Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية  


د. عبد الله ﭘـشيو

 

ملاحظات أولية حول الإعلام و اللغة

 

 

 الترجمة عن الكردية: أردلان حسن  ومحسن سيدا

 

منذ وقت طويل ومسألة الشخصية واللغة الكردية تستأثر باهتمامي. حيث أن متابعة دقيقة ومتأنية للصحف والمجلات والإذاعات والأقنية التلفزيونية، تثير العديد من الأفكار والتساؤلات، لكن من أجل كتابة تشبع الموضوع بحثاً، وتتضمن على الأقل الإجابة على بعض الأسئلة الملحة، يحتاج المرء إلى مجموعة مصادر موثوقة وسنوات من البحث، أضف إلى ذلك أن هذه المسألة لها علاقة مباشرة بالسياسة، فمن الواضح أن إعلام مؤسسة تطالب بالاستقلال تختلف نظرته إلى الثقافة واللغة القوميتين عن نظرة إعلام كوسموبوليتي.

وإن الكتابة الأكاديمية أو العلمية تسعى جاهدة للابتعاد عن التعميم، وتنحو منحى التصنيف والتخصيص, فكل مسألة نتناولها تضعنا أمام العشرات من التساؤلات:  أي لغة كردية نموذجية (ستاندارد)؟ وأي إعلام

إعلام أي مرحلة؟ وفي ظل أي ظروف تاريخية؟ الإعلام الخاص أم الإعلام الحزبي؟ وماهي الخلفية الأيديولوجية للحزب بشكل عام ولقائده بشكل خاص؟ في أي جزء من كردستان وبأي لهجة تنشر؟ أي مجلة وأي صحيفة؟ وأي عدد وأي قناة؟ وهل المقصود بالإعلام الكردي، هو فقط ماينشر باللغة الكردية، ومن قبل الأكراد؟.

هذه الأسئلة وعشرات غيرها.. وكل سؤال يتشعب إلى العديد من التشعبات والتفرعات... لذا ومن الان أقول: أني لا أرمي في هذا المقال إلى الاجابة على هذه التساؤلات. وكل ما ابتغيه هنا هو أن أفتح مجدداً ملفاً مهماً، ألا وهو ملف مسألة اللغة, وألفت عناية المثقفين إلى الدور الهام للاعلام,هذا ا لدور الذي أخذ يتعاظم  في السنوا ت الاخيرة.إننا نعيش اليوم في عالم يتسم بالتنوع الثقافي. ثمة ثقافات خجولة (تتنحنح) وتطرق بابك قبل الدخول عليك, وثمة ثقافات أخرى تقتحم باب بيتك اقتحاماً.  وأمام هذا الوضع لانملك إلا أن نفتح نافذة للإستنارة وتغيير الهواء, علينا أن نرحب بهؤلاء الذين يأتون من أجل التفاعل والتبادل الثقافي, وعلينا أن نتعلم كيف نوصد بابنا في وجه أولئك الذين يريدون إلجامنا في ديارنا المهدومة وطمس معالم وطننا وأخلاقنا.

إن المرحلة التاريخية الراهنة التي نعيشها مع محتلي وطننا، ليست بشكل من الأشكال أكثر تطوراً من مرحلة الإقطاع الأوروبي في القرون الوسطى. فنحن لم نشهد عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى مرت بها أوروبة منذ مئات السنين، ودون أن يكون لنا اسهام فعلي في هذه العملية, أخذنا نستهلك  قشور نتاجها التاريخي، وألقينا جانباً لب هذا النتاج. إننا نقبل التلفزيون والكمبيوتر والها تف والانترنيت، لكننا نرفض العقل الذي أبدع هذه الأدوات. وباستطاعتنا كتابة طن من الكتب عن الديمقراطية, لكننا لا نستطيع أن نكون ديمقراطيين على الطريقة الاوروبية، إلا إذا تم ذلك نتيجة عملية مخاض اجتماعى طويل الأمد، وإلا مهما نادينا بالسلام والديمقراطية، فان علاقة العرب والترك والفرس بالأكراد، لن تصبح كعلاقة الالمان والفرنسيين والايطاليين ببعضهم في سويسرا. أود أن أقول: رغم أن الأوروبيين سبقونا فى التطور بمئات السنين، وتجاوزوا ظاهرياً مرحلة القومية أو هم فى طور تجاوزها، فاننا نرى الشعوب الاوربية تسعى جاهدة فى ظل التقدم التكنولوجى والاعلام إلى حماية ملامحها ولغتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها.

