Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


التشكيل الكردي 



مالفا

حصان يلماز غوناي الملون
سيلفيا رايسنجر

تأملاتٌ في السيرةِ الذاتيةِ لأعمالِ
عمر حمدي "مالفا"

 

الترجمة عن الألمانية: وهّاب الحسّاني

خارج متاهات الحداثة وعصر التقنيات، وبدءاً من قريته الأولى "أم حجرة" الواقعة في الشمال السوري، غرفٌ منفردة من الطين والقش، والموزعة بفطرية أهلها، في فراغٍ كبيرٍ، وأفقٍ كبيرٍ.. هناك كانتِ العلاماتُ والرموزُ والخطوطُ الطفوليةُ، الأشباحُ، الخرافاتُ، والحكاياتُ تملأُ فضاءه. تميزتْ مراحلُه الفنية الأولى بالتعثر والقلق الخفي للأشكال التي كانت تتوزع مع الطبيعة القاسية بعلامات بعيدة عن الحميمية، أو الإهتمام بما هو فن.. كمادة عارية، لاتُطعم ولاتُسقي.

في هذه الأجواء المريرة عائلياً وحياتياً، كانت لوحاتُه تتميز بحشدٍ متراصٍ من الوجوهِ الغارقةِ في ظلالِ الأحمر والأسود.. وجوه الرعاة، وحصادي القمح، مصنوعة من الغبار ووهج الشمس. إن هذه المرحلة تشكل دلالة كبيرة على قهر الطفولة الممزقة، وعلى تحالف شديد مع كل ماهو بدائي، أو إنساني.

في "الحسكة" المدينة، يبدأ عمر حمدي "مالفا" في البحث عميقاً في صميم الأشياء والموضوعات. محاولاً التعرّفَ على فهم الظلِّ والفضاء، الخط والشكل، التوتر والحركة، ومن خلال صراعه هذا مع سنوات الدراسة في مدرسةٍ لإعداد المعلمين، والعمل ليلاً في إحدى دور السينما كـ خطّاطٍ وكنّاس ورسام، كان يقتربُ أكثرَ من الجانبِ الحسّي للأشياء، للون وتعبيرية الأشكال.

بعد معرضه الأول في دمشق، يحرق كافةَ أعماله بيده.. كردِّ فعلٍ سادي يمارسه على الذات، ويدرك بأن الرسمَ يجب أن يتمَّ في الداخل على شكل رغيف خبز، أو ناي راعٍ. لايعرف من العالم سوى أسماء أغنامه. وفي دمشق ثانية، أثناء أدائه للخدمة الإلزامية كرسّام ومصمم للصفحات في مجلة "الفرسان"، بدأ بحثَه في جوهر الأشكال، أسير الذاكرة الذاتية، واقعية صوفية، لغة لاترسم سطوحاً لونية، بقدر ماهي طقوس حسية، أسيرة الصمت، وبعيدة عن التراكمات النقدية، أو النظرية في المفهوم الأكاديمي.. سُعارُ اللمسات اللونية المكدّسة، والميل إلى اللون السخيم المغبرّ الممتد في فضاء اللوحة، والسطوح الرمادية المخضرّة، عالية الحساسية، وهي تقترن بالتظليلات الداكنة، من البنيّ، وإلى الأزرق البحري PRUSSIANBLUE، ثقة الحركة، وتوازن الكتل على السطح، بعيداً عن الرقابة الرياضية، إنما سفرٌ دائمٌ في قلب الإبداع، وكأنّه شاهدٌ لزمنٍ لايوجد فيه إتجاه واحدٌ، أو تفسيرٌ نهائي للتضادات التي كان يستخدمها في اللون والشكل.. لتمنعَ أي إستقرار بصري، أو جدلٍ بين حضور الشكل وتجريد الفراغ. كانتِ الألوانُ، لتبرز البنية الشكلية، بعلاقات وتداخلات غريبة، وكأنها وُلدتْ في لحظةٍ معينة، أو في مزاجية فريدة. لكن هذا التراث المحلي أو العاطفي، تحوّل إلى طبقاتٍ متتاليةٍ من الألوان الصريحة، تميّزتْ بالتجريبية، حيث تداخلتْ فيها عناصرُ محمّلةٌ بمخزون الذكريات، تتسم بالشاعرية والحلم.. وكأنه تمرّدٌ لوني بسخاء تراجيدي إلى عرسٍ لونيٍّ.

