Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية  


د. عبد الله ﭘـشيو

 

ملاحظات أولية حول الإعلام و اللغة

 

 

 الترجمة عن الكردية: أردلان حسن  ومحسن سيدا

 

منذ وقت طويل ومسألة الشخصية واللغة الكردية تستأثر باهتمامي. حيث أن متابعة دقيقة ومتأنية للصحف والمجلات والإذاعات والأقنية التلفزيونية، تثير العديد من الأفكار والتساؤلات، لكن من أجل كتابة تشبع الموضوع بحثاً، وتتضمن على الأقل الإجابة على بعض الأسئلة الملحة، يحتاج المرء إلى مجموعة مصادر موثوقة وسنوات من البحث، أضف إلى ذلك أن هذه المسألة لها علاقة مباشرة بالسياسة، فمن الواضح أن إعلام مؤسسة تطالب بالاستقلال تختلف نظرته إلى الثقافة واللغة القوميتين عن نظرة إعلام كوسموبوليتي.

وإن الكتابة الأكاديمية أو العلمية تسعى جاهدة للابتعاد عن التعميم، وتنحو منحى التصنيف والتخصيص, فكل مسألة نتناولها تضعنا أمام العشرات من التساؤلات:  أي لغة كردية نموذجية (ستاندارد)؟ وأي إعلام

إعلام أي مرحلة؟ وفي ظل أي ظروف تاريخية؟ الإعلام الخاص أم الإعلام الحزبي؟ وماهي الخلفية الأيديولوجية للحزب بشكل عام ولقائده بشكل خاص؟ في أي جزء من كردستان وبأي لهجة تنشر؟ أي مجلة وأي صحيفة؟ وأي عدد وأي قناة؟ وهل المقصود بالإعلام الكردي، هو فقط ماينشر باللغة الكردية، ومن قبل الأكراد؟.

هذه الأسئلة وعشرات غيرها.. وكل سؤال يتشعب إلى العديد من التشعبات والتفرعات... لذا ومن الان أقول: أني لا أرمي في هذا المقال إلى الاجابة على هذه التساؤلات. وكل ما ابتغيه هنا هو أن أفتح مجدداً ملفاً مهماً، ألا وهو ملف مسألة اللغة, وألفت عناية المثقفين إلى الدور الهام للاعلام,هذا ا لدور الذي أخذ يتعاظم  في السنوا ت الاخيرة.إننا نعيش اليوم في عالم يتسم بالتنوع الثقافي. ثمة ثقافات خجولة (تتنحنح) وتطرق بابك قبل الدخول عليك, وثمة ثقافات أخرى تقتحم باب بيتك اقتحاماً.  وأمام هذا الوضع لانملك إلا أن نفتح نافذة للإستنارة وتغيير الهواء, علينا أن نرحب بهؤلاء الذين يأتون من أجل التفاعل والتبادل الثقافي, وعلينا أن نتعلم كيف نوصد بابنا في وجه أولئك الذين يريدون إلجامنا في ديارنا المهدومة وطمس معالم وطننا وأخلاقنا.

إن المرحلة التاريخية الراهنة التي نعيشها مع محتلي وطننا، ليست بشكل من الأشكال أكثر تطوراً من مرحلة الإقطاع الأوروبي في القرون الوسطى. فنحن لم نشهد عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى مرت بها أوروبة منذ مئات السنين، ودون أن يكون لنا اسهام فعلي في هذه العملية, أخذنا نستهلك  قشور نتاجها التاريخي، وألقينا جانباً لب هذا النتاج. إننا نقبل التلفزيون والكمبيوتر والها تف والانترنيت، لكننا نرفض العقل الذي أبدع هذه الأدوات. وباستطاعتنا كتابة طن من الكتب عن الديمقراطية, لكننا لا نستطيع أن نكون ديمقراطيين على الطريقة الاوروبية، إلا إذا تم ذلك نتيجة عملية مخاض اجتماعى طويل الأمد، وإلا مهما نادينا بالسلام والديمقراطية، فان علاقة العرب والترك والفرس بالأكراد، لن تصبح كعلاقة الالمان والفرنسيين والايطاليين ببعضهم في سويسرا. أود أن أقول: رغم أن الأوروبيين سبقونا فى التطور بمئات السنين، وتجاوزوا ظاهرياً مرحلة القومية أو هم فى طور تجاوزها، فاننا نرى الشعوب الاوربية تسعى جاهدة فى ظل التقدم التكنولوجى والاعلام إلى حماية ملامحها ولغتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها.

لقد حاولتُ حتى الآن وفي مناسبات عديدة التحدث بالروسية مع كتاب من أستونيا وغيرهم من دول البلطيق، لكنهم كانوا يتهربون من التحدث باللغة الروسية، علماً أنه ليس بينهم منْ لا يعرف الروسية، كونهم عاشوا في الاتحاد السوفيتي السابق. يشكل السويديون نسبة 6% من سكان فنلندة، وفي جزيرة أولاند، يبلغ تعدادهم 25الف نسمة فقط، ومع هذا فهم يتمتعون بالحكم الذاتي، وينبغي أن نعرف أن الحكم الذاتى لديهم ليس (الحكم الذاتي الحقيقى) لدينا،إلى ذلك فان لهم عَلَمهم الخاص، ولهم برلمانهم ودستورهم المحلي، بل ان لهم أيضا علاقات تجارية خارجية، وعدا ذلك فهم لايؤدون الخدمة الالزامية لفنلندة. ولا يسمحون للفلنديين بشراء الأراضي وإعمار الدور السكنية فى جزيرتهم، كما أن لغتهم تعتبر رسمية، ليس في جزيرتهم فحسب، وإنما في عموم فنلندة. غير أنه من المستحيل أن تسمع سويدياً واحداً يتكلم مع أبناء جلدته بلغة أخرى ــ أو لاقدر الله ــ  يتكلم مع أطفاله باللغة الفنلندية، أو يرسل أبناء ه إلى مدرسة فنلندية.

وإذا كان الأستونيون والسويديون يخشون ضياع لغتهم وثقافتهم وهم أصحاب دول وعشرات المؤسسات الثقافية، فماذا عسانا نفعل نحن الذين نتعرض من كل الجهات لحملات المحتلين الأكثر تخلفاً في عصرنا هذا؟ إنهم لايكتفون بطمس معالم أرضنا وتراثنا, بل ويغيرون اسم وطننا، ويمنعون لغتنا، وينكرون وجودنا أيضاً. ان عملية صهر الأكراد تتبع منذ أمد بعيد، لكنها على أشدها الآن، وقد شكلت أممية الأكراد غير المبررة في النصف الثاني من القرن الماض، الأساس الفكري والنفسي لهذه العملية. فى السنوات الاخيرة وعلى أثر الفشل العسكرى والسياسي للتنظيمات الكردية، أصبحت دعوات المطالبة بالاخوة والديمقراطية دون قيد أو شرط من طرف واحد، من جهة، والدعوة إلى الأممية الاسلامية من جهة أخرى، تشكل أساساً جديداً لعملية الصهر هذه. فان لم يسعفنا وعينا القومي، ولم نصر على التمسك بشخصيتنا ولغتنا وثقافتنا فإنني أقولها بكامل الوعي:  ماعجز عن تحطيمه (صانعو مدافع  الزمان)، تحطمه العولمة، والتكنولوجية العالمية الحديثة يعجل عملية الصهر هذه. وان هياج وصراخ أناس غرباء محتشدين فى الشوارع من أجل هويتهم وتاريخهم وأرضهم، كل ذلك لايغير فى الأمر شيئاً. وان حالة التشرذم والذل واليأس التى نعيشها، هي بعض علامات مصيرنا الأسود.

