Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ريبورتاج



فوتوغراف: وليد هرمز

كتابة النص: محمد عفيف الحسيني

الحريرُ الغائبُ

(البرونز)

الجزء الأول

 

 

1                           

البرونزُ المعدنُ الخليطُ من الخارصين والنحاس والأخضر والمكاشفة ومقاومة الزمن.

أعني برونز الحياة.

برونزُ الحروب العادلة والشعر العادل. وليس برونز الجحيم. برونز الشجن في مغيب عامودا والبصرة، وغوتنبورغ.

ثمت محاربون خليطو الذهب والمهاميز والصعود إلى مزيج هذين المعدنين: مزيجٌ معتدلٌ من البقاء.

لماذا البصرة إذن، أيها السمير؟

لماذا عامودا؟

لماذا غوتنبورغ؟

وليد هرمز من بصرة السيّاب، لكنه ينتمي إلى أرضٍ كرديةٍ كانتْ في الدمِ الجارِ، عندما نزح منها الأبُ الكلدانيُّ الشغوفُ من قرية "أرادِنْ" بالقرب من العمادية، ليكونَ عاملَ سفنٍ تعوم في برونز من ماء. سليل النزوح البعيد، البعيد، حتى لايتذكر متى؛ من هكّاري في كردستان تركيا.

محمد عفيف الحسيني من دياربكر، لكنه ينتمي إلى أرضٍ كردية: هي عامودا بلسان أورْكِيشْ الُلغز على كري موزا؛ أسلاف آخرون من برونز مستقر في علوم الحيلة الجيران.

غوتنبورغ، سليلة المهندسين الهولنديين قبل أكثر من خمسمئة سنة.

هي مدينة البرونز، تائهة في السجل الكثافة للمنفيين من أمثالي وصديقي الهرمزيّ الكلدانيّ ـ مصور البرونز ـ خليط الخارصين والنحاس والهدوء وخيال الله على الخيط الأخضر الرفيع الذي يسيل من أجساد الحياة، وليس من الطواغيت وحديدهم.

هكّاري الهرمزيّ، آمَدْ (دياربكر) "بافي كال"، أجداد جيران قديمون، أشباح يطوفون على معدن الخسران.

غوتنبورغ: ثمت ماجمعنا نحن ـ سليلي أولئك الحزانى ـ، لنكونَ جيرانيْن مجدداً، بعيداً عن أرضنا الأولى المشتركة؛

بعيدة جداً هي غوتنبورغ هذا البرونز‍‍ الفضّاح.

نديم الحرير وسهو الحرير: الحرير الناضج من عامودا إلى غوتنبورغ، الحرير النائم في أعناق البصراويات.


2

كانتِ القوافلُ السويدية البحرية تهاجر إلى أمريكا بكثافة الفقر والهجران بداية القرن العشرين، في حين كان النحاتون يستعيدون مجد الزمن البرونزي في قوالبهم النارية، يخمّنون مقاسات الأجساد الرشيقة: الإله بوزيدون، محاربون بخناجرهم القاتلة، ملوك غارقون في دمائهم، كارين بوي الشاعرة المَثَلية المنتحرة، مخترعون لمراوح دافعة السفن (ستستُخدم لاحقاً في الحرب الأهلية الأمريكية)، أثرياء يبنون مدنهم، ويهتمون بالثقافة، عاريتان تداعبان جسديهما البرونزيتين في الخُضرة، والنصب الدائري الكبير النادر بتمثيل القارات الخمس، النصب الذي جلسنا على حافة مائه ـ الهرمزي وأنا ـ ليلتقطَ لنا عابرُ سبيل سويدي الصورة (أهو عابر السبيل، أم نحن المنفييْن الضجرين من زعيق النوارس أعلى النصب البرونز الحجر الحرير)؟.

الخارصين معدن القوة، النحاس معدن الشدائد.

في امتزاجهما، كما يقول المازجون العابسون الرهيفون، يُستخرج النصبُ: من عامودا الحريقِ، إلى السيابِ الشاعر، إلى البطريرك اسكندفانيا.

من هو هذا البطريرك؟

شجنه شجننا، ولوعتنا لوعته.

3

في عام 1960 احترقتْ سينما عامودا، (سينما شهرزاد)، ومات فيها إثنان من أولاد عمومتي: سلام وعبدالصمد، ربما في تخمين اسميهما، الأول له قبر قدسيٌّ (الكُوزِكْ) عليه مِزَقٌ خضراءُ كثيرة، وكف من القصدير، بأصابعَ مفتوحة تحطّ عليها أحياناً طيور غريبة، والثاني بقبر أنيقٍ رخاميٍّ تحت أشجار سرو الموتى.