لقد حاولتُ حتى الآن وفي مناسبات عديدة التحدث بالروسية مع كتاب من أستونيا وغيرهم من دول البلطيق، لكنهم كانوا يتهربون من التحدث باللغة الروسية، علماً أنه ليس بينهم منْ لا يعرف الروسية، كونهم عاشوا في الاتحاد السوفيتي السابق. يشكل السويديون نسبة 6% من سكان فنلندة، وفي جزيرة أولاند، يبلغ تعدادهم 25الف نسمة فقط، ومع هذا فهم يتمتعون بالحكم الذاتي، وينبغي أن نعرف أن الحكم الذاتى لديهم ليس (الحكم الذاتي الحقيقى) لدينا،إلى ذلك فان لهم عَلَمهم الخاص، ولهم برلمانهم ودستورهم المحلي، بل ان لهم أيضا علاقات تجارية خارجية، وعدا ذلك فهم لايؤدون الخدمة الالزامية لفنلندة. ولا يسمحون للفلنديين بشراء الأراضي وإعمار الدور السكنية فى جزيرتهم، كما أن لغتهم تعتبر رسمية، ليس في جزيرتهم فحسب، وإنما في عموم فنلندة. غير أنه من المستحيل أن تسمع سويدياً واحداً يتكلم مع أبناء جلدته بلغة أخرى ــ أو لاقدر الله ــ  يتكلم مع أطفاله باللغة الفنلندية، أو يرسل أبناء ه إلى مدرسة فنلندية.

وإذا كان الأستونيون والسويديون يخشون ضياع لغتهم وثقافتهم وهم أصحاب دول وعشرات المؤسسات الثقافية، فماذا عسانا نفعل نحن الذين نتعرض من كل الجهات لحملات المحتلين الأكثر تخلفاً في عصرنا هذا؟ إنهم لايكتفون بطمس معالم أرضنا وتراثنا, بل ويغيرون اسم وطننا، ويمنعون لغتنا، وينكرون وجودنا أيضاً. ان عملية صهر الأكراد تتبع منذ أمد بعيد، لكنها على أشدها الآن، وقد شكلت أممية الأكراد غير المبررة في النصف الثاني من القرن الماض، الأساس الفكري والنفسي لهذه العملية. فى السنوات الاخيرة وعلى أثر الفشل العسكرى والسياسي للتنظيمات الكردية، أصبحت دعوات المطالبة بالاخوة والديمقراطية دون قيد أو شرط من طرف واحد، من جهة، والدعوة إلى الأممية الاسلامية من جهة أخرى، تشكل أساساً جديداً لعملية الصهر هذه. فان لم يسعفنا وعينا القومي، ولم نصر على التمسك بشخصيتنا ولغتنا وثقافتنا فإنني أقولها بكامل الوعي:  ماعجز عن تحطيمه (صانعو مدافع  الزمان)، تحطمه العولمة، والتكنولوجية العالمية الحديثة يعجل عملية الصهر هذه. وان هياج وصراخ أناس غرباء محتشدين فى الشوارع من أجل هويتهم وتاريخهم وأرضهم، كل ذلك لايغير فى الأمر شيئاً. وان حالة التشرذم والذل واليأس التى نعيشها، هي بعض علامات مصيرنا الأسود.

