصل معه، بروح قلقة تبحث عن خلاص دنيوي  هذا العبث القدري، مجبرا. . مخيرا ، ليهرب من واقعه المزري ، من قهره الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مجموعة متضادة ضده دون أن تمكنه إحداهما منه .

لا بد أن يكون ذلك أحادي الرؤية ، بالطبع لا أقصد رؤية الكاتب ، بل الناقد أوالمتناول لذلك لعمل الأدبي بالبحث والدراسة، إن للعرض قاعدة متعارفاً عليها بين جماعة محدودة وموسومة باسم خاص بهم ، وتكون الطرق فيه محفوفة بالمخاطر ، لان للنص عدة مستويات ، وللقراءة مثلها ، وبما أن الرواية عالم مدهش ، وثوب فضفاض ، وقد لا يفي المرء الموضوع حقه  على الأقل من ناحية الشكل والأسلوب الفني والمضمون الدرامي ، ومع أن عالم الرواية متشعب وملون بفعل كثرة الشخصيات واتجاهاتها، والأحداث وصيرورتها ، ورغم ما تتضمنه ، وهي تتمحور حول البطل كشخصية محورية ، تعاني وتحـس بقدر ما .. حيث تأخذه أو تندرج تحت الأبعاد السابقة ، اجتماعية، روحية سيكولوجية وأخلاقية / ومن إشكاليات الفردية أو الجماعية..

رغم أن للرواية عدة أنماط .. عذرا لاتساع هذا المصطلح .. من عمق ومساحة وأفق ، يجد المرء صعوبة في تعريف تلك الخاصية وتقريبه لمفاهيم جاهزة أسلوبيا ، من عدم تناسينا لكثير من السرد والمنولوج والخطابية بضمير المتكلم الغائب والمخاطب ، سردا ومنولوجا تناوبيا ، أو على نسق إحداهما إلى نهايتها ، دون أن يتكسر السرد الجميل بين الوهم الحقيقي وبين الواقع والخيالي ، وبواقعية الوصف والشاعرية في تصوير النفس البشرية .

والرواية عامة تعريفا : حكاية أو قصة ، أو حدث ما .. هي رواية القول والفعل ، وهي كما هي محاكاة لواقع وشخصيات،أفكارا وتطورات، والتي تشخص الحاضر والمستقبل ، والماضي وللتاريخ معا ، وتحكي عن بعض جوانبه ، أو ككل من الحياة اليومية مجزءٍ أو منقطع ، اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا ، ولا بد لتتجمع كي تتكامل في الرؤية والقصة ، سردا للحياة والوجود ..

وهي عادة (الرواية) ذات نهاية كما هي ذات بداية ، ولكن قد نجد نهايات مفتوحة وكما قد تكون بدايتها مفتوحة ، فلها حيز فضائي واسع أفقي وشاقولي معا .

فقد كانت الرواية تختص بقدر كبير من الحرية في سردها ونثرها ، من حيث الصياغة والموضوع ، وعلى تنوع الشخصيات والإكثار منها ، ولا بد أن ذلك يتزامن مع الحجم ودرجة التكثيف والحبكة ووحدة الموضوع دون جوانب وتشعبات أخرى .

                       

- العنوان

 

بداية إن اسم الرواية غير مطابق للواقع , ولم يعطِ المعنى الكامل للحكاية المسرودة وللقصة المقروءة , نعم هناك جحيم – ولكنه ليس مقدسا-  بل هو أسود معتم ٌ.. أو غباري ليس إلا ..؟! , أو وحلي من مستنقع الشتاء الماضي، ولكن هذا أيضا لا يفي بالغرض لأنها – (وكما قال المؤلف شخصيا في بداية الرواية وتحت عنوان إشارة بما معناه : كتبت هذا العمل وأنا أحاول أن أروي شذرات من تجارب شخصية لي ، لأناس عرفتهم ، ولاحقني وجعهم وأنينهم الإنساني. ) فهي انطباعات جندي على خط ساخن، فبالاحرى والأمر كذلك أن تسمى الرواية وهذا العمل بالذات،  " "يوميات جندي على خط ".. أي خط كان يرتئيه المؤلف الشاوي كعنوان فرعي، وهذا ليس تدخلا مني في شيء , بقدر ما هو تطابق العنوان لروح النص .