احترقتِ السينما، وهي تعرض فيلماً، ليذهبَ ريعُ العروض إلى الثورة الجزائرية ـ هذه الثورة نفسها ستخذل الجنرال الملا مصطفى البرزاني بمعية كيسنجر وشاه إيران وطاغية بغداد في سبعينيات القرن المنصرم ـ من طلبة المدارس الابتدائية آنذاك؛ ليس من تقديرٍ دقيقٍ عن عدد القتلى الأطفال، ربما في التقدير المعتدل بحدود مئتين وخمسين تلميذاً. وبعد الحريق، كان ثمت حريقٌ آخر أشد مضاضة من الأول، هو حريق السيد المخابراتي محمد طلب هلال، الرجل الأكثر شراسة في الحرائق: فقد محا بقلمه الخشن حياة مئة وخمسين ألفاً كردياً سمّاهم أجانبَ ومكتومي القيد، سمّاهم، فجاء غيره وسجّلَ التسمية إلى هذا اليوم؛ توالد هؤلاء بالطبع، وتوالدتْ حيواتهم وأسماء جيرانهم، ورعفة الآباء الأولين إلى حريقين كبيرين: سينما عامودا، ثم النصب الذي أعده وصبّه، وألجم نيرانه: النحات محمد جلال؛ متى وُضع هذا النصب البرونز أمام شاشة السينما المهتوكة؟ لاأعرف. لكن أعرف أن الحريق هو أزلي، ليس من النصب، بل من الأشجار التي نُصبت في عجالة المحنة، ثم سُمقت في عجالة المحنة:

"لن يكلمكَ أحد،

ولن تتباهى بقامتكَ.

دائماً ستجلس تحت المطر،

وفوق عام 1960.

ذاهلاً ستتمدد على حديقة مجهولة،

كمريض.

سيغمركَ الورقُ،

وتلويحة الموتى.

وعندما تبكي بمفردك، في عام 1960

مَنْ سيجفف دموعكَ؟

من سيداري حرائقكَ،

التي لازالت تفوح منكَ

منذ عام 1960"؟.

السيّاب، أيضاً شاعر احترق؛ تقول الروايات العاطفية عن حياته، أنه لم يعشْ حباً أبداً، كان ضئيلَ الجسد، ونزقاً بالتأكيد، وهو يدون شعرياً أنّ كل اللواتي أحبهنَّ، هجرْنَه:

"وما من عادتي نكرانُ ماضيَّ الذي كانا،

ولكن.. كلُّ من أحببتُ قبلكِ ما أحبوني

ولا عطفوا عليَّ؛ عشقتُ سبعاً كنّ أحياناً

ترف شعورهن عليَّ، تحملني إلى الصينِ

سفائنُ مو عطور نهودهنَّ، أغوص في بحرٍ من الأوهام والوجد

فالتقط المحار أظنُّ فيه الدرَّ، ثم تظلني وحدي

جدائلُ نخلةٍ فرعاء

فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة

وإذ تدمى يداي وتُنزع الأظفار عنها، لا ينزّ هناك غيرُ الماء

وغير الطين من صَدَفِ المحار، فتقطر البسمه

على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثق،

لأن جميع من أحببتُ قبلك ما أحبوني".

انتسب إلى الحزب الشيوعي، لكن، سرعان ما هجر الحزب، الشاعر أكبر من ذلك، كتب قصيدة عن نوروز ـ لم أفلح في الحصول عليها ـ عاش حياة تشبه في أمراضها وقلقها البرونز: المزيج المتهتك من الخيال والنداء، وأنواء السفن التي كانت تأتي إلى ميناء البصرة، فيكون والد الهرمزي ـ صديقي ـ أحد الذين يعالجون الخلل في بواطن هذه السفن وظواهرها، قبل أن تمخر مجدداً، ربما نحو أمريكا هذه المرة، وهي تحمل المهاجرين السويدين الفقراء.

السيابُ شاعر المحنة، وتمثاله محنة بعيدة.

 توفي السياب عام 1964، والنصب الذي أعده فنان لم أتحصّل إلى معرفة إسمه، تمثاله برونزه، هو برونز شاعر المحنة في حروب صدام بطبعتها الهمجية.

