Bi xêr hatin malpera Tîrêj...اandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


الكلاسيك الكردي


 

 

محمد أمين زكي

كيف ألّفتُ كتابي هذا؟

 

لّما زالتْ كلمةُ "العثماني" العامة من الوجود في تركيا، وحلتْ محلها كلمتا التركي والطوراني. شعرتُ أنا أيضاً بطبيعة الحال ـ كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية ـ شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة عن الترك. فحملني ذلك على إظهار الشعور القومي الفيّاض والاحساس بالعاطفة الوطنية القوية.

بَيْدَ أني لم أكن أعرف شيئاً عن منشأ القوم الذين أنتسب إليهم، إذ لم يكن قد عرضت لي قط، فكرةُ البحث والتنقيب عن التاريخ القومي الكردي لغاية ذلك العهد، لا في أثناء دراستي، ولا فيما بعد ذلك. وماذلك إلاّ لأن كلمة "العثماني" الشاملة لجميع العناصر والشعوب الخاضعة للدولة العثمانية، كانت قد خدّرتْ نوعاً ما، أعصابَ كل واحد منا نحن أبناء القوميات الأخرى. فكنتُ أسأل نفسي الحين بعد الحين:

إلى أية سلالة، ياترى، ينتمي الشعب الكردي؟ وما مآثره وتاريخه؟ ولكني ما كنتُ أستطيع الجواب عن هذا السؤال جواباً أطمئن إليه.

فاضطررتُ لأن ألقيه على عدة من رؤساء الكرد وعلمائهم. ولا سيما أن إثنين منهم كانا من أساتذة التاريخ، فأوصل أحدهما أصل الكرد ومنشأهم ـ برواية مضطربة وسند ضعيف ـ إلى "كرد بن عمرو القحطاني"، وجعل الآخر أصل الكرد منحدراً من سلالة جني من الجان يُدعى (جاساد).

لقد تألمتُ حقاً لسخف هذين الجوابين، فآليتُ على نفسي بأن أقومَ بتحقيق هذه المسألة العويصة، فأحل هذا اللغز التاريخي بنفسي. وكنتُ وقتئذ في الاستانة، فكانت هذه فرصة حسنة للبدء في العمل. فبادرتُ إلى تخصيص أوقات فراغي من الأعمال الرسمية، للقيام بدراسة هذا الموضوع الخطير.

وشرعتُ ابتداء من سنة (1328 هـ) في العمل، بادئاً بزيارة دُور الكتب العامة بالاستانة. وبالرغم من ضيق هذا الوقت الذي خصصته للتنقيب والبحث والمطالعة في تلك الدور، نظراً لاشتغالي أكثر من ستة شهور من كل سنة في لجنة الحدود في خارج الاستانة، فقد أفدتُ من مجهودي هذا افادة تُذكر. اذ اطلعتُ لآخر (1330هـ) على بضع مئات من المؤلفات المختلفة والمصادر التاريخية العديدة. واقتبستُ منها نصوصاً وآراء قيمة، دونتُ بها مذكرات كثيرة. ثم ساقني القدرُ بمهمة رسمية إلى أوربا سنة (1331هـ). زرتُ خلالها كثيراً من المكاتب وخزائن الكتب، ودور الآثار والمحفوظات في (ألمانيا) و(فرنسة) فوقفتُ على جانب عظيم من المؤلفات النادرة، وجمعتُ شيئاً كثيراً من المعلومات، عن الكرد وكردستان في مذكرات قيمة، فضلاً عن شرائي لبضع عشرات من مؤلفات وكتابات المستشرقين والعلماء الاخصائيين عن الكرد وبلادهم.

هذا ولم يمض على أوبتي من أوربا مدة كبيرة، حتى قامتِ الحربُ العظمى على قدم وساق، وشغلتني عن مواصلة هذه الدراسات التاريخية والتحقيقات العلمية. ولما وضعت الحرب العامة أوزارها، شخصتُ الى الاستانة واستأنفتُ أعمال البحث والتنقيب في جميع مظانّها، ولاسيما في الكتب التي صدرت في الموضوع بعد الحرب العظمى. ثم نظّمتُ جميع مذكراتي ونُقولي التي جمعتها من هنا وهناك وشرعتُ في التحرير والتأليف، حتى أنجزتُ منه نحو مائتي صفحة.

ولم يمضِ زمنٌ كبيرٌ على هذا، إلا وقد حاقتْ بي مصيبةٌ عظمى في عيد الأضحى (1337 هـ/ 1919م). إذ حدث حريقٌ كبيرٌ في الحي الذي أقيم به، فاحترق منزلي الذي أسكنه في غيبتي. ولما رجعتُ اليه وجدتُ النارَ قد التهمت ما أعددته وما ألفته في الموضوع، حتى لم تُبقِ لي شيئاً عن نتيجة أبحاثي وما أعددته لها من الأدوات والوسائل، خلال ست سنوات متوالية.

