الشجن الثقافي الكردي


 

 

 

 

مها حسن

يحدث في الحديقة الخلفية لمنزلي

إلى الرجل الذي لم أقابله بعد، لأنه يسترخي على الضفة الأخرى من حياتي.

 

حين تتحرك لرفع ستائر الليل، تدرك أنها قادرة على الدخول في النهار، وتحاول وهي تشرب قهوتها على الشرفة، ان تضع حدا بين أحلامها في مجيئه، وبين إمكانية ذلك المجيء.

في الليل تحلم به، تداعب ذلك الجانب الخالي من السرير، المحجوز له منذ دهور، وقد وضعت مكانه دمية لتعتاد على اللاوحدة، حتى تصدق أن السرير لن يسقط بها لعدم التوازن، لأن احد طرفيه خالٍ منذ الأز .

امرأة تنام وحدها في السرير، امرأة تفتقد إلى التوازن!

تنتظر عبوره المباغت من تحت شرفتها، ستعرفه من رائحة وقع أقدامه، ومن تسريحة شعره .

***

يتمطمط متكاسلا، يكره الغرف المظلمة، يفتح النافذة، يدخن طويلا هناك، وكأنه سوف يقطن على حافة النافذة، يعتقد أن امرأة ما سوف تمر من هنا .

رجل يقف على حافة النافذة ويدخن ، يشرب قهوته وحيدا ، يذهب إلى المقهى  ،ينظر طويلا إلى شاشة هاتفه النقال ،هو أيضا ، بشكل ما ، رجل يفتقد إلى التوازن !

***

تخلع ملابس الليل لترتدي عدة الصباح، تغادر الشرفة، تطرد الانتظار، وتدخل في عمق النهار، تستدير نحو الغرف الأخرى من المنزل، تاركة شرفة غرفة النوم، متوقعة ربما مروره من جهة أخرى من المنزل.

تتجول في المنزل، تتأمل تفاصيل الأشياء، تعاود الدخول دون انتباه أو قصد إلى غرفة النوم، كأن حلمها سيتحقق هنا، تقترب من الشرفة  تتأمل الستارة، تتفاجىء ببقعة وسخة على الستارة البيضاء، تنزل الستائر لتغسلها، يصبح الجدار عاريا إلا من اللوحات.

***

يرن هاتفه، يتثاءب بملل وهو يرد، لا يذهب إلى الموعد، يغادر المقهى عابثا، يتوقف في الطريق عدة مرات، هذا الخواء الكبير لن تملأه إلا إمرأة قد لا تأتي أبداً...

عاد إلى المنزل وتأكد من وجود ورقة ما على حافة نافذة غرفته المطلة على الشارع، والمنخفضة بحيث تستطيع امرأته إن مرت، ترك رسالتها، توقع أن يقرأ "مررت ولم أجدك، ولكني سأعود ثانية، فأنا المرأة التي تنتظرك منذ عهود"، إلا أنه وجد ورقته وحيدة يتيمة "غادرت منذ قليل ولن أتأخر"،  سحق سيجارته بحذائه دون أن يدخنها حتى النهاية، وبدلا من الدخول إلى المنزل، استدار وتوجه إلى تلك الساحة الصغيرة، حيث الحديقة الخلفية لمنازل الجوار.

يجلس ضجرا على أحد المقاعد، يخرج كتابا من حقيبته "هاته عاليا..."، وما أن يرفع رأسه ليستطلع ما حوله، تشده لوحة "الحذاء" لـ فان كوخ، فيستغرب أنه مر مرارا من هنا ولم يلحظ اللوحة المفضلة لديه، وحين نهض بشيء من الابتهاج أسقط الكتاب وتركه خلفه.

عاد مدندنا لحنا جميلا، شعر أن ثمة شيء بدأ يتغير...

***

عادت لتعلق الستائر بعد أن جفت، وما أن أنهت ذلك، حتى لمحت كتابا يلتمع تحت المقعد في الحديقة الخلفية لمنزلها، أخذت سلسلة مفاتيحها واتجهت لالتقاط لكتاب.

صرخت مندهشة حين قرأت العنوان "هاته عاليا، هات النفير على آخره"، لقد قرأته منذ وقت بعيد وأضاعته، ربما استعاره أحدهم وتناساه، جلست تقرأ الكتاب وكأنها تفعل للمرة الأولى.

