تقارير ثقافية


 

 

 

صالح دياب
مهرجان لوديف

 

انه مهرجان الشعر والحب، لم أكتشف أن الشعر شعبي إلي هذا الحد إلا هنا في هذا المهرجان. قال لي الشاعر البرتغالي كاستو كروز. ربما يكون هذا الكلام صحيحا في مهرجان صوت المتوسط الذي يقام كل عام في بلدة لوديف في جنوب فرنسا، لكن قد لا يصح في أماكن أخري تقع بالقرب من البلدة نفسها. فعلي مدي ثماني سنوات استطاع المهرجان أن يشكل قطيعة مع سائر المقولات التي يتم تداولها في المدن الكبرى عن انحسار قراء الشعر ومستمعيه مقارنة مع الأجناس الأخرى وخصوصا الرواية. تلك المقولات التي غالبا ما يتم تداولها في المدن الكبرى وتنفيها المهرجانات التي تقام بعيدا عنها. ففي لوديف نكتشف أن الشعر ليس وقفا علي النخبة، فمهما يكن من الأمر فإن قراءة شاعر في زاوية أو في حديقة أو في شارع أو منعطف لا بد وأن يصنع شيئا ويعمل ردود فعل معينة من قبل المستمعين إليه. الشعر هذا الشيء الداخلي والأكثر سرية لدي كل منا في طبعته الثامنة، يبدو ان المهرجان يتقدم بثبات نحو الرؤى المرسومة له من قبل منظميه، وهي التعبير ولم شمل الأصوات والروائح المتوسطية عبر الشعر بعيدا عن الإشكالات والصراعات السياسية التي يغص بها حوض البحر الأبيض المتوسط أو ما تسميه ماييته فليس بليد صاحبة وراعية المهرجان بدواخل المتوسطيين . كأنما علي الشعر أن يغادر المدن، ويذهب إلي الريف والبلدات ليتنفس بحرية، وهذا ما ينسحب علي أغلب التظاهرات الفنية التي تقام خارج باريس، كالرقص والمسرح والغناء، لكن هذه المقولة أيضا ليست عامة فقد خرجت من المدن الكبرى أصوات شعرية كبيرة.
تقع بلدة لوديف حيث يقام المهرجان كل عام بين الهضاب الجبلية، علي بعد حوالي نصف ساعة من مونبلييه كبري مدن الجنوب الفرنسي. ويعود سكان البلدة إلى العهد الوسيط وينتمون إلي أصول متفرقة اسبانية وبرتغالية وعربية. اشتهرت البلدة بصناعة الألبسة للجيوش حتى عام 1960. وقد كان مجيء السيدة بليد وعملها في البلدة نقطة تحول كبري في تاريخها، عبر حملها وتحقيقها لفكرة إقامة مهرجان شعر ليضم كامل بلدان المتوسط هي التي تغطس في هدوء شامل، لا يعكره سوي مرور السائحين فيها، قاصدين المرتفعات الجبلية والهضاب المحيطة. خلال تسعة أيام من كل عام تدب الحياة بقوة في البلدة وتجري الدماء عنيفة في عروقها، وفي المناطق المجاورة تحتضن حوالي 90 شاعرا من كافة بلدان المتوسط شعراء يتوزعون علي مختلف المدارس الشعرية والأجيال أيضا.

