Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية 


 

 

خلات أحمد

"سعدو"  

قناص الموت وغواية المغامرة

 

جهة الأربعاء, جهة الغروب والتخمين المزمع, جهة الوداعات الحارة, والدمع الحار, والحنين الجار, جهة العشاق يُقتلون جهاراً ويدخلون النحاس يخلّد أرواحهم دون الصدأ, وتحفظ الذاكرة أنفاسهم المرنة من التلاشي في تراكم الأوجاع .

 "جهة الأربعاء"، شطحات روائية للكاتب "محمد عفيف الحسيني"، يروي من خلالها سيرته الشخصية متداخلة مع سيرة الأمير جلادت عالي بدرخان, الشيخ سعيد, القاضي محمد, والملا مصطفى البارزاني، ويمزج في الوقت نفسه ذكرياته مع ذكريات أهل مدينته ـ عامودا ـ ويستنطق ذاكرته الطفولية عن الأحداث التي مرت بها, مستحضراً شخوصها البسيطة البعيدة عن كل خارق للعادة سوى هذا القلق والغموض والأسى العميق المستتر في الماضي كما في الحاضر.

 نبرة الشجن المكثف صفة مستمرة طوال النصوص, كما الحب والحنين والرهافة المفرطة؛ حتى لتخال روح الكاتب ستتمزق إذا قلبت الصفحة بقوة, وهو بهذا يلامس الروح الكسيرة في كل واحد فينا.... ويحافظ في الوقت نفسه على ذلك الغموض القابل لأكثر من تأويل.

يوقع القارئ نفسه في الفخ منذ أن يبدأ قراءة "جهة الأربعاء"، فهو ينتظر شخصيات محددة الصفات, تتحرك وفق حبكة تتبين تفاصيلها في تتالي الفصول, ويمتد به الإنتظار حتى إنتهاء الكتاب، دون أن يظفر بتلك الثوابت المعلومة والبناء المتداول للرواية, فلا يكون أمامه إلا أن يعيد قراءتها مجدداً، وهذه المرة مستسلماً كلياً للكاتب ومستعداً لتذوقها بالطريقة التي تخيرها الكاتب نفسه.

هو إذاً أسلوب من القسر الرقيق, أو مايشبه تفاصيل حلم في لحظة تتأرحج بين الحلم واليقظة, والكاتب لا ينفك مصراً على أن تتبعه إلى دواخله، التي تكتشف فيما بعد أنها دواخلك أنت أيضاً بطريقةٍ ما, بل أنه يكاد يدعوك لقراءة النصوص بلسانه وطريقته حيث أسبغ على العديد من الكلمات الحركات الإعرابية ولا سيما حركة الشدة (  ّ ) حتى على تلك الكلمات التي تقرأ مشددة بداهة, وهذا تأكيد على شدة المنفى والحنين .

الكاتب لا يترك القارئ يفلت من السطوة الرقيقة لشخصياته، ويحافظ على استمراريتها بذات القدر من الحب طوال النصوص, حيث لا يكاد المرء يندمج مع أحد الشخصيات فينسى غيرها.... حتى يعيد الكاتب شخصية أخرى بسلاسة وبراعة، بعيدة عن الإقحام..... فتشعر بالقليل من الأسى لأنك كنت قد نسيتها في خضم تفاعلك مع شخصية تصبح رئيسة لبعض الوقت، ثم لا تلبث تعود أدراجها إلى الخلف لتترك الضوء الرهيف لغيرها.... فتنمو بهدوء وحب, لا يعوقها في ذلك حتى الموت, كأنه مرحلة طبيعية لإستكمال أدوارها المرصودة.... كأنه الإنتقال في السكن من المدينة إلى المقبرة الأكثر صمتاً وكثافة في تدابيرها القلقة لسيرة الإنسان الكوردي وأقداره المعلقة على الريح في سماء الرب الفسيحة.

جاءت "الشطحات الروائية" في مقاطع قصيرة مقارنة مع فصول الرواية الإعتيادية دون أن يفقدها ذلك شيئاً من قدرتها على إيصال الفكرة أو الإحساس بها مستغنية عن الإسهاب بالكثافة .

يعتمد الكاتب في بناء نصه على السرد والوصف بلغة هي أقرب إلى الشعر، مقتصداً في الحوارات إلى حد توظيفها فقط لزيادة زخم النصوص، وتوثب الإحساس بشخوصه حتى لكأنها تتحرك أمامك فتستعمل الحديث اليومي الكوردي جداً, كأنما يكتفي الكاتب بتدوين ترجمة حرفية لهذه الأحاديث, أو ليضيف إلى نصه عمقاً فلسفياً أو بعداً نفسياً يزيد النبض الروحي في قراءة النصوص.

بالإضافة إلى التاريخ، هناك أيضاً الجانب الإيروتيكي في النصوص, وهذا جانبٌ لم يهمله الكاتب ولا أخفاه بالكنايات, إنما صرح به كجزء مكمل لأحداث الحياة البشرية، وتفصيل حيوي في كينونتها للأنثى كما للذكر.