فاللغة هي آخر معاقل الدفاع في نضال الشعوب المستعبدة، واحتلال هذا المعقل لايعني سوى هزيمة الأمة واندحارها. فليس شرطاً أن يكون صهر الأمم بالقمع ومنع اللغة واستخدام العنف والإرهاب, بل إن الصهر في ظل التكنولوجيا الإعلامية، وغياب الوعي القومي، يصبح نتيجة موضوعية لاستمرارية العلاقة بين المستعبِد والمستعبَد، أي أنه لاعلاقة للعملية بكون مستعبدينا رحماء أوظالمين, أصحاب ضمير أم لا. لسنا كالفيتناميين الذين كانوا يرون فقط مدافع وجنود المحتل وطائراته، في حين أن شعبه (أي شعب المحتل) كان على بعد آلاف الكيلومترات منه. وليس هناك حواجز أو موانع تفصل بيننا وبين محتلينا, إذ يجمعنا بهم الدين ولون البشرة والعادات والتقاليد المتقاربة والتاريخ المتداخل، أو كما قال بلنت أجويت: (متداخلين كاللحم والعظم). لاأفهم شيئاً من علم الوراثة والكيمياء, لكن أعلم أن الأكثرية القوية مثلاً سائدة دوماً، والأقلية الضعيفة متنحية, وأعلم كذلك أنه إذا مزجنا كمية كبيرة من لون قاتم مع كمية صغيرة من لون فاتح, فإن الأول يغلب الثاني. إن عملية الصهر، هي عملية بطيئة وخفية وطويلة الأمد، لانتلمس نتائجها خلال سنة أو سنتين, فقد انقرضت عشرات الشعوب عبر التاريخ القديم, وفي التاريخ الحديث، هناك عشرات الشعوب التي تحتضر وهناك شعوب (كالهنود الحمر في أمريكا والساميين في اسكندنافيا)، يحافظ عليها كتحف نادرة. لقد كان الإتحاد السوفييتي السابق، بوتقة نموذجية للصهر البطيء للأقليات القومية. ففي بداية الثمانينات كان عدد سكان كازاخستان يبلغ 15350000 نسمة, وكان عدد الكازاخيين 5300000 نسمة فقط, في هذه الحال، استطاع الأخوة الكبار الروس خلال فترة حكمهم الإتحادي الذي دام ستين عاماً، أن يشكلوا نصف عدد سكان كازاخستان. وكان عدد سكان لاتفيا في عام 1940 يقارب مليوني نسمة, أما في عام 1981 (بعد مضي 37 عاماً على احتلالها) بلغ عدد سكان هذه الجمهورية 2000539نسمة، وكان عدد اللاتفيين منهم 1000344 نسمة فقط، مما يعني أنه خلال 40 عاماً لم يتوقف الأمر عند حد عدم ازدياد عدد سكان لاتفيا فحسب، بل كان اللاتفيون على وشك أن يصبحوا أقلية في جمهوريتهم, ولولا ظهور بروسترويكا غورباتشوف، لما بقي لهم أثر حتى، وإن كان لهم مئة جمهورية. ولم تكن الجمهوريات الإتحادية الأخرى أفضل  حالاً من كازاخستان ولاتفيا. ففي مدينة باكو عاصمة آذربيجان كان الآذريون أقلية, وفي بلاروسيا وأوكراينا, باستثناء القرى النائية، لم يكن  أحد يتحدث بلغته مادام هناك روسي واحد. لقد انصهرت عشرات الشعوب الصغيرة التي منحت حكماً ذاتياً اسمياً, وهناك  شعوب أخرى تحتضر.

في عام 1930 م حصل شعبا سيبيريا الأصليان (هانتي ومانسي) على الحكم الذاتي, وفي إحصاء 1969 م أي بعد مضي حوالي 40 عاماً، بلغ عدد سكانهما 3% من إجمالي عدد الاسكان في منطقة الحكم الذاتي.