حقاً أن هذه الكارثة الفجائية قضتْ على آمالي وأوقعتني في بحر لجى من الألم واليأس. إذ جعلتني أنصرف مرغماً عن العمل لتحقيق أمنيتي تلك، مرة أخرى، وبعد أن مضتْ عشر سنوات على ذلك، وقع نظري ذات يوم من أيام سنة (1929م) على "دائرة المعارف الاسلامية" في مكتبة مجلس النواب بـ "بغداد". فاستعرته للمطالعة والفحص فوجدته مؤلفاً قيماً حديثاً، شرعتْ في وضعه منذ سنة (1905) لجنةٌ علميةٌ مكونةٌ من أخصائيين عالميين، ولم تكمله بعد. وقد لفت نظري في المجلد الثاني منه (بالأخص) البحث المستفيض القيم الذي دبّجه يراع المستشرق الشهير العلاّمة (ولادمير مينورسكي) عن الكرد وكردستان. فعكفتُ على مطالعة هذا البحث مراراً، وأعدتُ مطالعته مثنى وثلاث، بكل شوق وامعان. فذكرتني هذه المطالعة بأمنيتي السابقة، وبعثتْ فيَّ الشوق والحنين إلى استئناف العمل على تحقيقها. فقررتُ حالاً المبادرة إلى وضع ـ (خلاصة تاريخية للكرد وكردستان من أقدم العصور حتى الآن) ـ. وذلك على ضوء هذا البحث القيم وعلى أساسه ومنواله. وتنفيذاً لتلك الرغبة ترجمتُ قبل كل شيء جميع مايتعلق بالكرد وكردستان من المباحث المتفرقة في الكتاب المذكور، إلى اللغة الكردية. ثم أخذتُ أبذل الجهد الجهيد للحصول على جميع المصادر المندرجة في عقب كل بحث من الأبحاث الخاصة بموضوعنا في الكتاب المذكور، فعثرتُ على بعض منها، وعلى غيرها أيضاً من مصادر أخرى.

هذا وقد ساعدني بعض الأصدقاء مساعدة قيمة في البحث عن مصادر خاصة بموضوعي، كما أني استفدتُ فائدة كبيرة من ارشاد العلاّمة "السير سيدني سميث" مدير دار الآثار العراقية، ومن مساعداته العلمية القيمة. إذ أمدني جنابه بمؤلَّفه القيم، وبعدة مؤلفات ذات شأن لعلماء آخرين. ثم أردف كل ذلك بمقالة شائقة ضمنها خلاصة دراسته وأبحاثه عن كردستان. ولمّا أكملتُ دراستي لهذه الكتب والمصادر المندرجة أسماؤها في آخر المجلد الأول من كتابي هذا، شرعتُ في الجمع والتأليف، من أوائل سنة (1930م) حيث كانت الفرصة سانحة للعمل المستمر، لعدم تقلدي إذ ذاك منصباً من المناصب الحكومية. فاشتغلتُ مدة عام تقريباً في عمل متواصل وسعي دائم، حتى أنجزتُ خلاله هذا المجلد الأول ـ وهو يحتوي على (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) ـ وقسماً من المجلد الثاني من هذا الكتاب ـ ويحتوي على (تاريخ الدول الكردية) ـ. كما أني أتممتُ كتابي (تاريخ السليمانية) وقسماً من كتاب (مشاهير الكرد).

وقد رغب إلي بعض من الأصدقاء والخلاّن في أن أضعَ مؤلفاتي هذه أما باللغة العربية وأما باللغة التركية. ولم أفعل ولو فعلته لكان ذلك مني حقاً عملاً غير وجيه، إذ ليس من اللائق أن يضعَ مؤلِّفٌ كردي تاريخ الكرد وكردستان ـ الذي لم يؤلفه إلا للكرد أنفسهم ـ بلغة غير لغة قومه. وانه وان كان العلاّمة الشيخ (إدريس) البدليسي الكردي، سبق أن وضع تاريخه المسمى "هشت بهشت" عن الدولة العثمانية للسلطان بايزيد العثماني باللغة الفارسية، فلا ضير عليه في ذلك ولا تثريب. لأنه تاريخ غير قومي. ولكن الأمير (شرفخان) البدليسي الكردي لم يكن له أي عذر ـ على ما أرى ـ في وضعه كتابه المسمى (شرفنامه) عن الأكراد باللغة الفارسية، لأنه تاريخ قومي للأمة الكردية قبل أي قوم آخر. فلذا ألفّتُ كتابي هذا باللغة الكردية، متبعاً في ذلك قاعدتين أساسيتين في الرسم وقواعد الإملاء:

1ـ أني رسمتُ الكلمات الكردية كما ينطق بها. وأما الكلمات العربية والفارسية المستعملة في الكردية، فلم أقدم على تغيرها من حيث الرسم، لسببين: أولاًـ أنه ليس من حقي ذلك. وثانياًـ للتيسير على القراء.

2ـ وضعت حرف (ى) بدل الكسرة الاضافية. و(ه، هـ) بدل الفتحة مطلقاً. وحرف (و) بدل الضمة. ولم أشأ أن أضع حروفاً أخرى، بالرغم من أن هناك عدة مخارج مختلفة لحرفيْ اللام والراء في اللغة الكردية، لأن القرينة ومواضع الكلم تغني عن ذلك.