فاللغة هي آخر معاقل الدفاع في نضال الشعوب المستعبدة، واحتلال هذا المعقل لايعني سوى هزيمة الأمة واندحارها. فليس شرطاً أن يكون صهر الأمم بالقمع ومنع اللغة واستخدام العنف والإرهاب, بل إن الصهر في ظل التكنولوجيا الإعلامية، وغياب الوعي القومي، يصبح نتيجة موضوعية لاستمرارية العلاقة بين المستعبِد والمستعبَد، أي أنه لاعلاقة للعملية بكون مستعبدينا رحماء أوظالمين, أصحاب ضمير أم لا. لسنا كالفيتناميين الذين كانوا يرون فقط مدافع وجنود المحتل وطائراته، في حين أن شعبه (أي شعب المحتل) كان على بعد آلاف الكيلومترات منه. وليس هناك حواجز أو موانع تفصل بيننا وبين محتلينا, إذ يجمعنا بهم الدين ولون البشرة والعادات والتقاليد المتقاربة والتاريخ المتداخل، أو كما قال بلنت أجويت: (متداخلين كاللحم والعظم). لاأفهم شيئاً من علم الوراثة والكيمياء, لكن أعلم أن الأكثرية القوية مثلاً سائدة دوماً، والأقلية الضعيفة متنحية, وأعلم كذلك أنه إذا مزجنا كمية كبيرة من لون قاتم مع كمية صغيرة من لون فاتح, فإن الأول يغلب الثاني. إن عملية الصهر، هي عملية بطيئة وخفية وطويلة الأمد، لانتلمس نتائجها خلال سنة أو سنتين, فقد انقرضت عشرات الشعوب عبر التاريخ القديم, وفي التاريخ الحديث، هناك عشرات الشعوب التي تحتضر وهناك شعوب (كالهنود الحمر في أمريكا والساميين في اسكندنافيا)، يحافظ عليها كتحف نادرة. لقد كان الإتحاد السوفييتي السابق، بوتقة نموذجية للصهر البطيء للأقليات القومية. ففي بداية الثمانينات كان عدد سكان كازاخستان يبلغ 15350000 نسمة, وكان عدد الكازاخيين 5300000 نسمة فقط, في هذه الحال، استطاع الأخوة الكبار الروس خلال فترة حكمهم الإتحادي الذي دام ستين عاماً، أن يشكلوا نصف عدد سكان كازاخستان. وكان عدد سكان لاتفيا في عام 1940 يقارب مليوني نسمة, أما في عام 1981 (بعد مضي 37 عاماً على احتلالها) بلغ عدد سكان هذه الجمهورية 2000539نسمة، وكان عدد اللاتفيين منهم 1000344 نسمة فقط، مما يعني أنه خلال 40 عاماً لم يتوقف الأمر عند حد عدم ازدياد عدد سكان لاتفيا فحسب، بل كان اللاتفيون على وشك أن يصبحوا أقلية في جمهوريتهم, ولولا ظهور بروسترويكا غورباتشوف، لما بقي لهم أثر حتى، وإن كان لهم مئة جمهورية. ولم تكن الجمهوريات الإتحادية الأخرى أفضل  حالاً من كازاخستان ولاتفيا. ففي مدينة باكو عاصمة آذربيجان كان الآذريون أقلية, وفي بلاروسيا وأوكراينا, باستثناء القرى النائية، لم يكن  أحد يتحدث بلغته مادام هناك روسي واحد. لقد انصهرت عشرات الشعوب الصغيرة التي منحت حكماً ذاتياً اسمياً, وهناك  شعوب أخرى تحتضر.

في عام 1930 م حصل شعبا سيبيريا الأصليان (هانتي ومانسي) على الحكم الذاتي, وفي إحصاء 1969 م أي بعد مضي حوالي 40 عاماً، بلغ عدد سكانهما 3% من إجمالي عدد الاسكان في منطقة الحكم الذاتي.

فإذا كانت هذه هي حال شعوب (دولة العمال والفلاحين)، فكيف ستكون حال الشعب الكردي المضطهد والممزق، ومحتلوه أكثر تخلفاً من ستالين وبيريه وجدانوفيتش!؟ لم تبق وسيلة من وسائل الصهر القومي لم تمارس ضدهم، كالابادة الجماعية وهدم القرى والاحتلال العسكري المباشر والتهجير وعدم الاقرار بهويتهم القومية... الخ، غير أن أكثر الوسائل تاثيراً، والتي أجمع محتلو بلادنا على التشبث بها،هي مصادرة اللغة الكردية، فالبعض منهم ينكر وجودها صراحة (تركية وسورية)، والبعض يعتبرها غير صالحة للعلم والكتابة والاعلام (ايران)، والبعض الآخر يعترف بها لغة مستقلة، ولكنه يقيد حركتها ويضع العراقيل أمام تطورها، ويحول دون تحولها إلى لغة نموذجية معترف بها رسمياً (العراق) 6. إن اللغة كائن حي، وهي كجدول ماء، إذا لم تتم ازالة العراقيل أمام جريانه، ولم يتغذ بمياه جديدة، فإنه يتحول بمرور الأيام إلى مستنقع آسن. فلغة لا تدرس في المدارس ولا تتنفس في أجهزة الإعلام القومية، ولا يكتب بها في الدوائر والمؤسسات الرسمية، فأي مستقبل يرتجى لها؟ واللغة الكردية محاصرة بلغات مسيطرة تشدد الخناق عليها يوماً بعد يوم. في بعض مناطق الجنوب الوضع أفضل نسبياً، ولكن لو أمعنا النظر فيه، لأدركنا إلى أي مدى شوهت سياسة التعريب الشخصية الثقافية الكردية، فبعد انتهاء حرب الخليج وقيام انتفاضة جماهير كردستان وازالة مؤسسات البعث، كان من المفروض أن تقوم السلطات بتكريد الحياة الثقافية ومحو ثقافة المحتل المفروضة، وكان من المفروض وبأسرع وقت ممكن أن نجعل الطفل الكردي يتجه إلى المدرسة صباحاً وهو يتأبط كتبه المؤلفة بلغته الأم، ليدرس آداب وجغرافية وتاريخ وطنه. وكان من المفروض أيضاً تكريد الصحف والمجلات والاذاعات والأقنية التلفزيونية والمراسلات بين الدوائر الرسمية وغيرها. وكان من المفروض كذلك وبأسرع وقت ممكن أن يتم تأسيس الأكاديمية العلمية وتوفير جميع الامكانيات اللازمة لوضع معجم معتمد وموسوعة كردستانية. وبما أن هذا لم يتم، أو أن ما تم لم يكن بالمستوى المطلوب، يكفي القول أن المادة الوحيدة التي لم تدرج ضمن امتحان الثانوية العامة حتى السنة الفائتة هي مادة اللغة الكردية. وحتى الآن فإن قسماً لايستهان به من برامج الإذاعة والتلفزيون وخاصة المواد الترفيهية منها تبث باللغات العربية والتركية والفارسية (هذا إن لم تكن اللغة الهندية قد أضيفت إليها، فبعد تسع سنوات من الحياة بعيداً عن سلطة البعث, لاتزال اللغة العربية تحافظ على مكانتها كلغة رسمية أولى. والناس عامة والمثقفون خاصة غارقون حتى النخاع في اللغة العربية ويفكرون بالعربية, والموسيقى العربية والفارسية والتركية تصدح ليل نهار في كل البيوت والأندية والملاهي والمقاهي وسيارات (التاكسي).

إن وسائل الإعلام تلعب دوراً بارزاً في تكريد وانضاج الذوق الفني لدى جماهير الشعب، وخاصة البسطاء والأميين، وان هذه الوسائل تؤثر إلى حد كبير على العلاقة بين المجتمع واللغة الأم، وان الإعلام مسؤول عن مدى احترام الأمة للغتها الأم. لكن شعباً كل طموحه هو ان تصبح لغته ذات يوم لغة دولة وحكومة، شعباً لم يرفع ذات يوم راية ترمز إلى وطنه، شعباً يطلق في إعلامه عشرات المرات يومياً تسمية (إقليم كردستان العراق)، على وطنه المحمي والمحرر جزئياً بمناسبة وغير مناسبة... كيف سينظر هذا الشعب إلى خصوصياته؟ عجباً يالغباء (الباسك)، الذين لايسمون وطنهم (إقليم باسك أسبانيا). ويالبلاهة ألبان كوسوفو وحمقهم  لمَ لايحذون حذوهم ويدعون وطنهم (إقليم كوسوفو يوغسلافية)، والاسكوتلنديون ماأغباهم،  لم لا يدعون وطنهم (إقليم اسكوتلندة بريطانية العظمى)، والأبخازيون كم هم بلهاء وعنيدون، لم لايدعون وطنهم (إقليم أبخازيا جورجيا)،أستطيع أن أعد العشرات من الشعوب الاخرى ـ الغبية، الحمقاء، البلهاء ـ التي لا تتعلم السياسة والحكمة منا. لاأعتقد أن هناك كردياً واحداً، لا يسعد بمشاهدة الفضائيات الكردية. والحق يقال أن هذه الفضائيات قدمت خدمات جليلة للأكراد وعمرت بيوتهم، فهي جميلة وتسير باتجاه التطور، ومن هنا فإن كل نقد يوجه إليها فهو بقصد تطويرها ليس إلا. أحياناً اتابع البرامج العربية في هذه الأقنية، فأتذكر رغماً عني قصة ذاك الشرطي: يحكى أنه كان هناك شرطي لم يحصل على اجازة خلال فترة طويلة من  خدمته، وقد حدث أن منح اجا زة في سن متأخرة، فما كان منه ألا أن يواظب على المجيء كل يوم مع طلوع الفجر ليتسمرَّ أمام باب المخفر.