فإذا كانت هذه هي حال شعوب (دولة العمال والفلاحين)، فكيف ستكون حال الشعب الكردي المضطهد والممزق، ومحتلوه أكثر تخلفاً من ستالين وبيريه وجدانوفيتش!؟ لم تبق وسيلة من وسائل الصهر القومي لم تمارس ضدهم، كالابادة الجماعية وهدم القرى والاحتلال العسكري المباشر والتهجير وعدم الاقرار بهويتهم القومية... الخ، غير أن أكثر الوسائل تاثيراً، والتي أجمع محتلو بلادنا على التشبث بها،هي مصادرة اللغة الكردية، فالبعض منهم ينكر وجودها صراحة (تركية وسورية)، والبعض يعتبرها غير صالحة للعلم والكتابة والاعلام (ايران)، والبعض الآخر يعترف بها لغة مستقلة، ولكنه يقيد حركتها ويضع العراقيل أمام تطورها، ويحول دون تحولها إلى لغة نموذجية معترف بها رسمياً (العراق) 6. إن اللغة كائن حي، وهي كجدول ماء، إذا لم تتم ازالة العراقيل أمام جريانه، ولم يتغذ بمياه جديدة، فإنه يتحول بمرور الأيام إلى مستنقع آسن. فلغة لا تدرس في المدارس ولا تتنفس في أجهزة الإعلام القومية، ولا يكتب بها في الدوائر والمؤسسات الرسمية، فأي مستقبل يرتجى لها؟ واللغة الكردية محاصرة بلغات مسيطرة تشدد الخناق عليها يوماً بعد يوم. في بعض مناطق الجنوب الوضع أفضل نسبياً، ولكن لو أمعنا النظر فيه، لأدركنا إلى أي مدى شوهت سياسة التعريب الشخصية الثقافية الكردية، فبعد انتهاء حرب الخليج وقيام انتفاضة جماهير كردستان وازالة مؤسسات البعث، كان من المفروض أن تقوم السلطات بتكريد الحياة الثقافية ومحو ثقافة المحتل المفروضة، وكان من المفروض وبأسرع وقت ممكن أن نجعل الطفل الكردي يتجه إلى المدرسة صباحاً وهو يتأبط كتبه المؤلفة بلغته الأم، ليدرس آداب وجغرافية وتاريخ وطنه. وكان من المفروض أيضاً تكريد الصحف والمجلات والاذاعات والأقنية التلفزيونية والمراسلات بين الدوائر الرسمية وغيرها. وكان من المفروض كذلك وبأسرع وقت ممكن أن يتم تأسيس الأكاديمية العلمية وتوفير جميع الامكانيات اللازمة لوضع معجم معتمد وموسوعة كردستانية. وبما أن هذا لم يتم، أو أن ما تم لم يكن بالمستوى المطلوب، يكفي القول أن المادة الوحيدة التي لم تدرج ضمن امتحان الثانوية العامة حتى السنة الفائتة هي مادة اللغة الكردية. وحتى الآن فإن قسماً لايستهان به من برامج الإذاعة والتلفزيون وخاصة المواد الترفيهية منها تبث باللغات العربية والتركية والفارسية (هذا إن لم تكن اللغة الهندية قد أضيفت إليها، فبعد تسع سنوات من الحياة بعيداً عن سلطة البعث, لاتزال اللغة العربية تحافظ على مكانتها كلغة رسمية أولى. والناس عامة والمثقفون خاصة غارقون حتى النخاع في اللغة العربية ويفكرون بالعربية, والموسيقى العربية والفارسية والتركية تصدح ليل نهار في كل البيوت والأندية والملاهي والمقاهي وسيارات (التاكسي).