لذا .. أعتقد وهذا لا يهم في جوهر الرواية بحد ذاته .. أكان فيه أم لا .. مع العلم أن الاسم ذو دلالة ويسم العمل كله به , وعلى وزن - كما يقال المكتوب يعرف من عنوانه – كذلك الرواية تعرف من عنوانها  والسؤال: هل كان المؤلف متضامنا أو داخلا في هذا المقدس لهكذا جحيم ..؟! ولكل ذاك الخراب الجميل / المقدس  ..؟! .. أم كان ممتعضا من كل ما يجري حينها , حين بدأت روحه تنفض عن نفسها غبار هذا المقدس ! إلى المنفى الإجباري من محرقة النظام . إذلاحقه حتى في ليل المنفى البارد، الطويل.. الطويل ... وهي المرحلة التي صفيت فيها كل التيارات الفكرية والسياسية التي كانت تمور في أحشاء المجتمع العراقي.".

إن كل هذا الخراب والدمار والدماء والمظالم والاستلاب الخلقي والروحي  كان مقدسا، ألا ما أبخس هذا المقدس يا عبدالله بن آدم خريج معهد الفنون الجميلة – الجندي المكلف والذي تخرج من مكان ما مخملي، فيه عشق السيدة مباح وحب الآنسة مجاب وما شابه , وضرب الرصاص مسامح ليس سولى دليل على مكان ما في أوربا .

 

- السرد

 

وللحديث عن السرد .. كما يمكن أن نطلق عليها تلكم الصفة , تقنية السيناريست، وكما قال الروائي الأستاذ الشاوي في مستهل مقدمته (إشارة) وقد اعترف بذلك في كتابة هذا النص : (في هذا النص حاولت أن أستخدم كل التقنيات في كتابة النص الدرامي المخصص للسينما، والتي تعلمتها أثناء دراستي للسينما في موسكو. )؛لأن هناك تقطيعاً وفصولاً قصيرة، ومشاهد كلامية متعددة , وذلك عن طريق ضبط القصة وسردها بصريا، للحدث الدرامي وتنامي الشخصيات , أي كتابة القصة في نطاق أنموذج مماثل للسيناريو، بشكلها السينمائي التتابعي، صورة صورة ومشهدا فمشهدا وموقفا فموقفا , ولقطة قريبة ولقطة بعيدة ..  وهكذا دواليك ..

وعليه فلا غرابة أن يكتب عمل بهذا الشكل , فانه لا يتنقص من سوية العمل الفني إجمالا , إنما قد يكون ذلك على حساب السرد والوصف وما إلى ذلك من بنية الرواية الحقيقة وأحد أركانها المعدودة..

نعم .. هناك تقطيع وسرد تتابعي وفلاش باك – وبخاصة السيدة والآنسة – تبدو من تداعيات الذاكرة البهية للشاوي، وما عدا ذلك كان حلم التذكر الماضي لعلي الفيلي وهو يتذكر لعبه بـ(دعبل) وأمه تنادي عليه في زنزانته كان علي الفيلي وحيداً مشدوداً للكرسي ومعصوب العينين.. : - علي.. علاوي .". ويفزعلى صوت الديك , ولا شئ آخر .. وتذكر العجوز ومن قصفوا القرية وهي تأكل مع ام طارق في بغداد..

وفي قسم الشخصيات سنعرف عنهم وعن دورهم ما نعرف , وربما من مساؤى هذا السرد السينمائي الإيجاز, لان ليس هناك من سرد مفعم إلا بقدر مساحة الروي وما يحرك الأبطال/ الشخصيات، وليس هناك استطراد وشاعرية وخيال .. وتحليل للنفسية والأفعال وردات الفعل , هل يمكن أن يكون السبب ذلك الجو الواطئ السقف الذي يحبس الأنفاس ؟, لأن المرء في كل قراءة يتوقع الأسوأ فيشعر بالمرارة والقهر من جراء كل هذا الظلم الحاصل في هذا المحيط الضيق , ومن الحياة وتصويرها بكل هذا الصدق برعبها ومأساتها من إثارة الصور الذهنية تلك...