يتوقف كل شيء في البلدة لصالح الشعر: الموظفون يأخذون إجازات أو يعملون مجانا في المهرجان، نساء ورجالا يشاركون في صناعة التظاهرة الفريدة التي أعد وعمل لها طاقم المهرجان طوال عام، الفنادق تكتظ بالنزلاء والمقاهي تمتلئ بالرواد، علي ضفتي النهر الصغير الذي يخترق البلدة تقام الاستراحات المؤقتة. حديقتا مبني البلدية وقسم الشرطة الجميلتان تتحولان أماكن لقراءة الشعر. أيضا الزوايا الصغيرة ومداخل البيوت وفناءاتها تدب الحياة فيها وتتحول من ممرات إلي أماكن أساسية مركزية تغادر الإهمال ونكتشف فيها سحر الفناءات والمداخل . النهر أيضا يفتح ذراعيه للمستمعين الذين يجلسون علي كراسيهم الموضوعة في الماء، وأرجلهم في المياه، بينما يقرأ عليهم الشعراء قصائدهم من علي الصخرة الكبيرة. باحة المتحف هي الأخرى تحتضن الشعراء كل مساء. الكاتدرائية وفناءاتها أيضا هي الأخرى تعبق في فضائها أصوات الشعراء. الأحياء القديمة والشوارع الضيقة تعود لتصحو من جديد. هذا شيء عظيم أن تنشغل مدينة كاملة.. رجالا ونساء وووو بالشعر. شيء حقا رائع، لم أجد له مثيلا في كل المهرجانات التي شاركت فيها قال لي الشاعر الأردني طاهر رياض. هذا صحيح فثمة ما يدهش ويبعث علي الإعجاب، ناحية الاحتفاء بالشعر والشعراء، فسكان لوديف والمناطق المجاورة خصوصا الذين يجيئون إلي لوديف أثناء المهرجان تعودوا علي احتضان الشعراء في بيوتهم، الشعراء الذين ينتمون إلي جنسيات مختلفة،
والحديث معهم، أثناء المهرجان فهم يلتقون بهم أثناء القراءات وفي بيوتهم وفي المطاعم والمقاهي وفي الشوارع أثناء تجوالهم ما يصنع فضاء من الألفة والمحبة ما بينهم، فلا يعود هناك شاعر كبير أو شاعر صغير. إنهم شعراء أثناء القراءة، ولدقائق إذا ما تم نقاش أو ردود فعل علي ما كان قد قرئ، أما بعد ذلك، فالشعراء مثلهم مثل الآخرين، كل وحسب شخصيته وتكوينه الثقافي وتربيته ووو. يمكن القول هنا إن الفضاء الذي يشكله المهرجان هو فضاء التواصل والعبور إلي الآخر شاعرا وإنسانا وثقافة وشخصا، فلا عجب أن تمحي الفوارق تماما ما بين المشاركين من الشعراء والفنانين، ويعبر الجميع فوق انتماءاتهم الشعرية والسياسية، هذا فيما بينهم، فقد كان حضور الشاعرين الإسرائيليين هذه السنة عاديا بين الشعراء العرب، إذ تكلم أغلبهم معهما، وناقشوهما سياسيا لا شعريا. فالشاعرة تال نيتزان كانت حاضرة في المهرجان بقوة عبر شخصيتها التي تصر علي أن تعطيها دائما معني لا يغادر المحبة والسلام، ونقد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، كانت تقول أنا أيضا لا أحب إسرائيل كما لا أحب المنطقة، ففيها يتم تصنيع وإنتاج كافة ا لمتطرفين والقدريين وأصحاب الرأي الواحد من مختلف الاتجاهات والأنواع والأصناف. ولكن ماذا أفعل ولدت في يافا وأعمل في تل أبيب. تال نظمت عدة تظاهرات شعرية سياسية من أجل السلام وأصدرت أنطولوجيا ضخمة ضمت 99 شاعرا كتبوا قصائد ضد الاحتلال الإسرائيلي في العشرين سنة الماضية. كما ترجمت كما كبيرا من الأعمال الأدبية خصوصا من اللغة الاسبانية كنيرودا وماركيز. كما فازت تال بعدد كبير من الجوائز عن ترجماتها وأشعارها في إسرائيل. الشاعر الإسرائيلي الآخر هو أوري برنشتاين المولود في تل أبيب، 1936، محام، وأستاذ جامعي، يدرس الشعر العبري في جامعة بن غوريون، ورئيس المركز الوطني للترجمة، أعماله الشعرية الكاملة مطبوعة، أسس مع ناتان زاخ المجلة الفصلية الأدبية يوشاني بين عامي 1961 ـ 1967. كما ترجم إلي العبرية إليوت، ماكليش. ..إلخ. الشاعر الفلسطيني باسم النبريص الذي يتكلم العبرية بطلاقة حادث أوري، الذي سرد له كيف كان ضابطا، وهو الذي اقتحم خان يونس، أما الآن فهو شاعر، بعد أن خلع بزة الجندي. أيضا لا عجب أن نجد سلاما ومصافحة تحدث بين شاعرين عربيين لم يكن بينهما من كلام سابقا بل قطيعة ترسخت خلال ثلاثين عاما، تخللتها مقالات عنيفة واتهامات قاسية. فقد تمت مصافحة بين أدونيس وبول شاوول للمرة الأولي منذ ثلاثين عاما، تبعتها دعوة من أدونيس لبول شاوول للسهر معا إذا أمكن بحسب شاوول، ومن ثم حضر بول شاوول الأمسية التي قرأ فيها أدونيس قصائده، حتى الأخير، وقوفا علي قدميه، بسبب الازدحام.
بدا شاوول مندمجا، بمحبة، ناسيا كل الماضي، مركزا علي شعر أدونيس، لا شخصه. بعدها تمت مناقشة بين شاوول وعدد من الشعراء العرب الشباب حول رأيهم فيما قرأه أدونيس، قال بول رأيه بصراحة فيما قرأ، أما الآخرون، فقد همهموا موافقين دون أن يتكلموا . هذه الأمسية تعتبر أكبر أمسية في المهرجان وقد تم تعليق إعلانات عنها قبل موعد المهرجان وملصقات تعلن عنها، إلا المطر الذي هطل مرة واحدة أثناء المهرجان، منع إقامتها في المدرج الذي أعد خصيصا للحفلات الفنية، وللقراءات الشعرية التي تجذب كما كبيرا من المستمعين، يقارب الألف شخص، ما أدي إلي أقامتها في قاعة الهال الكبيرة، وقد افتتح الشاعر أدونيس الذي يكاد يكون الشاعر العربي الوحيد الذي يحضر بقوة لدي القارئ الفرنسي، قائلا لقد خانتنا السماء، كذلك عودتنا، دائما. لم يشأ أدونيس أن يعلن، في الكتاب المرافق للمهرجان والذي يتضمن مواعيد وأمكنة الفعاليات الشعرية والفنية، عما يشير إلي بطاقته الشخصية، ولا مكان ولادته ولا انتماءه القطري وإنما اكتفي باسم أدونيس بناء علي طلبه، أدونيس الاسم الذي اختاره لنفسه والذي يختصر كل شيء، الشاعر الغريب، الذي عبر إلي الآفاق الإنسانية، خارجا من كامل الانتماءات الضيقة، إلي هذا البلد أو ذاك. إلا أن الكثيرين كانوا بعد الأمسية يسألونني من أي بلد أدونيس وكنت أجيبهم، انه في غاية الوداعة كطفل، اذهبوا واسألوه. سهر أدونيس معنا قليلا قرب النهر وعند خيمة نيكول، كان ظله الكبير يخيم علينا جميعا، كان أشبه بالصنم، بالمقدس الذي ينبغي عدم المس به، هو الذي جاهد في كل تجربته ضد الصنمية، والتقديس، ليست مشكلته هو بل مشكلة من يريدون أن ينظروا إليه بوصفه صنما، وهذا برأيي ضد جوهر تجربة أدونيس الشعرية. كان ينظر هادئا ويطرح بعض الأسئلة، من وقت إلي آخر. حضر سركون بولص وباسم النبريص ومحمد عفيف الحسيني ومحمد فؤاد وباسم العيلة ومحمد حمودان. ... اعتذر أدونيس عن المتابعة بسبب تعب السفر، فطلب مني سركون أن أرافقه إلي الفندق وأعود سريعا كي نكمل السهرة، كعادتنا كل مساء، عند نيكول. لكن عندما هم أدونيس، بالذهاب، أبدي فؤاد والحسيني، وآخرين كثر رغبة بمرافقته، ما أتذكره أنهم كانوا جمعا غفيرا، فبقيت مع سركون وحمودان.