إن وسائل الإعلام تلعب دوراً بارزاً في تكريد وانضاج الذوق الفني لدى جماهير الشعب، وخاصة البسطاء والأميين، وان هذه الوسائل تؤثر إلى حد كبير على العلاقة بين المجتمع واللغة الأم، وان الإعلام مسؤول عن مدى احترام الأمة للغتها الأم. لكن شعباً كل طموحه هو ان تصبح لغته ذات يوم لغة دولة وحكومة، شعباً لم يرفع ذات يوم راية ترمز إلى وطنه، شعباً يطلق في إعلامه عشرات المرات يومياً تسمية (إقليم كردستان العراق)، على وطنه المحمي والمحرر جزئياً بمناسبة وغير مناسبة... كيف سينظر هذا الشعب إلى خصوصياته؟ عجباً يالغباء (الباسك)، الذين لايسمون وطنهم (إقليم باسك أسبانيا). ويالبلاهة ألبان كوسوفو وحمقهم  لمَ لايحذون حذوهم ويدعون وطنهم (إقليم كوسوفو يوغسلافية)، والاسكوتلنديون ماأغباهم،  لم لا يدعون وطنهم (إقليم اسكوتلندة بريطانية العظمى)، والأبخازيون كم هم بلهاء وعنيدون، لم لايدعون وطنهم (إقليم أبخازيا جورجيا)،أستطيع أن أعد العشرات من الشعوب الاخرى ـ الغبية، الحمقاء، البلهاء ـ التي لا تتعلم السياسة والحكمة منا. لاأعتقد أن هناك كردياً واحداً، لا يسعد بمشاهدة الفضائيات الكردية. والحق يقال أن هذه الفضائيات قدمت خدمات جليلة للأكراد وعمرت بيوتهم، فهي جميلة وتسير باتجاه التطور، ومن هنا فإن كل نقد يوجه إليها فهو بقصد تطويرها ليس إلا. أحياناً اتابع البرامج العربية في هذه الأقنية، فأتذكر رغماً عني قصة ذاك الشرطي: يحكى أنه كان هناك شرطي لم يحصل على اجازة خلال فترة طويلة من  خدمته، وقد حدث أن منح اجا زة في سن متأخرة، فما كان منه ألا أن يواظب على المجيء كل يوم مع طلوع الفجر ليتسمرَّ أمام باب المخفر.

لست أدري لماذا أشبه حالتنا بقصة ذاك الشرطي أحياناً؟ الآن، وقد حصلنا على إجازة من خدمتنا, فلماذا علينا أن نذهب طوعاً إلى باب المخفر؟ قد يكون من المفيد إذاعة أخبار كردستان بلغة أجنبية في بداية البرامج أو في نهايتها, أقول الأخبار فقط وليست البرامج الفنية.

تُرى، هل يمكن أن يهدي الله المشاهد العربي, وهو الذي يملك عشرات الأقنية الفضائية والأرضية, ليستمع في ساعة متأخرة من الليل إلى أغنية عراقية تبث من فضائية كردية؟ أو أن يشاهد برنامجاً خاصاً حول العلاقات التركية مع الدول العربية؟ أو برنامجاً خاصاً حول مشاكل بحر قزوين؟ وكم قصة كردية على المشاهد العربي أن يقرأها حتى يستمع, من بين كل القنوات الفضائية العربية إلى حوار بين كرديين باللغة العربية حول مشكلات القصة الكردية؟ لاشك أنه ما من أحد يستطيع من حيث المبدأ أن يعترض على بث البرامج الفنية أيضاً بلغات الشعوب المجاورة، ولكن شريطة أن يكون لدينا عشرات الأقنية التي تبث برامجها ليل نهار.

غير أن مايجري الآن ليس إلا تعبيراً عن عقدة نقص فينا، وهدر لقسم من ساعات البث القليلة المتاحة لنا، والتي بالكاد تكفي للحفاظ على لغة الآباء والأجداد.

والواقع أنه يمكن أن نتلمس بوضوح نتائج التعريب الطويل الأمد في جنوب كردستان، من خلال اللغة الغريبة العجيبة التي يتكلمها الناس عامة, وبعض المثقفين، والتي يصعب فهمها أحياناً على من لايجيد اللغة العربية إجادة تامة. إن قناةً تلفزيونية يشاهدها الملايين، ينبغي أن تتعامل بحذر كبير مع مسألة اللغة.

فلغة وسائل الإعلام، ينبغي أن تختلف عن اللغة المستخدمة في المقاهي والمطاعم, وعلى العاملين في وسائل الإعلام ولاسيما التلفزيون أن يحافظوا على معايير اللغة النموذجية. إن وجود الخبرة والإختصاص لدى شخص ما في مجال الفن، أو العلم، لايكفيان لإجراء مقابلة تلفزيونية معه. إذ يجب عليه على الأقل أن يكون ملماً إلى حد ما باللغة شبه الموحدة المستخدمة في الكتابة حالياً.