شيرين / داميانا / أمي....

المرأة حاضرة بتفاصيلها الحنونة والجميلة كخفقة جناح سنونو، والواسعة حتى تبرير العقوق، والشهية حتى الإنسكاب على جسد الكوردي الغريب, يبحث في تفاصيلها عن وطنٍ مفقود.... أم بعيدة.. أخت طوى الموت أنفاسها مبكراً... ربما عن خاصية تذوب في الثلج الكثير الغريب.

الشيخ سعيد , البارزاني، القاضي محمد, الأمير جلادت عالي بدرخان, عاشوا في زمن ٍ لم يدركه الكاتب ولا عاش منه إلا ما نقلته إليه كتب التاريخ ومرويات التراث الشفوي, فكانت أخته "شيرين" بعمرها اليانع السريع وحياتها الحلم القصير, رمزاً للحلم الكوردي الذي حاول هؤلاء انجازه, وليبثَ عبر حضورها الشفيف المتواتر, شجنه وانكساره, كما استغرابه المُغرق في الدهشة, أن: لماذا حياتنا اليومية بكل هذا الفقدان؟!.

تخرج أمه الحناء من صندوق عرسها الخشبي وتصبغ شعر شيرين, تماماً كما خرج الحرف الكوردي من خاتم الإمارة، ليزين لغتنا ويمنحها جدارتها النبيلة, هكذا يصير الأمير جلادت في حنان أمه وعطائها, تصبح الحروف التي أبدعها أمانتها إلى الشاعر جكرخوين. لقد ترجم الكاتب حبه للشاعر عبر الشخصية القلقة لعمه الشبيه بجكرخوين, المختنق في جفاف الواقع, يرافقه أبداً الجرح الكوردي متمثلاً في الطائر "بريندار" أي الجريح, الذي لا يستطيع أن يطير إلا على كتفي العم، وهو يتسلق الشجرة, ولا يغرد إلا في قصائد جكرخوين وهي تحلق بحروف الأمير على أجنحة "هوار", حتى هجرته إلى أرض الإسكندناف في شمال الله الكثير, وهناك تمتزج عزلته بعزلة الكاتب وغربته وحنينه المستفحل إلى أرض تحوطها الألغام والمصابيح العالية وجرحى يتقاسمون كل شبر من ترابها النازف بصمت.

شاعران هما, جكرخوين ومحمد عفيف الحسيني, يتقاسمان حب كوردستان, النساء, تبغ "سعدو" قناص الموت, وحمحمة أحصنته في غواية المغامرة المستمرة.

"بريندار" لا يشفى من جرح حتى يتفتق آخر, لا يكاد يطمئن إلى عمامة حتى تتدلى من مشنقة, لا يكاد العم القيّم على التاريخ يجبّر جناحاً حتى ينبثق نزفٌ آخر. وبريندار طائر صغير, حلمه السماء ورغبته الأعالي, واستكانة قلبه مخطوطة العم الغامضة الطافحة بالأنين والنعناع والزهور والساعات المتوقفة على القدرة البارعة للكورد في عشق الحرية أوالتأرجح على مشانقها.

سمة الكاتب الأساسية إذاً هي قدرته المبدعة على دفق احساسه، والروحية التي كتب بها النص إليك, حتى لتخال نفسك في لحظة الإندماج أنك أنت الكاتب, وتعجب من قدرتك المستمرة على التعايش مع كل هذا الأسى الذي هو بالتأكيد جزء منك.

نص كوردي بامتياز, ليس بأسماء القادة والتواريخ والرموز والأماكن والمدن, إنما بهذه الروح الكوردية النقية التي هي نحن في لحظات تأملنا العفوي الواعي لسيرورة تاريخنا المسهب في الوجع والإنكسار, دون أن ينسى قرينه الأرمني ـ شًفي -  شريك البقعةالمكانية والدم المراق.

أقواس البيت القديم لأمراء بابان / نافخو الأبواق في غوتنبرغ, دهشة القبو الشامي / محطات القطارات وأنفاق المترو, عربة أولاد رشيدو / مقهى المتحف, مقارنة لا يفلت أيٌ منا من نصبها ولا من تداعياتها حين يشتد الحنين.

في الفصول الأخيرة, يزاحم ثلج غوتنبورغ تراب عامودا, يزاحم جسد "داميانا" الحليبي طفولة شيرين وأرجوحتها الفارغة, ويحلم الكاتب بلقاء جكرخوين في ستوكهولم، وليس في القامشلي, لكن المخطوطة تُعيد الحلم إلى منبته, تعيد جكرخوين إلى القامشلي مبتسماً ولو ميتاً, ليس ليكون النقطة الأخيرة فيها, إنما ليكون فيها سطراً بارزاً,  يقرن الزهور بالحبر.

 

* سوف ينشر موقع تيريز، الراوية كاملة، بعد حين.

  

خاص بـ تيريز. كوم 
03/11/2003 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002