يفتح أيضا المهرجان أفقا للعلاقة مع الجمهور مستمعا وصديقا لمدة تسعة أيام. حيث يتقابل الشعراء طيلة المهرجان في الأماكن نفسها سواء في شوارع البلدة وفي حدائقها، وفي مطاعمها، هذا الجمهور الذي يتميز بمقدرته الفذة علي التذوق والتقاط كل البوارق واللمعات الشعرية. إنه جمهور متذوق، إن لم نقل جمهور نوعي، فأغلب من التقيت بهم، إما كانوا من المهتمين بالشعر وإما بأصناف فنية أخري، وبالطبع ثمة من لا يكتب ولا يهتم بالشعر. حضر من تولوز أعضاء أتلييه الشعر في المدينة كذلك من مونبلييه ومرسيليا. كان عدد النساء غفيرا بكثرة ملحوظة، وليس مبالغة القول ان الشعر في لوديف مرفوع علي أكتاف النساء. ففي كل لقاء شعري كان يحضر أكثر من ثلاثين شخصا. حتى في اللقاءات الشعرية الصباحية، عند الساعة العاشرة فقد كان العدد نفسه أحيانا، فالكل في لوديف من أجل الاستماع إلى الشعراء المتوسطيين. وتبدو دورة هذه السنة من أكثر الدورات نجاحا برأيي خصوصا بالنسبة للفضاء الخاص الذي صاغه منظمو المهرجان والشعراء المدعوون ولا ننسي بالطبع جمهور لوديف والبلدات المجاورة، فضلا عن محبي الشعر الذين جاؤوا من مدن بعيدة وناموا تحت الخيام، طيلة فترة المهرجان، كي يستمعوا إلى الشعراء. وتلعب هنا الترجمة الدور الأكبر في الإيصال. فيما ينصت الجمهور بدقة ومتابعة ملحوظة إلي إيماءات الشاعر وأنفاسه التي تندمج مع الألفاظ، ويسأل أحيانا عن الترجمة، كما حصل مع الشاعر البحريني إبراهيم بوهندي إذ أصر الجمهور علي التدقيق بالترجمات، قائلا ثمة شعرية واضحة فيما قرئ وينبغي إبرازها في ترجمة أخري. أيضا التعليق علي الترجمة واعتبارها سيئة للغاية فلا يعقل أن تكون قصيدة هذا الشاعر أو ذاك سيئة إلي هذا الحد، الترجمة التي تلعب الدور الوحيد في إيصال التجارب الشعرية إلى المستمعين. وبناء عليه ليس من المستغرب أن يسعي كل شاعر إلى قراءة ترجمات معينة لمترجم معين عنده به ثقة أو عمل معه علي الترجمة.