في نهاية السبعينات، تعرّض عمر حمدي "مالفا" إلى ظروفٍ مهنية وعاطفية قاسية، حيث أرسل أكثر من عشرةِ أعمالٍ إلى إيطاليا من أجل إتمام صديقته دراستها هناك، ثم سافرتْ بثمنها إلى كندا، لتعودَ بعد سنة، وتحرّضه على السفر إلى الخارجِ. وفي صيف 1978، يبيع شقّته في "دمّر" المجاورة لمدينة دمشق، ويهرب إلى بيروت، يشتري جواز سفر مزوّر، ويغادر بيروت على متن سفينة لصيّادي الأسماك إلى قبرص، ثم فيينا.. في فيينا راحتْ تجاربُه تنمو بإتجاه التحكّم في مساحة اللوحة الكبيرة، وفي حركات صياغتها، وفي منطق تأليفها، حيث غاب الوجه والجسد، وتحولت إلى نشيدٍ غنائي، أو كما ذكرتْ في صحافة تلك الأيام بأنها "سمفونية لون" وضمن هذا الخضم من موجة التجريد الكبيرة، والتي طغتْ على أوربا بملامحَ أمريكية، راح عمر حمدي "مالفا" يصارع في تأسيس عمله الفني على إقامة المصالحة الصعبة بين الشرق وتجريد الغرب، بين الحياة والفن، إلا أن الإنطباعية الفرنسية، كانت الأكثر ضرورةً، لتكونَ خبزاً وتجربةً لونيةً جديدةً.. الإضاءة، ورسم الضوء بالضوء ذاته، ومواجهة الطبيعة المباشرة. هذه التفاصيل الساحرة، وتداخلات اللون الشاقة وخصوبتها: سحر الطبيعة، وتحولات الضوء الملون على المسافات البعيدة، وتأملات التفاصيل الدقيقة لحركة الأعشاب والزهور والشجر، ولعبة الماء وإنعكاسات الضوء.. كل هذا، كانت تجربة جديدة ومثيرة مع الوقت. وتمرّ سنواتٌ، وكأنه يثأر، أو يمارس فعلاً إنتقامياً على الإغتراب، على سنوات الجوع والإضطهاد والتشرد في فيينا، وإغلاق صالات العرض النمساوية في وجه أعماله، ومزاميره الصامتة.

في فيينا، تتركه صديقته الأولى "زوجته" بعد ثلاثة أطفال: "أوليفر، مالفا، وسارا"، وتسافر مع الأطفال إلى أمريكا، ومن ذلك الوقت لم يعد يعرف شيئاً عنهم، ثم يتزوج من نمساوية، وله منها طفلتان "نورا وأفين". ثم يغادر النمسا إلى إسبانيا، وهناك في "كوستابرافا" بكاتلانيا، يُهاجم مرسمه أكثر من مرة من قبل "القراصنة" الجدد، فيعود بعد ثلاث سنوات إلى فيينا، ويتزوج للمرة الثالثة.