نصبُ أم البحارة السويديين، يرتفع على مايشبه منارة، تجادلنا كثيراً في الوصول إلى الهواء الذي يضرب فستانها الأخضر البرونزي، على البحر، بارتفاع ربما خمسين متراُ؛ أم البحارة، وهي تنتظر عودة أبنائها منذ قرن كامل، تشعر بالبرد والشوق، ويغمرها ضبابُ غوتنبورغ في المساء، وهي تودّع لراحلين البعيدين، الذين لن يعود أحد منهم أبداً.

هل سنعود ـ الهرمزي وأنا ـ إلى أمنا!.

4

نيسان أقسى الشهور، يقول ت. إس. إليوت.

إسم أب أيضاً.

عفيف الشيخ، منذ نصف قرن لم يغادر بيته.

إسم أب أيضاً.

غوتنبورغ، إسم من قلعة مسكوبة في قوالب الشجن، وفي قوالب شركة فولفو، وغوتنبورغ أيضا بموسقييها المرتجلين على نفخ الأكورديون والفلوت والساحات الحَمَام؛ الساحات التي يرمي الخريفُ بأقداره الصفراء على قميصينا: قميصُ الهرمزيّ من أخيه القس، وقميصي من أمي الصغيرة.

غوتنبورغ، إسمٌ أبٌ وأمٌ لعابريْ السبيل ـ أمثالنا ـ.

السهو، هو اختزال للغياب.

سهوٌ من عظام يطحنه الشوقُ إلى مرابض الخيول، وهي تصهل في غوتنبورغ، تنادي أمراءها الغافيين في البحار.

تتلاطم أمواجُ الرحيل على أجساد السويديين الفتية الشقية:

ـ بنيَّ أعدْ لي أمومتي، أعد البرونزَ الحرونَ.

أسمع أم البحّارة الآن، أسمع أمي الآن. أسمع أم الهرمزي الآن.

5

في حارة "مايورنا"/ هي جزء من البحر الخفيض/ القنال، ثمت تمثال أم البحارة، يرتفع كثيراً وكسيراً؛ تمثال من البرونز، على قاعدة من القرميد المشوي.

من خَلل مصعدٍ كئيبٍ، بنقود معلومة، نصعد إليه أنا والهرمزي ـ الخائفيْن ـ تخفق الكاميرا ـ تصور المكان الأليم: من هذا الماء غادر مليون سويدي.

كم استغرقتْ تلك الرحلة؟

تيتانك

يا تيتانك.

6

ماء كئيب. ماء برونز. ماء فضة. ماء رصاص. ماء الرغبة أيها المنفي الجميل.

برونز غوتنبورغ من هو الصانع؟

برونز سينما عامودا؟

برونز السياب في البصرة؟

7

في الصيف، يمر الزهر الكثير بين يديّ كارين بوي.

في الشتاء، تتراكم الثلوجُ على أصابعها الرجفة المقرورة.

ليس من فصل آخر في السويد، غير هذين الفصلين. وكارين بوي بشعرها المقصوص القصير، وتنورتها الطويلة القاسية ـ في تمثالها. كنتُ أتمنى أن تكونَ الشاعرة البرونزية المنتحرة أختي الثالثة، أو الخامسة، في تذكّر اثنتين متوفيتين من شلل الأطفال.

8

كنا نريد أنا والهرمزي، أن ندونَ الكثيرَ الذي فاتنا تصويراً، بسبب من جهلنا بمعرفة أماكن الأنصاب التي تركد مطمئنةً إلى أرضها المُسالمة، دون حروب ودون بلاغة الهجران مجدداً، ولمَ سيهاجرون؟، وقد جعلوا ـ الأبناء وأحفاد أولئك الفقراء ـ بلدهم يشع علماً وتسامحاً وطمأنينة. مقارنة ببلداننا ـ نحن عابري السبيل ـ ذلك اليوم، جلسنا على حافة تماثيل القارات، حافة الماء الصيفي، وطلبنا من ذلك السويدي العابر، أن يخشخشَ بكاميرا وليد هرمز، صورةً كئيبةً لنا:

 صورة تشبهنا وكأننا تمثالين من الخارصين والنحاس المنفي.

 

* مشروع كتاب مشترك ( باللغتين العربية والسويدية)، في تدوين ثلاثة أمكنة: عامودا، البصرة، غوتنبورغ.
* الجزء الثاني: المقابر.


وليد هرمز  /   محمد عفيف الحسيني  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 



 

 

 

 

 

 



 

 

 



 

 

 

 

 

 



 

 

 



 

 

 



 

 

 

 



 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 







 



 

 

 

 

 


 

 

 

 

خاص بـ تيريز. كوم 
01/10/2003 

 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002