لست أدري لماذا أشبه حالتنا بقصة ذاك الشرطي أحياناً؟ الآن، وقد حصلنا على إجازة من خدمتنا, فلماذا علينا أن نذهب طوعاً إلى باب المخفر؟ قد يكون من المفيد إذاعة أخبار كردستان بلغة أجنبية في بداية البرامج أو في نهايتها, أقول الأخبار فقط وليست البرامج الفنية.

تُرى، هل يمكن أن يهدي الله المشاهد العربي, وهو الذي يملك عشرات الأقنية الفضائية والأرضية, ليستمع في ساعة متأخرة من الليل إلى أغنية عراقية تبث من فضائية كردية؟ أو أن يشاهد برنامجاً خاصاً حول العلاقات التركية مع الدول العربية؟ أو برنامجاً خاصاً حول مشاكل بحر قزوين؟ وكم قصة كردية على المشاهد العربي أن يقرأها حتى يستمع, من بين كل القنوات الفضائية العربية إلى حوار بين كرديين باللغة العربية حول مشكلات القصة الكردية؟ لاشك أنه ما من أحد يستطيع من حيث المبدأ أن يعترض على بث البرامج الفنية أيضاً بلغات الشعوب المجاورة، ولكن شريطة أن يكون لدينا عشرات الأقنية التي تبث برامجها ليل نهار.

غير أن مايجري الآن ليس إلا تعبيراً عن عقدة نقص فينا، وهدر لقسم من ساعات البث القليلة المتاحة لنا، والتي بالكاد تكفي للحفاظ على لغة الآباء والأجداد.

والواقع أنه يمكن أن نتلمس بوضوح نتائج التعريب الطويل الأمد في جنوب كردستان، من خلال اللغة الغريبة العجيبة التي يتكلمها الناس عامة, وبعض المثقفين، والتي يصعب فهمها أحياناً على من لايجيد اللغة العربية إجادة تامة. إن قناةً تلفزيونية يشاهدها الملايين، ينبغي أن تتعامل بحذر كبير مع مسألة اللغة.

فلغة وسائل الإعلام، ينبغي أن تختلف عن اللغة المستخدمة في المقاهي والمطاعم, وعلى العاملين في وسائل الإعلام ولاسيما التلفزيون أن يحافظوا على معايير اللغة النموذجية. إن وجود الخبرة والإختصاص لدى شخص ما في مجال الفن، أو العلم، لايكفيان لإجراء مقابلة تلفزيونية معه. إذ يجب عليه على الأقل أن يكون ملماً إلى حد ما باللغة شبه الموحدة المستخدمة في الكتابة حالياً.

أنا شخصياً لست من أنصار اللغة النقية, ولا أعتقد أن ثمة لغة نقية في العالم. وكما يقول المثل الكردي: (بالملح يستطاب الطعام، ولكن ضمن الأصول). أقول وأنا على قناعة تامة: هي إحدى أغنى لغات العالم في التعبير عن الحاجات والمتطلبات اليومية. وأن كل كلمة دخيلة على لغتنا, ألبسها آباؤنا وأجدادنا لباساً كردياً كاملاً، وزينوها بزينة كردية حتى بدت غريبة على أصحابها, وإن آباءنا وأجدادنا لم يستخدموا كلمة أجنبية وفق قواعد وصوتيات لغتها الأصلية، وإنما صاغوها في قالب محلي خاص. أما الآن  فالأمر مختلف تماماً، إذ تستخدم الكلمة الأجنبية كما هي في لغتها.

لاأدري لماذا يتم اختيار فتاة لا تجيد التحدث بعبارتين سليمتين, من أجل برنامج تلفزيوني في جامعة لها مكانتها المرموقة؟ وليس ذلك من أجل موضوع علمي أو فلسفي، وإنما من أجل موضوع بسيط كـ (الصداقة) أما كان يجب اختبار مستواها اللغوي قبل إجراء اللقاء معها؟ أيعقل ألا يكون في اللغة الكردية بديل لكلمة (صديق) العربية؟ ألم يكن بإمكانها أن تقول: (هفال, يار, هاورى, دوست, برادر, آشنا, هاوده م,...الخ) أم أنها ماكان ليطمئن قلبها لو لم تقلها بالعربية؟ ألم يكن في اللغة الكردية بديل لكلمة (زواج) العربية؟ بأي وجه حق تقحم كل هذه الكلمات والتعابير العربية في بضع جمل ( ئه كه ر صه دا قه ت نه بت حه يات نا بت), ( ئه مه ره ئيي منه), (صه دا قه ت ئه عه ز شته), (عادات و ته قاليد), (ئيحتيفاز, ره وا بط, ئه فكار, زه واج, ئينسان, زرووف, ته حه كوم, ته ئسيراتي سه لبي,..... الخ)11 .

أما المثقفون فليست لغتهم أفضل بكثير, ففي مساء يوم 29/5/2000 م أجرت قناة كردستان tv الغراء لقاء مع أحد الأخوة الكتاب حول انسحاب اسرائيل من لبنان. وأعتقد أن من لايجيد اللغة العربية لا يستطيع فهم ما قاله:

(حق, انسحاب, احتلال, محتل, مؤهل, قناعة, قوات, قوة, مقاومة, هجوم, قوانيني دولي, عجبا, جندي, استعمار, جنوب, قضية, مزاحم, اهتماماتي دولي, موزعه, خلافات, حركاتي كردي,مزية, ثقلي اهتماماتي دولي, حالاتي احتلال, حل بطريقه يك, عاملي خارجي, كتلة, استفاده, حلي نهائي, أساسي حق تقرير المصير, وضعي مهيأ,حمايتي كردستان, مركزي قرار,....الخ).

فإذا كانت هذه لغة كاتب ظهر على شاشة التلفزيون، وليس في أحد المقاهي, فكيف تكون لغة الناس العاديين؟ أولا يحق لهم أن يقولوا لأطفالهم: (برونه غورفه ي نه وم) [أي: اذهبوا إلى غرفة النوم] . أو (ئه لعا به كان مه به نه غورفه ي ئيستقبال) [ أي: لاتأخذوا ألعابكم إلى غرفة الإستقبال]  أو (قه ميسه كه ت له سه ر غه ساله دانى) [ضع قميصك على الغسالة]، وإذا كانت هذه هي حال الجزء المحرر نسبياً من وطننا, والذي ــ إلى حد ما ــ تدرس فيه اللغة الكردية منذ عشرة أعوام, فكيف تكون حال الأجزاء الأخرى التي لاتوجد فيها مدارس كردية؟.

إن اللغة الكردية مفهوم سياسي، وهي الوجه الأبرز لقضية الأمة الكردية. وليست ثمة حدود واضحة لكردستان، فهي مرتبطة بمدى انتشار اللغة الكردية, والأعداء يدركون ذلك تماماً, فعندما سئل تورغوت أوزال: "ألا تنوون منح الأكراد حكماً ذاتياً"؟ اكتفى بالقول: "إن الجميع سوف يتعلمون اللغة التركية حتى عام 1996"12.