واني لا أدّعي أن هذا كتاب تاريخ للأمة الكردية، يخلو من النقص والقصور، بل أعتقد أن فيه نقصاً كبيراً. رغم أنه نتيجة البحث والدرس لمائتين وخمسين مجلداً من الكتب الانجليزية والفرنسية والألمانية والعربية والتركية والفارسية. ومازلتُ أرى أن هذا الموضوع بحاجة شديدة إلى البحث والدرس. لإزالة مابه من القصور واستكمال النقص. وكل ما يمكنني أن أقول فيه، هو أنه يصلح لأن يكون نواة لمباحث الشباب الكردي وسائر المثقفين من قـرّاء الكردية والمهتمين لها. فما على هؤلاء إذن، إلا أن يدرسوه وينقدوه بامعان ليكملوا نقصه ويوضحوا ماعسى أن يجدوا فيه من غموض.

لقد بذلتُ الجهد الكثير وسعيتُ سعياً حثيثاً، لإحياء موضوع التاريخ الكردي القديم، لدرجة أني أعدتُ البحث مراراً وتكراراً. واستأنفتُ العمل من جديد أربع مرات كاملة، حتى تسنى لي اصدار الكتاب على هذا الشكل. وأظن بعد ذلك، أني قد وفقت نوعاً لإحياء هذا الموضوع الخطير، بفضل الكتب النادرة والمكتشفات القيمة الحديثة. واذا كنتُ لم أوفق في ذلك كل التوفيق فليس الذنب ذنبي، بل أن ذلك يرجع غالباً إلى أن الوثائق الحاضرة لم تسعفني بأكثر من هذا. ومع ذلك فاني شديد الأمل في أن جهود علماء الآثار ومساعي هيئاتها الاخصائية، تؤدي في المستقبل القريب إلى اكتشاف آثار قيمة، تلقي الضوء على مباحث التاريخ القديم للكرد وكردستان.

هذا، وقد يلاحظ المرء بحق، أن ليس هناك بين الحوادث والشؤون، حتى في قسم الوقائع التاريخية، فيما يتعلق بالكرد وكردستان، أي تناسق ولا أي ارتباط. والسبب في ذلك عدم وجود أي بحث خاص بالشعب الكردي. نعم! ان كثيراً من المصادر الشرقية والغربية عالجتْ موضوع بعض الأقسام من تاريخ الكرد وكردستان، وتعرضت لأخبار وأحوال بعض عظماء الكرد استطراداً، لبعض المناسبات والظروف التاريخية. فلذا لاترى بين هذه الأخبار والوقائع أي انسجام ولا ارتباط، لأنها نتفٌ وشذرات غير متماسكة. اذ هي عبارة عن أخبار مبتورة وروايات ناقصة. مثال ذلك:

أنه ورد في تاريخ (الكامل) لابن الأثير، أن عظيماً من عظماء الكرد يدعى "جعفر" هزم مرتين جيش الخليفة العباسي "المعتصم" في جبال "داسن" ولكنه لم يذكر لنا شيئاً آخر عن أصل هذا العظيم الكردي، ونشأته ولا عمّا يتعلق به من الأحوال والظروف. وكذا ذكر المؤرخ الكردي "ابن مسكويه" في كتابه "تجارب الأمم" أن عظيماً كردياً يدعى "أحمد الضحاك" كان في الجيش المصري الذي يحارب الروم بسورية تحت قيادة (ابن الصمصامة). فانكسر المصريون أمام الروم، فما كان من ذلك الكردي الا أن اطلق العنان لجواده وحمل حملة صادقة على صفوف الأعداء، وتمكن من شقها والوصول إلى قائدها الأعلى، فقتله. وكان ذلك سبباً في فشل الروم وغَلَبة المصريون في سنة (381هـ). يقول هذا ثم لايذكر شيئاً عن أصل هذا البطل المغوار ونشأته ولا شيئاً مما آل إليه من أمره. وصفوة القول، أن المعلومات التاريخية عن الكرد في الكتب الشرقية والعربية غير قليلة إلا أنها ليست بمنظمة ولا مجموعة جمعاً وافياً، وقد أكون أنا الذي لم أوفق إلى العثور عليها بتلك الصفة. وأنه لايبعد أن يعثر الباحث المنقب ـ اذا ما وصل الليل بالنهار ، على مايزيل هذا النقص، ويوفي الموضوع حقه. ولاشك أن في هذا خدمة كبيرة يجب على الشبان اليوم القيام بها.

هذا واني، تيمناً بجمعية (يانه ي سَرْكَوْتِنْ) وتقديراً لعملها وتشجعياً لها، أهبها ماينتج من ريع هذه الطبعة الكردية لهذا الجزء من الكتاب، إذ يسرني جد السرور، أن تستفيد هذه الجمعية العلمية المنكودة الحظ من ذلك فائدة تذكر.

في 15 مارس، سنة (1931)

 

محمد أمين زكي: ولد في قصبة السليمانية (1880)، وتوفي في بغداد 1948

* من مقدمة كتاب "خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان". المجلد الأول.

 

 

خاص بـ تيريز. كوم 
24/09/2003 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002