في فيينا، كان زمن الصراعات: صراع الثقافات، صراع الحدود، صراع اللغات، وصراع الإنتماءات. إلا أن أعمالَه المرسومةَ عن الطبيعة، لم تكفِ وحدها بصناعة الخبز، وهو لايملك سواها. فكان مطلوباً منه بتغيير إسمه، ومرتْ ذاكرتُه على سنواتِ "الحسكة" مدينته الأولى، حيث كان يتأمل مجموعته "مالفا" عن روايةٍ لأنطون تشيخوف. هذه الأعمال المؤلفة من إثني عشر عملاً مع والدته وأخوته. فصرخ أخوه القادمُ، لاهثاً في الظهيرة، بأن والدَه قادمٌ، ومن اللحظة المرتبكة، يلفّ عمر حمدي أعماله، ولايجد مكاناً لإخبائها، فكان البئر الذي يتوسط الدارَ. ومن وقتها كانتْ أعمالُه تُسمى "مالفا" ومن هنا حمل عمر حمدي هذا الإسم لنفسه، وكانتِ المسيرةُ. وبعد أن حصلَ على الجنسية النمساوية. بدأتْ رحلةُ السفر مع لوحاته إلى أكثر أنحاء العالم، وإقامة المعارض فيها، أو المشاركة في أهم المهرجانات الفنية في أوربا وأمريكا. فتبنتْ أعمالَه أكثر من صالة عرض، وتوزعت أعماله، حيث تركّزت أكثرها في أمريكا، من خلال "هربرت أرنوت" وكاليري "والي فندلي" الدولية. إن البقايا التي أودعها "مالفا" سنواتٍ طويلةً في أقبية رطبة في فيينا: إسمه، مكان ولادته، ومزاميره، بدأتْ تأخذ تطوراً، ينزع إلى التحرر من كل تمثّلٍ طبيعي، أو جمالي، حيث بدأ المناخُ المادي والنفسي له، يرفض الإلتزام بضرورات اللوحة/الخبز، إلى اللوحة/الذات. وكانت الإنطباعية التجريدية، نتيجة طبيعية لتجربته الأولى في فيينا. ثم أخذتْ هذه االتجريديات تنحو إلى نظام المجموعات من حيث العرض، أي أكثر من لوحةٍ، لتشكل لوحةً واحدةً، وإستطاع أن يرسخَ إسمه كـ عمر حمدي "مالفا" في أكبر بوابات أجهزة الإعلام الغربية، فصدرتْ عن أعماله مجموعةُ كتبٍ وكاتلوكاتٍ.. تقاويمُ سنويةٌ.. ملصقاتٌ جداريةٌ. كما دخل إسمه القاموس الدولي WHO"S  WHO السويسرية، وتبدأ معركته الحقيقية مع التيارات الجديدة في الساحة التشكيلية التي تسيطر عليها قِوى مادية وإعلامية كبيرة، من أجل تشويه القيم الحقيقية للفن، وكما يصفه أحدُ أصدقائه هنا "بالسمكة التي تسبح بين الحيتان". تلاشى الوجه الذي كان يتدلى في أسفل لوحاته في السبعينات، مع الفراغ التجريدي: أيادي الرعاة، عازفي النايات، الوطن، الأهل، غياب أطفاله، الغربة، والمسيرة الحافلة بالقهر والعذاب. كل هذا تحولت في أعماله إلى لغةِ تحدٍّ.. إلى حدثٍ لونيّ، يقوم على التصادمِ الحركي بين اللمسات المتصارعة الجارفة، كالمحارب في GALDIATOR/المحارب الروماني الذي يدافع عن حريته بكل وسيلة، أو يُقتل، يواجه سطح اللوحة وكأنه شلالٌ من مخزونات درامية، لاتبحث عن شكلٍ، لتجعلَ من اللوحة ظاهراً يطفو على التعبير، بل عما يبرر للشكل وجودَه، وإنسانيته.

في أمسية ما، يتعرف على KITARO، فتدخل موسيقاه أعمالَه، تاركةً أثراً كبيراً في نفسه، وفي ألوانه، كعاشقٍ كبيرٍ للألوانٍ، وقدرته المتميزة على صياغتها وتركيبها. القادم من الطبيعة، والتي ظلّتْ من حينٍ إلى آخرَ، تشدّه، كممارسةٍ صوفية مع الموجودات الفنية في الطبيعة، خارج المرسم، أو لضرورات مادية بسبب إلتزاماته العائلية الكبيرة، وعشقه في البناء المسكني، لأنه لم ينسَ السنوات التي كان ينام فيها على كرسيين في مكتب المجلة التي كان يعمل فيها بدمشق، أو تحت دَرَجِ قبوها، أو ضيفاً على حدائق دمشق، ثم حدائق فيينا.