إن الأتراك يدركون تماماً أن الكرد و(الكردايتي) وكردستان وفكرة الاستقلال تصب كلها في خانة واحدة وهي خانة اللغة. وهم يدركون أن القلعة التي جمعت هذه الأمة الجبلية منذ آلاف السنين هي سحر اللغة الكردية, فقد كان الأتراك ولازالوا على دراية تامة أنه لايمكن غسل فكرة (الكردايتي) من رؤوس الأكراد العنيدة، ما لم يتم إبطال سحر هذه اللغة, ولذلك فإن الكمالية القديمة والجديدة كرست كل إمكاناتها المادية والمعنوية من أجل تقويض بنيان هذه القلعة وإبطال سحرها. وحتى بعد تأسيس الدولة التركية، لم تكن الغالبية العظمى من أهالي شمال كردستان، تتحدث لغة أخرى غير اللغة الكردية. فمن أجل محو الشخصية الكردية وإحلال شخصية أخرى مكانها، كان لابد للدولة من تدمير القرى وتهجير سكانها إلى المدن التركية، من أجل إنسائهم اللغة الكردية وصهرهم في بوتقة (الأمة التركية السعيدة).

وفي تركيا.. ليس الكرد وحدهم، بل وحتى الاتراك بامكانهم أن يدبكوا الدبكات الكردية، ويستمعوا الى الألحان الكردية ويرتدوا الزي الكردي في أعياد النوروز... الخ. ذلك أن هذه الأمور لا تضر بالثقافة التركية، فهي ستصبح عاجلاً أم آجلاً ملكاً لها، مما يزيدها ثراء وغنى. وما دامت الامورالمذكورة لاتحمل بذوراللغة، فان اسم الكرد سيصبح اًثراً بعد عين. ليس هذا فحسب، بل يمكن السماح بقومية (كردايتي) مفرغة من محتواها، ما دامت أداتها هي اللغة التركية. وعلاوة على ذلك، فان بمقدور المرء أن يعيش في تركيا دون مشكلات، وحتى يمكنه الارتقاء إلى منصب عصمت اينونو أو أجاويت وحكمت جتين، إذا ما تخلى عن تلك اللغة (الوحشية). فليكتب يشار كمال وأمثاله المجلدات الضخمة عن بؤساء جقوراوفا، ولكن باللغة التركية، وليرتفع صوت أحمد قايا وإبراهيم تاتلي سس غناءاً ضد الاضطهاد ما وسعهم ذلك, ولكن باللغة التركية. إن القوميين الأتراك لهم إحدى خصائص المستعمرين الفرنسيين, ألا وهي فرض لغتهم, فالأتراك يقتلونك روحياً وليس جسدياً، إذا ما تم لهم ذلك, ويعملون على اضمحلال شخصيتك ويجعلونك تحقد على ماضيك وتخجل من كونك ولدت من أبوين غير تركيين ومتخلفين.

لقد عملت الكمالية على تنشئة الأتراك والغالبية العظمى من الأكراد على أن اللغة الكردية هي لغة الأميين والغجر والمتخلفين وقطاع الطرق, وأن اللغة التركية هي لغة الحضارة والعلم والثقافة والتقدم, لابل هي أم اللغات الحية في العالم.

وقد أوصلت هذه الحالة الأكراد إلى حد الخجل من لغتهم والنفور منها. فالأحزاب والتنظيمات الكردية لم تقف عملياً في وجه سياسة التتريك هذه, بل اتبعتها هي الأخرى باسم التقدمية والأممية وبالتالي أدخلت اللغة التركية إلى كل بيت كردي.

وبالطبع أنا أتحدث بصورة عامة, ولا أنكر ظهور مثقفين كبار من أمثال موسى عنتر من بين صفوف هذه الأحزاب أو خارجها, جعل قضية اللغة الكردية قضية حياة أو موت. ولكن للأسف فإن المساعي الحميدة لهؤلاء لم تلق دعماً جدياً من داخل الأحزاب.

إن إحدى السمات البارزة للإعلام الكردي الذي ينشر بلغات الجيران هي المجاملة والتجمل، اللذان يصلان أحياناً إلى حد النفاق والتملق, مما قد يؤثر سلباً على صورة الكرد. أولم يقل آباؤنا وأجدادنا: "لاتكن حلواً فتؤكل, ولا تكن مراً فتلفظ"؟

لقد بات الحديث عن الأخوة والدين المشترك والتاريخ المشترك والمصير المشترك تقليداً متبعاً لدى الإعلام الكردي بمناسبة وغير مناسبة.

إن هذا الإعلام يصور لنا أن حياتنا بدون هؤلاء الإخوة الكبار جحيم لايطاق, إذ يعيد على مسامعهم مراراً وتكراراً كل يوم إن كتابنا كتبوا بلغاتهم, وإن مغنينا غنوا بلغاتهم وإن علماءنا خدموا ثقافاتهم وأن خيرة شبابنا ضحوا من أجل قضاياهم. وبإختصار شديد فإن الله قد خلقنا خدماً لهؤلاء يضعون أحذيتهم أمام أقدامهم, ولهذا فإن جيراننا يعتبروننا مثل (أحذيتهم) ولا يصنفوننا كشعب له خصوصيته. إن الأتراك لايستطيعون أبداً إنكار وجود اليهود والأرمن في تركيا,ولكنهم يقولون بكل وقاحة: (لاتوجد " أقلية" تدعى الكرد في تركيا ).

وفي سوريا التقدمية يستطيع بضعة آلاف من الآشوريين والأرمن التحدث بلغتهم في حين أن الكرد المشتركين مع العرب في الدين والبالغ عددهم مليوني نسمة محرومون من هذا الحق. فكلما أكثر الكرد الحديث عن صلاح الدين، تشبث به العرب أكثر.

ولهذا فإني أعتقد أن الإعلام الكردي الذي يركز على الخطوط المشتركة ينبغي عليه أن يركز بالقدر ذاته على الحدود الفاصلة بين الكرد وجيرانهم. وإن هذا الفصل لايعني بشكل من الأشكال الخروج عليهم وإمحاءهم, بل على العكس هو إعتراف بخصوصيتهم. والإختلاف غير العدائي يجعل الحياة أكثر تلوناً وغنىً.

إن جرح عقدة النقص لدى الكرد له تاريخ طويل، فمنذ مئات السنين كانت العربية هي لغة الدين والفارسية لغة الآداب والتركية لغة السلطة والحكم. أما الكردية فقد التجأت إلى الجبال والقرى خجلاً من هذه اللغات ولم تجد نفسها جديرة بالحضارة والمدنية. فقبل ثلاثمئة عام تفضل  حضرة  أحمد الخاني بالقول:

ــ  والحاصل أنه ظلماً وعدواناً، ابتدع هذه البدعة الجديدة.

ــ لقد ترك صافي (الخمر)، وتجرع الثمالة، ورتب اللغة الكردية ونظمها كالفارسية الدرية وتجشم المصاعب في سبيل عامة الشعب**.

ــ حتى لايقول الناس أن الأكراد يفتقرون إلى المعرفة، والأصل النجيب.13.

وهكذا يتضح لنا أنه حتى في عهد خاني الخالد، كانت تتناهى إلى مسامعه أقاويل من قبيل: "الأكراد جهلة ولا أصل لهم ولاأساس". وكانت الكتابة بالكردية في عهده بدعة مستهجنة، لكن الشاعر الخالد ترك الخمرة الصافية (اللغات غير الكردية)، وتجرع الثمالة (اللغة الكردية)، وأراد أن ينظم باللغة الكردية رائعةَ، كروائع (نظامي)، المنظومة بالفارسية الدرية، وهو لم يتحمل هذا العناء من أجل نخبة من المتعلمين، وإنما من أجل عامة الشعب. ليت شعري لو أطل علينا خاني للحظة واحدة، ليرى أنه ليس عامة الناس فقط، بل وحتى النخبة من الأكراد يعتبرون لغة رائعته (بدعة) من البدع، وإن لم يكونوا يظهرون بالكلام خجلهم من كونهم أحفاداً له، فانهم يثبتون ذلك عملياً، وماعلى شيخ الشعراء إلا  أن يتحسر اليوم كالأمس، ويقول:

ـ ولكن ما العمل، والسوق كاسدة، وليس من مشتر لما يعرض من قماش.14**

نعم إن قماش خاني المنقطع النظير الذي تحمل العناء في نسجه, لاتزال سوقه كاسدة عند أحفاده، وليس من مشتر له بينهم, وحتى الآن لانجد واحداً بالألف يقرأ رائعته, وهكذا يرقد خاني وحيداً في مزاره النوراني صباح  مساء، وكله آذان صاغية.. ونادراً مايأتي أحد إلى زيارته، ويهمس في أذنيه كلمتين كرديتين.