أنا شخصياً لست من أنصار اللغة النقية, ولا أعتقد أن ثمة لغة نقية في العالم. وكما يقول المثل الكردي: (بالملح يستطاب الطعام، ولكن ضمن الأصول). أقول وأنا على قناعة تامة: هي إحدى أغنى لغات العالم في التعبير عن الحاجات والمتطلبات اليومية. وأن كل كلمة دخيلة على لغتنا, ألبسها آباؤنا وأجدادنا لباساً كردياً كاملاً، وزينوها بزينة كردية حتى بدت غريبة على أصحابها, وإن آباءنا وأجدادنا لم يستخدموا كلمة أجنبية وفق قواعد وصوتيات لغتها الأصلية، وإنما صاغوها في قالب محلي خاص. أما الآن  فالأمر مختلف تماماً، إذ تستخدم الكلمة الأجنبية كما هي في لغتها.

لاأدري لماذا يتم اختيار فتاة لا تجيد التحدث بعبارتين سليمتين, من أجل برنامج تلفزيوني في جامعة لها مكانتها المرموقة؟ وليس ذلك من أجل موضوع علمي أو فلسفي، وإنما من أجل موضوع بسيط كـ (الصداقة) أما كان يجب اختبار مستواها اللغوي قبل إجراء اللقاء معها؟ أيعقل ألا يكون في اللغة الكردية بديل لكلمة (صديق) العربية؟ ألم يكن بإمكانها أن تقول: (هفال, يار, هاورى, دوست, برادر, آشنا, هاوده م,...الخ) أم أنها ماكان ليطمئن قلبها لو لم تقلها بالعربية؟ ألم يكن في اللغة الكردية بديل لكلمة (زواج) العربية؟ بأي وجه حق تقحم كل هذه الكلمات والتعابير العربية في بضع جمل ( ئه كه ر صه دا قه ت نه بت حه يات نا بت), ( ئه مه ره ئيي منه), (صه دا قه ت ئه عه ز شته), (عادات و ته قاليد), (ئيحتيفاز, ره وا بط, ئه فكار, زه واج, ئينسان, زرووف, ته حه كوم, ته ئسيراتي سه لبي,..... الخ)11 .

أما المثقفون فليست لغتهم أفضل بكثير, ففي مساء يوم 29/5/2000 م أجرت قناة كردستان tv الغراء لقاء مع أحد الأخوة الكتاب حول انسحاب اسرائيل من لبنان. وأعتقد أن من لايجيد اللغة العربية لا يستطيع فهم ما قاله:

(حق, انسحاب, احتلال, محتل, مؤهل, قناعة, قوات, قوة, مقاومة, هجوم, قوانيني دولي, عجبا, جندي, استعمار, جنوب, قضية, مزاحم, اهتماماتي دولي, موزعه, خلافات, حركاتي كردي,مزية, ثقلي اهتماماتي دولي, حالاتي احتلال, حل بطريقه يك, عاملي خارجي, كتلة, استفاده, حلي نهائي, أساسي حق تقرير المصير, وضعي مهيأ,حمايتي كردستان, مركزي قرار,....الخ).

فإذا كانت هذه لغة كاتب ظهر على شاشة التلفزيون، وليس في أحد المقاهي, فكيف تكون لغة الناس العاديين؟ أولا يحق لهم أن يقولوا لأطفالهم: (برونه غورفه ي نه وم) [أي: اذهبوا إلى غرفة النوم] . أو (ئه لعا به كان مه به نه غورفه ي ئيستقبال) [ أي: لاتأخذوا ألعابكم إلى غرفة الإستقبال]  أو (قه ميسه كه ت له سه ر غه ساله دانى) [ضع قميصك على الغسالة]، وإذا كانت هذه هي حال الجزء المحرر نسبياً من وطننا, والذي ــ إلى حد ما ــ تدرس فيه اللغة الكردية منذ عشرة أعوام, فكيف تكون حال الأجزاء الأخرى التي لاتوجد فيها مدارس كردية؟.