نعم السرد الروائي مقتصد إلى حد بعيد , بل يمكن القول بأنه غير كاف لصيرورة الحدث والقص من أجله , فالحوار والشخصيات كأنها تدور على مسرح , وليس في رواية , لقد كان بإمكان الشخصيات أن تتداعى ذكرياتها وتخبر عن نفسها وميولها .. لأنها مرتبطة عضويا بالحدث والشخصيات والفكرة الروائية،إذن هناك نقص في تصوير الأفعال والأقوال والمواقف و..الخ , وكذلك في الوصف والمنولوج والاستطراد .. وبهما كم كان .. سيكون أكثر حميمة ألقاً السرد الفعلي العملي متوازنا مع السرد الانفعالي والداخلي مع التشكيل الحركي ..

لذا .. لا غرابة أيضا أن نجد في السطر الواحد عدة نقاط تدل عادة على انتهاء الجملة , بل من المفروض في هكذا سرد أن يكون التعويض بالفواصل .. مما يدعم قولنا مما ذكرناه أعلاه .

لقد كان الحوار مقتصدا .. وباردا أيضا , ولم يكن مقنعا إلا في حديثه العامي ولهجته الجميلة , وقد استغل الكاتب بحرفنة مقولة أن السيناريو عبارة عن قصة تحكى بالصور , كما يقول سيد فليد في كتابة: " لغة السيناريو Syd Field - Screen-play " , وعلية تبدو الشخصيات كأنها ألعاب دمى تحرك بفعل قوى غير منظورة , وما يظهر يمكن أن يكون ما تعيشه الشخصيات الرئيسية والجو العام للحدث , جو انضباط عسكري ونظام استبدادي , لهذا تبدو المشاعر والنفسية والسيكولوجية مفقودة تماما ومكتومة .

 

- الشخصيات

 

أما الحديث عن الشخصيات وكما قيل أعلاه تبدو كأنها ألعاب دمى تحرك بفعل قوى غير منظورة , فلا لون ولا طعم , فلا ألق لأي شخصية كانت لانها لا مسيرة ولا مخيرة .. وقد وضعت في سياق اعتباطي . وكما صرح الكاتب عن سبب تدوينه لهذه الرواية قائلا في مستهل مقدمته في الإشارة : حاولت أن أروي شذرات من تجارب شخصية لي ، كما حاولت أن التقط بقايا أنين ووجع إنساني ، لأناس عرفتهم ../ ويضيف / وقد حاولت أن أتوقف عند مرحلة مهمة جداً ، من تاريخ شعبي العراقي ) , لذا واغلب الشخصيات لم تسم وهذا في حد ذاته يضعف الشخصية وموقفها .. الفتاة - المرأة – العجوز –الأطفال - المختار - النحيل - الضابط ونائب الضابط – الرئيس - العريف – السائق .. والسيدة والسيد والآنسة ,  بالطبع هذا لا ينفي وجود كثير من الأسماء النيرة ولكنها مجزأة فهذا هاشم – هكذا هاشم فقط – وصباح وستار وشيرين وأم طارق ..الخ .

إذن هي ذكريات عن وجع إنساني .. متعلق بالشخصية الأولى فيها وهي : المجند العسكري المكلف عبدالله آدم , وهو يروي شذرات من تجارب شخصية يرصد بها مدة زمنية محددة : من تاريخ شعب العراق، ألا وهي المرحلة – المنعطف ما بين أفول سلطة البكر وتسلم صدام حسين لزمام السلطة - وبالتحديد الفترة ما بين 1977 – 1979، وهي المرحلة التي صفيت فيها كل التيارات الفكرية والسياسية التي كانت تمور في أحشاء المجتمع العراقي. والحقيقة، هذا العمل لم يكن لتدوين حكاية سياسية، وإنما يحاول أن يروي شذرات من تجارب شخصية ، أناس عرفهم وخبرهم , كما يقول الكاتب في مستهل مقدمته .

 

****

إن هناك أقانيم ثلاثة  في سير الرواية , وكل يمثل منطقا، العجوز أم طارق وهدوءها  وصبرها الجميل – دجلة الخير ونخيل العراق , سامقة تحتضن كل أطيافها .. الكبيرة بمستأجريها وبيتها العراقي ,{ وباحة ذلك البيت البغدادي العريق، الشرقي الطراز والمشيد من طابقين}.

و العجوز الأخرى(  أم هيمن وتعني الصخرة الكبيرة وشيرين وتعني الحلوة وآرام وتعني الصبر ), ذات القلب الفولاذي , والعذابات والآلام الكبيرة , والصمود والدؤوبة في البحث عن مطامحها بين الدم والدم , بين السهل والجبل .