حمل بعض الشعراء ترجماتهم معهم مثل محمد فؤاد، وطاهر رياض الذي حمل ترجمات كثيرة لقصائده أنجزها بها رشيد بوحتي، وياسين عدنان الذي ترجمته سهام بوهلال، وسركون بولص الذي له ترجمات متفرقة قديمة وحديثة وفاضل العزاوي أيضا. أيضا بندر عبد الحميد حمل بعض ترجمات قصائده، فيما ترجمت صالح دياب ورنا التونسي ايناس المعتمري.

ليس ثمة ثقة إطلاقا في الترجمات التي تتم أثناء المهرجان، لأسباب عديدة، أهمها: السرعة الفائقة التي تنجز بها هذه الترجمات وهي أقل من الزمن الذي يستغرقه أكل ساندوتش همبرغر، وثانيهما أنها تتم علي يد أشخاص ليست لهم علاقة بالشعر أو الأدب، وفي أقصي الأحوال هم صحافيون عاديون ويعانون من فقر معرفي مدقع باللغة العربية، وكنتيجة لذلك فالترجمات هذه لا تنطلق من النص الشعري بوصفها منبعا ومركزا للنص المترجم بل من ذهن المترجم نفسه الذي لا يقوم بعملية خيانة للنص الأصلي وهذا أمر مبرر، بل بكتابة نص آخر هو نصه الذي يفبركه بناء علي ضعفه اللغوي. ليس هناك مترجم مختص في المهرجان ليترجم عشرين شاعرا عربيا علي سبيل المثال، فهذا يحتاج إلى عمل حقيقي لأسابيع أو لشهور. بل ثمة متطوعون من الحضور والشعراء أحيانا الذين يدفعهم الإعجاب ومحبة بعض الشعراء الزملاء المشاركين والإلحاح الذي يبديه البعض كي يوصل شعره إلي المستمعين. يمكن هنا الإشارة إلى ترجمة الشاعر المغربي بالفرنسية محمد حمودان الذي ترجم الشاعر عبد الفتاح البشتي، هو الذي لا يترجم إلا بأجرة حسب تعبيره، وعلي الفور كنتيجة فورية لترجمته التي قام بها بتصرف لمدة ثلاثة أيام، جاء بعض الناشرين يسألونه كتابا لطباعته. كان الشعراء العرب حاضرين بوصفهم أصواتا مختلفة تتجاور مع الأصوات الشعرية الأخرى من البرتغال واليونان واسبانيا إلخ، وأما القول كان الحضور العربي قويا بسبب غياب الحضور الشعري الفرنسي فهذا احتقار للشعراء العرب وللشعر العربي، واستصغار لتجارب شعرية عربية أساسية أثبتت حضورها وأهميتها غير متعلقة بالمشاركة في هذا المهرجان أو ذاك، مثل أدونيس وسركون بولص وبول شاوول وطاهر رياض وفاضل العزاوي إلخ فلا يمكن إزاحة الحضور الشعري العربي، والقول بلمعانه بناء علي غياب الحضور الشعري الفرنسي، هذا القول ساذج ويحيل علي ضحالة ثقافية واضحة، فالمهرجان ليس مهرجانا للشعر الفرنسي فحسب بل للشعر المتوسطي، فهناك شعراء لهم حضورهم الشعري الواضح من كامل بلدان المتوسط. إنه قول ينطلق من مقولة ان الشعر سلطة، فيه الرئيس ووزير الدفاع وسائر الوزراء بحسب صلاحياتهم، حينئذ سيكون ذلك كارثة الكوارث. فالشعر العربي تخلي عن تعابير سلطوية مثل أمير الشعراء، منذ زمن طويل، لا بل أهم الشعراء العرب يبتعدون عن هذه التسميات ويهربون منها.