السنواتُ الأولى في الغربة، ثم غياب أطفاله، خلقتْ عنده نوعاً من التحمل والقسوة والتحدي. وظل وطنه سوريا يكبر مع السنوات، وحيداً. فكانتِ اللوحةُ وحدَها عنده دفاعاً عن النفس، وبإنتمائه السوري، وتجربته الطويلة في الساحة الكبيرة للفن الغربي، وصراع الإتجاهات، إستطاع عمر حمدي "مالفا" أن يفرضَ نفسَه بإصرارٍ وإرادةٍ وجدية، من خلال فنه، وثقافته التشكيلية الواسعة.

في بداية التسعينات، أخذتْ أعمالُه منحىً أكثرَ شرقيةً، بألوانها وكتلها المستعارة من ألوان السجاد وأعمال التطريز، وجدران البيوت الطينية، وحقولٍ من اللون الأحمر، وإيحاءاتٍ فطريةٍ. "أكثر الفنون معاصرةً في يومنا هذا، هي الأكثر بدائية" كما تقول مجلة الفن، ARTE NR: 262. 19995 MILANO، إن هذا التراثَ البصريَّ المكثّفَ: حوار للمساحاتِ والنُظُم اللونية من ملمسٍ وكثافةٍ، توزيع، حلول، بقايا مفردات حضارية قديمة، أو مؤشرات لرموز بدائية، أو لأمكنةٍ مختلفةٍ، إن هذا التراث جعل من سطوح أعماله تجريداً تتحرك عليها إتجاهاتٌ أخرى، وفي أمكنة تفاجئكَ، وأنت تسافر في التفاصيل، من الشكل إلى اللاشكل، من المرئي إلى اللامرئي، من الموت إلى الولادة، ومن حوار الكُتل بين الرؤية والواقع.. إلى حقيقةٍ جديدةٍ ومثيرةٍ. إنه الإنطباعي، والشكلي، والملون المتحرر، والواقعي في آن واحد، وفي عملٍ واحدٍ.. هو عاشق اللحظة، وسجين هذا المخزون الكبير الذي لم يرضَ بأن يكون ضحيةً لمفاهيم الفن المعاصر، لأن خاصية الفن عنده، هي في كيفية التعبير عن هذه الطاقة اللامحدوة. ولأنَّ الروحَ هي التي ترسم، وليس العين أو الجسد، فإنّ أعمالَ عمر حمدي "مالفا" لاتتعلق فقط بما نراه، بقدر مانلمسه بمشاعرنا وأحاسيسنا. إنه يمارس عليك سلطةَ الفن الكبيرة. تجعلك أمام أحجام أعماله الكبيرة: كتلةً منها، وليس خارجاً عنها. أمام هذا الزخم الكبير للتجربة اللونية التي يتميز بها عمر حمدي "مالفا" كواحد من "أهم ملوني القرن العشرين" كما تقول مجلة DIE PRESSE  NR. 18. 7 MAI 1993، وواحدٍ من أكثر الفنانين إنتاجاً وتسويقاً في العالم. شيئان لم يستطعْ عمر حمدي "مالفا" بدونهما أن يقبلَ الحياة: التصوير، والجنس. "اللوحة جسد إمرأة، وجسدها لوحة"

بهذه الرجولية، وبهذه الروحية، تأتي أعمالُه، كمحطاتٍ لحياةٍ معقدةٍ ومثيرةٍ، وكنموذجٍ متميز في تاريخ الحركة التشكيلية في يومنا هذا.

 

* عمر حمدي (مالفا)، مواليد أم حجرا، الحسكة، سوريا، مقيم في النمسا ـ فيينا، منذ عام 1978.
* عن "حجلنامه"، العدد الرابع.

فوتوغراف مالفا : م. كمو

 

 





































 

خاص بـ تيريز. كوم 
17/10/2003 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002