وكم عانى شاعرنا العظيم نالي (1800ــ 1856) من استهجان سفهاء الكرد لكونه ينظم الشعر بالكردية, ولا أعتقد أن دخان نالي كان من غير نار عندما قال: 

لايقولن أحد عن ألفاظي أنها كردية مصطنعة

وإذا لم يكن المرء جاهلاً، فإنه سيبحث عن المعاني [التي تتضمنها].

إن عدم وجود مشترٍ لقماش خاني الفاخر ومن ثم استهزاء (سفهاء) الكرد بـ (الألفاظ المصطنعة) للشاعر نالي لهما نفس الطعنة القاتلة التي تعرض لها حضرة حاجي قادر.

ذات مرة التقى حضرة حاجي قادر بأحد أهالي كويي في استنبول, فأخذ الرجل يحدثه ويمدح أحد شيوخها (أحمدى شيخ)، لكن الذي لايعجبه فيه هو أن الشيخ يترجم الشرع وآيات القرآن باللغة الكردية، فأنشأ يقول:

 حسناً ما يفعله من أجل الكرد

إذ يترجم الشرع والآيات القرآنية

والحق إنها خدمة في سبيل الله

(ولكن) ماالضير لو لم تكن بالكردية *

ترى كم شخصاً من شيوخ الأكراد التقى بهم حاجي في استنبول وهم يعتمرون عماماتهم ولايتحدثون بالكردية في البيوت والمضافات والمساجد؟ وكم جادل مستتركي (جلخوار)، عصره بوعيه المتقد؟ وما الذي جعل هذه الذات النورانية تشهر سيف اللغة هكذا؟

كل كردي لا يعرف لغة آبائه مؤكد أن ..17

إذا كان حاجي قبل مائة عام ونيف، قد استشاط غضباً من هؤلاء الكرد الذين لايعرفون لغتهم لأي سبب من الأسباب (ربما لم يكن لهم ذنب في ذلك)، فماذا سيقول لـ (أولاد هذا العصر)، الذين يعرفون الكردية ولا ينطقون بها في وقت أسست فيه القبائل والعشائر الأفريقية دولها وحكوماتها؟

في بدايات القرن العشرين، وعندما لم تكن أممية البروليتاريا قد وصلت إلى قرانا.. ولم تكن أمة الكمالية قد انتشرت انتشاراً واسعاً، ولم تكن اللغة الكردية قد منعت بعد، نجد أن أحد أكراد عاصمة البابانيين  (وهومصطفى صائب ابن أخت الشاعر بيره ميرد), يقلد الأتراك، ويكتب لخاله رسالة بالتركية, فيرد عليه خاله بيره ميرد بقصيدة (مستو وا دياره):

يبدو أنك يا مستو تنزع إلى الإستتراك

وأن (رقبتك تحكك) توقاً إلى الأحمال

فتكتب الرسائل بلغة الترك

وتميل في دينك إلى الشرك.

أتذكر جيداً (هه ولير) الخمسينات, وكيف كان الأطفال المتأنقون وأولاد المتعلمين (الأفندية) يحاولون التحدث باللغة التركية في المدرسة, وكذلك أتذكر كيف كان أولاد المستتركين (جلخوار) يسخرون من أبناء جلدتهم (الكرمانج الحميرـ كه ره كرمانج) القادمين من القرى والذين لايعرفون التركية. وأستطيع القول أن اللغة الكردية أخذت مفهوماً طبقياً آنذاك. فالموظفون والأفندية وتجار السوق، كانوا يتحدثون التركية, بينما كان الرعاة والشغيلة والعتالون و(معترو) المدن يتحدثون الكردية. وكان الجميع في سباق من أجل التحرر من الطبقة السفلى، والالتحاق بالطبقة العليا. ولكن للأسف, فما أصبح تاريخاً بالنسبة لـ (هه ولير) القديمة, لايزال واقعاً حياً في شمال وطننا.

واليوم أصبح من المعيب التحدث بالكردية في وطن خاني وجزيري وسعيد نورسي، واللغة الكردية التي اعتبرها بيره ميرد (لا نظير لها) لم تعد تحتل الصدارة في المجالس, بل إن الكبار يبعدون أولادهم عنها كما لو كانت جرحاً مزمناً ومرضاً عضالاً.

عندما كنت أدرس في موسكو كنت أعرف مجموعة من أكراد الشمال الذين تشردوا من أجل (الكردايتي). والحق يقال، فإنهم كانوا يتقنون الكردية، ويتحدثون بها معي أنا الجبلي الذي لا يعرف التركية, ولكن ما إن يظهر شخص آخر من كرد الشمال، حتى تتحول لغة الحديث إلى التركية!. لقد قلنا أن اللغة الكردية محظورة في تركيا, حسناً، فهل هي محظورة في موسكو أيضاً؟!. وقد قلنا أنه لايمكن تعليم الأطفال بلغتهم الأم في كردستان, وفي أوروبا ألا يمكن تعليمهم؟ هناك في كردستان الأسماء الكردية ممنوعة, فلماذا تبرز في أوروبا كل هذه الأسماء (دنيز, أورهان, توران, أيلم, يلدرم, ...)، كما يبرز الفطر في الربيع؟.

في العام المنصرم حضر خمسة أشخاص مؤتمر الرابطة القلمية العالمية باسم الكتاب الأكراد، منهم أربعة من أكراد الشمال. وقد حاولتُ جاهداً خلال الأيام التي قضيناها سوية أن أجعلهم يتحدثون فيما بينهم بالكردية، كما يتحدثون بها معي، علماً بأنهم جاؤوا من أجل اللغة والادب الكرديين. ففي اليوم الثالث من المؤتمر، عقدت جلسة خاصة للحديث عن المسألة الكردية، فأخذ ممثل الرابطة القلمية الكردية يتحدث باللغة التركية، بدلاً من أن يتحدث بلغته الأم! والغريب في الأمر أن المترجم أيضاً كان كردياً!!؟.

يذكر عالم الاجتماع والمفكر التركي إسماعيل بيشكجي في كتابه (ملاحظات حول المثقفين الأكراد) أمثلة مؤسفة ومحزنة 19، فيحكي قصة طبيب فتح عيادته في بلدة كردية يتكلم أهلها بالتركية، فجاء ته مريضة قروية فقيرة، فتحدث معها بالكردية، فأخذتها الدهشة، وشكّت في أمره، فهي لا تستطيع أن تستوعب كيف يكون طبيباً من يتكلم الكردية! فلم يكن أمام الطبيب إلا أن يصرخ  في وجهها ويهينها حتى تصدق أنه طبيب 20.

وذات مرة أخذ شخص حسن الصوت يغني أغنية (بيريفاني) في إحدى حجرات سجن ديار بكر, فانطلق صوت غناء مرتفع بالتركية في حجرة أخرى, وقاطعه, ولما سئل صاحب الصوت المرتفع: لماذا قاطعت غناءه؟ أجاب: (أيها الرفاق أنا أممي).

إن إحدى أهم الأزمات المؤلمة في نضالنا القومي في الشمال هي فصل اللغة الكردية عن(الكردايتي)،  فليس في برامج الأحزاب الكردية هناك خطة واضحة من أجل التاريخ والأدب واللغة الكردية, ولم تجعل هذه الأحزاب اللغة الكردية أداة (الكردايتي) ولا جزءاً من الشخصية والوطنية الكرديتين. وإن موقف الإعلام الكردي في الشمال إزاء دور اللغة في الفن والأدب يظهر بوضوح, هذا الفصل بين اللغة الكردية و(الكردايتي).