فمن كرواتيا كان هناك الشاعر زافنكو ميكوفيتش الذي تمتد تجربته الشعرية والنقدية علي مدي خمسين عاما تقريبا وقد ترجمت كتبه وأعماله الشعرية إلي أكثر من خمس لغات، ومن بينها الفرنسية، أيضا الشاعر اليوناني أندرياس باغولوتس الذي ترجم أغلب الشعراء الفرنسيين الكبار إلي اليونانية، أيضا مواطنته ماريا كيرتزاكي المترجمة إلي الفرنسية والتي تعمل قارئة للشعر لدي كبري دور النشر اليونانية، أيضا الشاعر والمسرحي البرتغالي كاستوكروز. من الشعراء الفرنسيين كان هناك حاضرا ككل عام الشاعر جوليان بلين أحد أبرز اللاعبين الأساسيين علي جبهة الشعر الصوتي مؤسس مجلة DOC (K) S تلك المجلة التي صارت مجلة عالمية خاصة بالشعر الصوتي، وتستوحي أشغال الانترنت و الاي ـ ميل في الشعر. وبلين هو الأب الروحي لعدد كبير من الشعراء الصوتيين الشباب في فرنسا وأوروبا. أيضا هناك الشاعرة إيزابيل بانسو الحائزة على عدد كبير من الجوائز الشعرية الفرنسية. وجان ميشل اسباتالييه الذي يدير مجلة جافا الطليعية.

حضر الشعراء من كامل الدول العربية المتوسطية إضافة إلي البحرين والسعودية والعراق والأردن ولم يتغيب أحد هذه السنة.

الشاعر العراقي فاضل العزاوي قرأ قصائد ذات صلة شديدة بالواقع وبالأسباب التي تصنعه. ولكنه غربها بالتشكيلات الفانتازية ذات الأصول الواقعية، وهي راحت ترسم السمات العامة لهذه القصائد وتطبعها بها مشكلة مناخات مطبوعة بالكابوسية والرعب علي رغم يومياتها.

الشاعر بول شاوول قرأ قصائد من وجه يسقط ولا يصل، مجوعة شعرية صدرت منذ زمن طويل للشاعر لكن رغم ذلك ما زالت شعريتها حاضرة، وتجعلنا نكتشف أن الشعر يعبر الزمن، ويخترقه، ليبقى حيا. قصائد كأنها كتبت للتو، مشذبة مضغوطة كأنما اقتطعت من نص هائل، مكسورة وحزينة تأخذ من الرثائية عمقها الوجودي وتنشره علي البياض الذي يلف الصفحة من جهة وتستولي علي الصمت الذي يلف المكان وتنسبك فيه سبكا لتحفر فيه.

الشاعر الأردني طاهر رياض كان له حضور واضح أينما قرأ قصائد من مجموعاته: حلاج الوقت، الأشجار علي مهلها، شهوة الريح، طقوس الطين، العصا العرجاء، طريقة إلقائه لقصائده كانت متناسبة تماما مع المناخات التي ترتادها قصيدته، وهي مناخات تطغي عليها الرموز والأسرار، كتابة تتوسل صياغة مناخات صوفية، غائمة، تعتمد علي تجريد العالم من القصيدة، والتعويل علي ما هو داخلي روحي ينبثق من الحالات السرية التي تجد في اللغة المتوسلة ما يبرزها. ولئن استفاد الشاعر من الإمكانات التي يمنحها النص الصوفي إلا أن طريقة هضمه وامتصاصه للنصوص الصوفية جاءت طبيعية، ولم ننقز منها لا بل أحسسنا أنه يحول كل ذلك إلي كتابة شخصية خاصة به، تفرد بها عبر تجربة طويلة تمتد علي عدد من المجموعات الشعرية، هو الذي جمع مختارات من النثر الصوفي، وافتقدناه ناشرا نوعيا ورصينا.
الشاعر الفلسطيني باسم النبريص الذي بقي أسبوعا كاملا كي يعبر مسافة 150 مترا، في طريقه إلي عمان، قرأ قصائد من مجموعاته: مقال في معني الريح، نظم العقل الخالص، قصائد تذهب إلي القبض علي الشعري في الواقعي المعاش، من دون الذهاب رسم صورة فوتوكوبي عنه. لا تحضر فلسطين مباشرة كما لا يحضر أي حماس أو بلاغة، قصائد حزينة تضيء الألم الشخصي، الذي يرتبط ارتباطا بما هو عام من دون أن تتقصد الاتصال بهذا العام. هو الذي يكتب بسهولة واضحة، فكما يقول : اكتب ولا تنا