{ الشمس تضيء السماء والسهل والجبال ، والوادي الرحب يمتد بين سلسلتين. والأشجار تتوزع بدون انتظام. في إحدى الجهات عيون الماء تتدفق ولا تبعد الواحدة عن الأخرى كثيرا.

الماء الرقراق ينضح ويسيل في جداول صغيرة، بينما يمتد السهل شاسعاً ورحباً في الجهة الأخرى. هنالك قرية تتوسط الوادي، إنها قرية (قاينجة) التي لا تبعد كثيراً عن المدينة الصغيرة (سيد صادق) التي تقع عند نهاية الوادي. مع انحراف السلسلة الجبلية ينفتح أفق رحب وتتقاطع الطرق التي تذهب إلى مدينة (السليمانية) وإلى (حلبجة).. مثلما ينزل الطريق ذاته شاقاً الوادي ذاهباً إلى مدينة (بنجوين).

في الطرف الآخر من الوادي، وعلى بداية سفح الجبل ترقد قرية صغيرة جداً، قرب عيون الماء. إنها قرية (كاني سكان) التي لا تتعدى بيوتها العشرة. }.

والآخر النظام المتماسك أفقيا .. امنيا وعسكريا , وليس شيئا أخر , وهو مبني على القهر والقمع والاضطهاد : < الدنيا قوة > , ولكن ليس أخلاقيا.. فما هذا التعدي على حقوق الغير, واستباحة حرمة الأموات والتبول والتغوط عليهم أمام أعين الأهل وبصرهم وبعناد وتحد ..؟  وما هذا التعدي على المواطنين والمواطنة دون تمييز , وقتل حيواناتهم وحرق مزارعهم ..؟ وكما حدث لركاب السيارة بهذا القهر , وما هذا التعذيب والاغتصاب في الزنزانات , و هذا التلفيق للتهم والإكراه في الانتساب .. وما هذا القتل المجاني للاخر , وما هذه المناورة الصغيرة في القرية , في منطقة محددة ما شكلها .. ليس غير الفصل العنصري والجينوسايد .. وما شابه .

وكما هو لم يخدش فيه نأمة على طول وعرض القصة لأنهم عسكر ولديهم سلاح ورجال للبطش بالعباد , وشخصيات هؤلاء الضباط والجند متغطرسة ومتعالية فوق الآخرين وكل بحسب رتبته .

غير ما حدث للسائق وحرق سيارته الزيل قي آخر الرواية .. وبعض كلمات نابية لرموزه .. { ــ هذا الحقير عذافه، يمته الله يلخصنه منه، زوجته الكحبة ما خلت حسرة بكلب احد، ومن يروح هوه بالإجازة تضربه بالنعال وما تخليه يتقرب منهه، وهنا يصير بطل براسنه، هوه يضوج منك، لأنه انته خريج وعندك شهادة.

صمت عبدالله ثم قال : ــ طز بيه وبالشهادة مالتي ، حمار . }

{- فقال هاشم بحماس: ــ أنتم أعداء الإسلام، أنتم دمى بيد الغرب..}

{ قالت العجوز الكوردية ــ مجرمين، قتلة، كلاب، كلكم قتلة ومجرمين، لعنة الله عليكم وعلى رئيسكم المجرم. }

قال الجندي النحيف  : ــ جبناء ، فاشست ..

إلا فذلكات لسانية وما عداها ترهات وبعض تنفيس آني ..؟!

****

علي الفيلي وهاشم

 

فعلي الفيلي الشيوعي لم يكن إلا نكرة في القول والفعل ـ صاحب الكتب النظرية , وهاشم الأصولي أيضا إنما في القول جادل ودافع وكانت له مواقف مع رفيقه الحديث عن السلاح ورد عنفهم بالعنف :

- الإسلام بحاجة لأبنائه الأوفياء، من أجل إعلان الثورة على الكفر والإلحاد، وعلى الطغيان والفساد.

ــ علينا الحذر، إن السلطة مرعوبة من مسيرة النهضة الإسلامية . وان رعبها هذا سيدفعها لاستخدام أقصى أشكال القوة.

ــ علينا أن نرد عنفهم بالعنف إذا اقتضى الأمر.

**

وهكذا يرد على المعلم بكل إباء وجسارة واحدة بواحدة ..

{ قال الرئيس: ــ أنتم عملاء، تعملون لصالح الأجنبي لتخربوا البلد ..

 كان هاشم مشدوداً للكرسي أمام الرئ