كثيراً، ما يوصف شخص مثل المغني ذو الصوت الرخيم أحمد قايا بالمغني الكردي, كما يوصف شخص بموهبة ياشار كمال بالكاتب الكردي. إن ذلك لايمت إلى الحقيقة بصلة, ليس من الناحية السياسية فحسب, وإنما من الناحية العلمية أيضاً. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على عقدة النقص فينا.

إن كردياً يعرف لغته ويغني بلغة المحتل يساهم في تتريك قومه, شاء ذلك أم أبى, فكلما ازداد ذلك المغني نجاحاً ازداد خطره, لأنه يحبب إلى أبناء جلدته اللغة المفروضة عليهم, ويقتل فيهم روح المقاومة, إذ يقوم بسرقة الفلكلور والتراث الكرديين, ويجعلهما ملكاً للآخرين, كما يجعل لغة المحتل لقمة سائغة للكرد بإضافة الدسم الكردي إليها.

ذلك أن مناعة الكرد تضعف ضد ما يتم من تتريك عن طريق شخص كردي. إن اللغة وخاصة بالنسبة للكرد، ليست مادة للفن فحسب, وإنما هي الهدف والهوية معاً, فلغتنا لاتقل شأناً عن لغات عصرنا الأخرى, ومن بين ستة آلاف لغة، تعتبر اللغة الكردية واحدة من بين الأربعين لغة الأكثر انتشاراً في العالم, ولهذا فإن كل فنان يعرض عن لغته ويغني بالتركية, هو فنان تركي بلا شك, وكل كاتب يعبر عن ابداعه باللغة التركية، فهو كاتب تركي، وإنني هنا لا أتخذ موقفاً سلبياً من الناحية الأخلاقية من هؤلاء, ولا أطعن في سلوكياتهم، لأنني أعتقد أن المرء حر فيما يختار, فاختيار أداة الفن والكتابة التي هي اللغة جزء من تلك الحرية, ولكن لا يجوز بأي شكل من الأشكال اعتبار هؤلاء من الكتاب والفنانين الكرد.

ذات مرة كان الرئيس الليبي معمر القذافي ــ الذي لا أستطيع ككردي إلا أن أحترمه ــ يتحدث في خطاب له عن عظمة العرب، وكان من بين الأدلة على عظمتهم مما ذكر أن شكسبير كاتب عربي, وعلى حد تعبيره فإن اسمه الحقيقي هو(شيخ زبير) ونحن الكرد نحاول أن نجعل من كل شكسبير في العالم (شيخ زبيراً) كردياً.

وما أتحدث عنه هنا هو موضوع مهم من مواضيع الأدب المقارن, ولقد تم حسمه لدى الشعوب منذ فترة, فلا يحق لعربي أن يدعي بأن ( ألبير كامو) كاتب عربي، حتى لو كان مولوداً لأبوين عربيين, ذلك أنه كتب باللغة الفرنسية وخدم اللغة والأدب الفرنسيين. وما سمعنا أحداً يدعي أن (رانيير ريلكه) شاعر تشيكي, رغم كونه تشيكي الأصل وكون التشيكية لغته الأم, لماذا؟ لأن اللغة التي كتب بها هي الألمانية, والشاعر (مندلشتام) واحد من كبار الشعراء الروس، وهو يهودي الأصل, لكن لم يذكر في أية موسوعة أن مندلشتام  شاعر يهودي, وماذا عن أعظم شعراء الروس (الكسندر بوشكين) ذي الأصل الحبشي؟ ترى هل سيأتي يوم يطالب فيه الحبشيون بـ (بوشكين) هم؟ أو على الأقل يطالبون الروس بعدد من طائرات سوخوي تعويضاً لهم عن بوشكين؟! والواقع أن الموضوع ليس هو الذي يحدد هوية الكاتب أو المغني أو المسرحي.. إلخ, أي إن ما يكتبه الكاتب  أو ما يغنيه المغني ليس بذي أهمية, لكن المهم هو الأداة, أي اللغة التي يكتب أو يغني أو يتحدث بها, وكذلك فإن الأصل البيولوجي للكاتب أو الفنان لايساوي فلساً واحداً.

فعلى سبيل المثال كتب إبراهيم أحمد ( آلام الشعب) عن نضال الشعب الجزائري, ولكنه يعتبر كاتباً كردياً لأنه ألف عمله باللغة الكردية, وعلى النقيض من ذلك فإنه لايجوز لأحد أن يعتبر جيمس أولدريج كاتباً كردياً، رغم كون جميع أبطال روايته (الجبال والسلاح ) كرداً، ذلك أن أداة كتابته ليست اللغة الكردية.

ومادمت أتحدث عن فن مبدعه كردي الأصل, غير أن أداته ليست الكردية, ويخدم ثقافة أخرى فسأشير إلى النقطة المهمة التالية:

 عندما يتساوى في نظرنا الفنان الكردي والفنان التركي أو العربي أو الفارسي من أصول كردية, فإن ذلك ينمي فينا عقدة النقص, ويدفع أحفادنا إلى سلوك أسهل السبل وتجنب مشكلات اللغة الكردية الممزقة والضعيفة/ ومن ثم قراءة الفاتحة على روحها.

وإذا كان الأمر كذلك فما عليهم إلا أن يحذو حذو المرحوم محمدى قاضي، الذي قام بترجمة روائع الأدب العالمي إلى اللغة الفارسية, ويكتبوا الروايات والأشعار الجميلة بالعربية، كما فعل سليم بركات وبلند الحيدري والعشرات من أمثالهم، ويغنوا بالتركية مثل أحمد قايا وابراهيم تاتلي سس، حتى يتحقق لهم العيش الرغيد من جهة، وافتخار الكرد المساكين بهم من جهة أخرى.

يقول كاتب كردي فاضل في مقال له:

إنه لايرى في الحياة الروحية للكرد سوى قطبين، وهما الملا الجزيري وسليم بركات 23.

لاأود بأي شكل من الأشكال التقليل من شأن سليم بركات, ولكن إذا أردت أن أختار قطبين من بين كل الكرد, فمن المحتمل أن يكون أولهما الملا الجزيري (سراج ليل كردستان) الذي يشبه قلبه ببحر لاقرار له, يجري فيه مائة نهر ونهر دون أن يحس بهم:

ــ مائة نيل وفرات يجري في قلبي     ولا أحس بها فأنا بحر محيط

إن ملا يحمل محرابه معه ويعرب عن استعداده, كعارف حقيقي وخبير درر لا نظير له, للتوجه نحو (لالش) القبلة المقدسة لليزيدية، وإن ذاتاً من هذا النوع لايمكن إلا أن تكون قطباً, ولكن من نختار قطباً ثانياً؟ ماذا عسانا أن نفعل بشيخي طريقة الـ (كردايتي) أحمدى خاني وحاجي قادرى كويي, اللذان يتجاوزان بكل المقاييس مرتبة الشاعر؟ وأين نجد مكاناً للبحر بيره ميرد؟ .

يعتقد الأخ الكاتب أن سليم بركات أرفع وسام على صدر الثقافة الكردية, إذ أن الدور الذي لعبه في الأدب الكردي يماثل الدور الذي لعبه محي الدين بن عربي، وأدونيس في الأدب العربي، وشكسبير في الأدب الانكليزي، وبوشكين في الأدب الروسي، وسيرفانتس في الأدب الإسباني.

إن ما ذكرناه آنفاً يفصل بصراحة ووضوح بين اللغة الكردية والـ (كردايتي) كما لو لم تكن اللغة هي العمود الفقري للأدب.

لقد اعتبر محمود درويش وأدونيس سليم بركات قمة في البيان ومالكاً لمفاتيح اللغة العربية 26, ومن حقهما الإفتخار به لأنهما يعرفان مكانة اللغة, ويدركان أن ما قدمه سليم بركات للحياة الروحية العربية ليس بقليل, ولكن ما جدوى بلاغة سليم بركات وحسن بيانه في العربية بالنسبة لكردي؟،  أيعقل أن يكون بركات بالنسبة للغة والأدب الكرديين أرفع مكانة من خاني ونالي وحاجي وبيره ميرد وكوران وعرب شمو ؟ وهل يعقل أن يكون نتاج هذا الأديب الفاضل قد لقي رواجاً أكثر من قصائد جكرخوين وقانع في القرى الكردية, وأثر في الحياة الروحية للناس أكثر من هذه القصائد؟

أعود فأقول: إنني لا أريد أن أقلل قيد شعرة من قيمة ومكانة هذا الأديب المبدع, وما كنت لأقول عنه شيئاً لو أنه صنف في خانة الأدب العربي أو العالمي وتم إبراز دوره هناك.