حين نهضت منهمكة وقد بدأت الظلمة تحل تدريجيا، سقط حرف السين الذهبي من سلسلة مفاتيحها.

لا تعرف لماذا هو حرف السين، مع أن اسمها لا يحمل هذا الحرف.

***

أما هو فقد عاد باحثا عن "هاته عاليا..." ولما لم يجده، جلس يدخن سيجارته ناظرا إلى لوحة فان كوخ في الطابق الثاني من العمارة المطلة على الحديقة، إلا أنه وجد الستائر البيضاء تغطي كل شيء، شعر صاحبنا بالحزن، أضاع الكتاب واللوحة، وحين نهض متذمرا التمع الحرف الذهبي تحت المقعد فانحنى والتقطه "يا للصدفة، الحرف الأول من اسمي".

***

من المؤكد أنها ستتجه نحو الحديقة الخلفية باحثة عن حرف اقتنته بالصدفة، وآمنت أنه ربما سيكون الحرف الأول لاسم الرجل المنتظر، أو أن معادلة السين، الواردة في فن الرياضيات، أو علمه، تشير دوما إلى المجهول الممكن تعبئته بأي معلوم جديد.

عادت إلى غرفتها، أغلقت النوافذ واحتضنت الكتاب، إنه يحمل رائحة تبغ رجل لا يدخن، ولكنه يذكرها برجل سوف تعرفه ذات يوم.

هو أيضا علق حرف السين على معطفه موقنا أن امرأة تنتظر رجلا يبدأ اسمه بحرف السين.

***

كتبت في دفتر يومياتها الجملة التالية: "أنا واثقة أنه ينتظرني في مكان ما، وانه سيعبر من هنا"، ثم أغلقت الدفتر وأطفأت النور.

أما هو فقد وثب من سريره بغتة كأن ثمة من ناداه فأيقظه، اشعل سيجارة وكتب العبارة التالية على زاوية المفكرة القابعة جوار المنبه: "متأكد أنك تنتظرين عبوري، واننا سنلتقي"، أطفأ السيجارة، وحاول أن ينام.

***

في وقت لاحق...

سيكتشف كل منهما أنه يقطن في الحي ذاته، في الشارع ذاته، أنه يمر من أمام شرفتها عدة مرات في اليوم، بينما تكون قد دخلت بعد أن سئمت الانتظار.

أنها شمت رائحة عطر ابتسامته المميزة، ولمحت بريقا مميزا في الشارع الذي ترك نظراته عالقة فيه، إلا أنها كانت أثناء مروره بعيدة عن الشرفة.

ولكن الأمر الذي لا يعرفه أحد بعد، هل ستكون واقفة على الشرفة حين يمر ذات يوم، وهل ستلتقي عيناها ببريق عينيه لتصرخ به: "هه ، هاته عاليا"، ليقول لها: "أنا صاحب حرف السين"، هذا ما لا يعرفه أحد بعد!

ولكن ما اعرفه أنا...

سوف يكون لقاءا مجانيا، فكون حرف السين هو الحرف الأول من اسمه لن يعني شيئا، وسيكون اكتشافها المتأخر لظاهرة الصدف اللعينة، ما هو إلا جزء من محطة البحث عن رجل، تعتقد أنه آت، وما أعرفه أنا بوصفي قادرة على التقاط الغيب، أن المشهد سيتكرر مرارا.

صديقاتي النساء أسيرات أوهامهن، في كل مرة، يعتقدن انه قد وص ، ثم يتبين، وفي كل مرة أيضا، أنهن يصبحن على قماش المخدة، لا على ملمس رجل.

أما هم، أصدقائي الرجال ، فهم الملوحون بهن، الغاوون، المضللون، الذين يحاولون التشبه بالحلم، وما أن تقترب المرأة من أحدهم، حتى يلوذ الجميع بالفرار.

وأنا أيضا، كمثل الجميع، أنتظر طويلا، ثم ألوذ بالفرار. فهل من كيمياء تحطم الولع بالرحيل، وتلزمنا بالبقاء، لنتشبع بالارتماء المتكرر في حضن أوهامنا الدافىء، المعجون بالحكاية والرواية وبعضا من الشعر والتلفزة، بل والحار  كحرارة الأكاذيب الوردية والستائر البيضاء ولوحة فان كوخ، لا بل وكطراوة  ملمس كلمات الشعراء المتقدة باللغة العالية الجودة؟.

باريس

 

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006