إنني هنا لا أتناول مكانة الكاتب، وإنما أود التأكيد على دور اللغة وتأثيرها في الحياة الروحية للإنسان.

كثيراً ما يتحفنا المسؤولون الأتراك بكلام معسول من قبل (ليس ثمة فرق بين الاكراد والاتراك). فهل هذا نابع من فراغ؟ أم أن تعلق الاكراد باللغة والثقافة التركيتين يمنحهم الجراة في ذلك؟. إن اللغة التركية تخلق الفوضى في مدن الشمال، بحيث لا يمكن التمييز بين الأكراد والأتراك إل امن خلال الفوارق الطبقية. فهل تحدث أحدهم بالكردية في الاجتماعات التي تعقد في تلك المدن؟ وهل رفع أحدهم شعاراً بالكردية؟ وهل ألقى أحد القادة أو رئيس إحدى البلديات خطاباً بالكردية؟ وهل قدم النواب الأكراد مذكرة إلى السلطات التركية أو المؤسسات الدولية، يطالبون فيها بتعليم أولادهم باللغة الكردية؟ وهل خرجوا لهذه الغاية في مسيرات ومظاهرات، ونظموا اضرابات أثارت الضجة في العالم؟.

إذا كانت هناك حقائق ملموسة، فلا يمكن انكارها؟ لو أن الأكراد الموجودين في شمال كردستان، ولا أقول عشرين مليون كردي، تحدثوا علناً بلغتهم لما استطاع الأتراك انكار وجودهم، انهم ينكرون وجودنا لأنهم،عملياً يستفيدون من ذلك ويقطفون ثماره يومياً، عندما يرون الأكراد يتحدثون بالتركية مع أطفالهم في المهد، وانهم ينكرون وجودنا لأننا لانتشبث بوجودنا. إن اللامبالاة وعدم الاكتراث في هذا المجال يبدوان جلياً في الإعلام الكردي. أنظر مثلاً اللافتات التي يرفعها أخواننا أكراد الشمال في مظاهراتهم الحاشدة على شاشة ميديا TV، حتى في أوربة الحرة لا تجد كلمة كردية في  هذه اللافتات، فلماذا تكتب هذه بالتركية في ألمانية؟ ترى هل يعتقد الكرد أن الألمان أيضاً يعرفون التركية مثلهم؟ وإذا كان الألماني والهولندي يفهمان معنى كلمتي (ياشاسن ـ عاش) و(بارش ـ السلام)، فاني أراهنكم أن (قارداش) نا:أخواننا الأتراك سيتعلمون معنى كلمتي  (بزي ـ عاش) و (آشتي ـ السلام) في فترة وجيزة، ناهيك عن الألمان والهولنديين.

ثمة أمور تبدو للوهلة الأولى تافهة، وليست بذات قيمة، لكن إذا أمعنا النظر فيها، نرى أنها تترك أثراً عميقاً في نفوس الناس، وخاصة تلك التي تتكرر عشرات المرات في الإعلام الكردي. ففي السنة قبل الماضية عرضت قناة ميديا... لعشرات المرات مشهداً لسقوط طائرة للعدو،لا شك أن هذا الخبر مفرح لكل كردي شريف، لكن وفي نشوة الانتصار يصرخ أحد الثوار (دوشتو)، إنني على يقين من أن النضال المشترك للبروليتارية الكردية والتركية ما كان ليتأثر قيد شعرة، لو أنه قال: (كه وت ـ سقط)، بدلاً من (دوشتو)، هذا أمر بسيط، لكن له دلالة كبيرة،هي أن التركية لغة الثورة أيضاً. كذلك عرضت القناة نفسها مرات عديدة فتاة ألمانية ـ وللاسف وقعت في الأسر فيما بعد أثناء إحدى العمليات ـ يطلب منها خلال البرنامج أن تغني، فلا تتوانى عن تلبية رغبتهم وتغني لهم أغنية تركية. طبعاً لا ذنب لهذه الفتاة الفدائية في ذلك، تركت وطنها وتوجهت إلى تلك الجبال بقصد الدفاع عن أرض وثقافة ولغة الأمة الأكثر بؤساً على وجه الأرض، بل إن الذنب كله ذنب أولئك الذين علموها اللغة التركية في تلك الجبال بدلاً من لغة الملا الجزيري وحضرة الخاني، لم لا؟ والتركية هي اللغة الرسمية في جميع اجتماعات ومؤتمرات أحزاب  شمال كردستان، وكذلك هي لغة التعامل اليومي في مقراتهم. والصحيفة الوحيدة لأكراد الشمال في أوروبة (اوزغور بوليتيكا) تصدر أيضاً باللغة التركية، وفي أكثر المنابر شعبية، والذي هو التلفزيون تستخدم التركية لغة رسمية في جميع البرامج السياسية الأكثر سخونة وحيوية. وفي معظم الأمسيات تكتب على الزاوية اليمنى من الشاشة كلمة (Canli) فلا يتحدث أحد بعدها بالكردية، لقد أصبحت اللغة الكردية لغة الطنبور والغناء (ليلى ولولو) فقط‍‍‍‍‍‍. إنهم بصراحة يقومون بتجميل لغة المحتل وتعويد أذن الانسان الكردي عليها. وان الأكراد يغالون كثيراً في تعلقهم بقادتهم، فاللغة التي يتحدث بها القادة تأخذ طابعاً قدسياً، ويصبح لها وقع جميل على مسامعهم. أليس من المؤسف أن يتحدث رئيس  HADEP السيد توران دمير * بالتركية في يوم كيوم النوروز أمام عشرات الآلاف من الكرد، وبحضور ممثلي البرلمان الاوروبي؟ فكيف لايقول أجاويت بعدها: (إن الأكراد واأاتراك متداخلون كاللحم والعظم).

إن أخطر عمل شرعت به ميديا TV هو خلط الكردية بالتركية في البرنامج الواحد. فكثيراً ما نجد اللغة التركية تقحم في برنامج يبث باللغة الكردية، وخاصة برامج (سيلا سور) و(نيرين) و(روناهي)، إن هذا الأمر لا يحدث في قناة تلفزيونية في العالم كله. وإذا حدث، فإن المداخلة تترجم مباشرة، لأن من يعتبر لغته لغة مستقلة ينبغي عليه دائماً الحفاظ على هذا الوضع. ليس ثمة بيلاروسي واحد لا يعرف اللغة الروسية  أكثر من لغته الأم، لكن من غير الممكن أن يتحدث أحد بالروسية في برنامج بيلاروسي، وإذا حدث هذا ـ لاقدر الله ـ فان حديثه يقاطع، أو يترجم مباشرة إلى اللغة البيلاروسية، وبهذا يحافظ الشعب البيلاروسي على وضع لغته رسمية مستقلة، علماً أنه هناك تقارب بين اللغتين الروسية والبيلاروسية، بحيث يمكن التفاهم بسهولة بين الروسي والبيلاروسي، إذا ما تحدث كل منهما بلغته الأم، أما بالنسبة للكرد، فالخطر أكبر، لأن الأتراك ينكرون وجودهم انطلاقاً من اعتقادهم بأن جميع الأكراد يعرفون التركية، ولا حاجة لهم بلغة اخرى!.

لماذا يحضر شخص لايعرف الكردية إلى برنامج كردي أو يتصل به؟ أمن أجل إهانة اللغة الكردية فقط؟ وإذا كان يريد التحدث بالتركية، فلماذا يقول له المذيع بلا تردد: (بويرن أفندم: تفضل يا سيدي ؟ وإذا سمح له بذلك، فلماذا لايترجم كلامه إلى اللغة الكردية؟ لماذا يتجاهل هذا المذيع حقيقة كون التركية والكردية لغتين مختلفتين؟ لماذا ينسى أن الكرد في الأجزاء الثلاثة الأخرى من كردستان لازالوا بعيدين عن الحضارة ولا يعرفون اللغة التركية؟!.

يعد التلفزيون أهم وسائل الإعلام، وخاصة الأقنية الفضائية, إذ ليس ثمة صحيفة كردية يزيد عدد قرائها على خمسة آلاف شخص، ولكن قناة فضائية ميديا  TV  يشاهدها ملايين الأكراد الذين يجدون فيها عاداتهم وتقاليدهم تكتسب أهمية كبرى, إن الخطوة الأولى دائماً هي الأصعب, لقد كانت  MED TV  هي الخطوة الأولى، كما كانت تجربة لشقيقاتها الأخريات (كردستان TV  وكردسات وميزوبوتاميا).

ولا يمكن لصاحب ضمير أن لا يثمن مبادرة العاملين في هذه القناة, لكن مع هذا فهي مطالبة بالكثير وخاصة في مجال اللغة. إن مقر ميديا  TV في قلب أوروبا التي تعج بالكرد القادمين من جميع قرى كردستان ومدنها، فليس هناك مدينة أو بلدة لايوجد فيها كرد من مختلف اللهجات الكردية, لهذا تستطيع  MIDYA TV  أن تتحول إلى مؤسسة لنشر وتدعيم ركائز اللغة الكردية النموذجية (ستاندارد), فتجعل من اللهجات الكردية معيناً لا ينضب لرفد هذه اللغة النموذجية، وتضيف إلى خزينة اللغة القومية آلاف الكلمات المستخرجة من جعبة كل منطقة كردية، وبإمكانها كذلك أن تبث جميع برامجها باللهجتين الكرديتين الرئيسيتين معاً, لا أن تجعلنا شعوباً صغيرة منفصلة (سوران, كرمانج, زازا,.. الخ)

وإذا لم تعالج هذه المسألة بأسرع وقت ممكن، فسوف تنعكس سلباً على قضيتنا القومية, ونهيء الكرد نفسياً للتشتت والانقسام، فمن غير الجائز أن يتم فصل اللهجات عن بعضها في النشرات الإخبارية، وإعطاء كل لهجة شخصية مستقلة, على سبيل المثال: إنه كفر ما بعده كفر، أن تبث الأخبار مرة بالكرمانجية، ومرة بالسورانية.

نأمل من ميدياTV  أن تقوم على غرار كردستانTV  وصوت أمريكا باستخدام اللهجتين الكرمانجية والسورانية معاً في برامجها بشكل واع ومدروس.

إن مسألة إدارة البرامج باللهجتين المذكورتين معاً مسألة راهنة وملحة جداً، ومهما أسرعنا في تلقيح مفرداتهما وتقريبهما من بعضهما البعض, فإننا نبقى متأخرين في هذا المجال. للأسف يتم التعامل (عملياً) مع اللهجات الكردية كلغات مستقلة في وسائل الإعلام الرسمية في أوروبا.

وقد كان للكرد أنفسهم دور بارز في خلق هذه الكارثة القومية, فإذا لم يتنبه الإعلام الكردي إلى هذه الناحية، سنتحول، كما أسلفت القول من شعب واحد إلى عدة شعوب صغيرة في مستقبل قريب بالتأكيد, إن ما ذكرناه آنفاً لا ينطبق على الفلكلور والأغاتي الشعبية.

وإذا كنتُ قد ركزتُ على مسألة اللغة إلى هذا الحد، فذلك لأنني أعتبر اللغة مفتاح الثقافة وانعكاساً لشخصية الإنسان, ولأنني أعلم أنه لم يبقَ للكرد ما يميزهم عن محتليهم سوى هذه اللغة. وثمة سؤال يجب أن لا يغيب عن بالنا: لماذا حل بنا في شمال كردستان خلال خمس وسبعين سنة ما لم يحل باليهود خلال ألفين وخمسمائة سنة؟ لقد تشتت شمل اليهود وتبعثروا في جميع  أصقاع العالم، لكنهم حافظوا على لغتهم وثقافتهم، في حين أننا ـ نحن الكرد ـ الذين نعيش على أرض آبائنا وأجدادنا، نسينا لغتنا خلال خمسة وسبعين عاماً، وإن لم ننسها فإنها قد أهينت من قبلنا.

أخيراً أرجو أن لا يعتقد أحد أنني أقف في مطلع القرن الحادي والعشرين موقف العداء من اللغة التركية أو أية لغة أجنبية أخرى, على العكس تماماً, فأنا أعشق كل لغة متداولة على وجه البسيطة، ولو كان عدد الناطقين بها أربعة أشخاص, ولكن شريطة أن أملك حرية الاختيار, لا أن تفرض علي بالحديد والنار. وتصبح رغماً عني بديلاً عن لغتي الأم, وكذلك أرجو أن يأتي يوم تصبح فيه اللغة الكردية في كردستان حرة ومستقلة، لغة رسمية للدولة, ويتعلم آلاف الفتيان والفتيات الكرد لغة بيشكجي والجواهري والشيرازي، في كليات الآداب واللغات الأجنبية.

 

 

* تم نشر هذا البحث لأول مرة في مجلة(ياسكار) المهجرية, العدد 5 سنة 2000 م, وقد نشر للمرة الثانية في الجريدة الأسبوعية ميديا  في كردستان الجنوبية, الشهر الرابع 2001 ميلادي ونظراً لأهمية البحث، ارتأينا ترجمته إلى العربية, وهذا لا يعني بالضرورة موافقتنا الكلية على كل ما جاء فيه. وننوه أيضاً أن بعضاً من أماني الأديب الفاضل قد تحققت لاحقاً، خاصة في كردستان الجنوبية كبناء المجمع العلمي الكردي وغيره.(المترجمان).

** اعتمدنا ترجمة جان دوست في ترجمة هذه الأبيات (أبيات أحمدى خاني)، إلا الشطر الثاني من هذا البيت, انظر مم و زين  ترجمة جان دوست صفحة  76 سنة 1995.   

 

 

المصادر:

1 ـ الموسوعة السوفييتية, سلفر, موسكو  1985, ص 522 (باللغة الروسية).

2 ـ نفس المصد .

3 ـ نه سليني ميره, موسكو 3 ص 10(باللغة الروسية).

4 ـ الموسوعة السوفييتية, سلفر , موسكو 1985 ص 688  (باللغة الروسية).

5 ـ نه سليني, موسكو 1989   ص  431 ( باللغة الروسية).       

6 ـ لاشك أنه يمكن أن يستخدم المحتلون كل الوسائل المذكورة في الوقت ذاته, ولكن في مرحلة معينة يركزون على واحدة منها.

7 ـ كردستان TV  , مساء يوم 12/5/2000 م .

8 ـ =            =    =      =  19/5/2000 م .

9 ـ =             =    =     =   23/5/2000 م .

10 ـ صحيح أن اللغة النموذجية (ستاندارد) لم تترسخ بصورة كاملة بعد, لكن القسم الأعظم من معاييرها بات واضحاً، وابتعادهم عنها يعبر عن جهلهم.

11 ـ كردستان TV  , مساء يوم 26/5/2000 م .

12 ـ اسماعيل بيشكجي , ملاحظات حول المثقفين الكرد , منشورات 1992  ص 86.

13 ـ أحمد الخاني, مم و زين , إيطاليا , 1989 ص 24.

14 ـ نفس المصدر, ص 25.

15 ـ ديوان نالي, بغداد , 1976, ص 107 .

16 ـ ديوان حاجي قادر كويي, بغداد , 1986 ص 240.

17 ـ نفس المصدر ص 246 .

18 ـ ديوان بيره ميرد الخالد , بغداد , 1970 ص 61 .

19 ـ اسماعيل بيشكجي, المصدر السابق .

20 ـ نفس المصدر, ص 74 ـ 75 .

21 ـ نفس المصدر , ص25 ـ 26 .

22 ـ هيوا, العدد 5 , 20 أيار , 2000, ملحق أوزكور بوليتيكا.

23 ـ ديوان الملا الجزيري, طهران , 1361 إبراني , ص 241 .

24 ـ نفس المصدر, ص 269 .

25 ـ هيوا, العدد 5 , 20 أيار 2000, ملحق أوزكور بوليتيكا.

26 ـ نفس المصدر.

 

 

تيريز. كوم 
10/10/2003 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002