Bi xêr hatin malpera Tîrêj...Çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ثقافات العالم



 

وليد هرمز

ملح الأنبياء

(كاكا عبدالله إدريس النقشبندي)

 

وزارة الري                                                       الرقم: 3201

المديرية العامة للسدود                                            التاريخ: 16/7/1973

مشروع سد الثرثار

أمر اداري

 

بناء على مقتضيات المصلحة العامة، يُنقل المسّاح السيد عبدالله إدريس النقشبندي، من مشروع سد الثرثار، إلى مشروع المصب العام، في محافظة ذي قار، اعتباراً من تاريخ انفكاكه.

 

التوقيع

المدير العام لمشروع سد الثرثار

ـ نسخة منه إلى

ـ وزارة الري

ـ قسم الادارة العامة

ـ شعبة العلاقات العامة

ـ المديرية العامة للري والسدود

ـ مشروع المصب العام/ محافظة ذي قار

ـ الموما إليه.

 

هذا هو كتاب النقل أو الابعاد في يميني، ها أنذا على مشارف السنة العاشرة من الخدمة في هذه البحيرة الصاخبة المسالمة؛ أعوام طويلة أطويها بهدوء، وأودعها شغاف القلب، كما طوى ذلك الموظف ورقة الأمر الاداري بهدوء مودعها المظروف، وسحنات وجهه تقول بكل وضوح: لاتتعب نفسك بالنبش عن السبب. انغلق صوتي مجرد أن وقعت عيناي على تلك الأسطر القليلة في هذه الورقة (الكتاب)، سطور مبهمة بمداد الخديعة، قد تبدو للغافل أنها مقتضيات مصلحة عامة فعلاً، ولأمثالي، أول الخيوط، لنسج شِباك الوقيعة، أولى الخطوات نحو نذير كمائن الغفلة صوب المجهول. لم يعد لصوتي أبّهة الرنين الذي كان ينزلق على أوتار حنجرتي ساعات الشدة، أوتار أحسها الآن ترتخي، حروف كلماتي تتدحرج مبعثرة، خائرة، أفكر بلملتها، لساني حجر، كُلمتُ في الصميم، لم يعد لصوتي تلك الجسارة. لكن تملكني احساس، بأن لصمتي صدى مسموع، رغم تيه استفساراتي في ملامح ذلك الموظف إبن الجنوب، الجالس خلف الطاولة، حيث ضاعت بين ملامحه السمراء وصوت الآلة الكاتبة التي كانت أصابعه تسبح على أزرارها، وعيناه متشبثتان بالحروف التي تهمش الورق، وهو يلفه الصمت، لكني، أقرأ خجله الجنوبي، خجله الرزين، خجله الذي تسربل مع قطرات العرق تلك التي تسيل على ذؤابات صدغيه، قطرات لم يسعفها هواء المروحة السقفية التي تهفهف على فوضى الأوراق المتناثرة على الطاولة، إنه يهرب من تلك الـ (لماذا)، التي تكاد تسقط من لساني. ماذا، ومن وراء تلك الوقيعة؟ ارتطمت خطى جسارتي بخجله النقي الذي أعرفه ينتفض عندما تغبرّ رياح المسافات، وأقرأ في تعابير نظراته المحفوفة بومضات متموجة، غامضة وحزينة، التي تفصح بجلاء، أن أسباب وجودي هنا بعيداً عن أهلي، لم تعد مجهولة، والمسألة لاتحتاج لأكثر من أمر إداري، كالذي بين يديك.

لنتبادل الأدوار يا كاكا عبدالله. لنتبادل العناوين. رنين بلبلة الألسن، مذاق قلق ما، حنان المكان وراوئح الضفاف والحافات، ذائقة التراب والحجر، انكسارات ملامحنا في المرآة، سحنة التمر ببياض البلوط، ظلال أجمات القصب بفسحة السهول، صخب الشلالات بهدوء الأهوار، روح الدبس بشفيف العسل، رائحة البيت بمتاهة الجهات.

كم كانت لي رغبة في الكلام، رغبة في الفضفضة، لكني، أحسستُ أن كلماتي تتلاشى، وأفكاري تذهب إلى البعيد؛ متسربل بالخجل الرجولي، كوني لا أقوى على بعثرة الألم عبر صرخة، ربما تعيد بعضاً من قدرتي على الرفض، لكن، صرختي تبعثرت بغياهب الصمت، وقبل أن أتعثر بخطواتي الأخيرة بقدمين مهزوزتين، تخطان عتبة الغرفة، وربما للمرة الأخيرة، ألتقي بهذا الجنوبي الجميل، ألقى بنظراته نحوي، وقال: كاكا عبدالله، عليك إبراء الذمة، سلم ما في عهدتك من خرائط وعدة هندسية، وآلة المسح الطبوغرافية إلى أمين المخزن، وبلهجة أقرب إلى العتاب المشبوب بالحزن، قال: ألم تستوعب درسي؟ ألم تسألني، منذ وطئت قدماي ضفاف البحيرة قبل أربع سنوات، ماالذي جاء بي إلى هنا؟ حينها قرأتَ بذكاء ملامح الصمت المطبق على شفاهي، ألم أقل لك بعد حين، أن الحياة مسخرة، وألسنتنا ربان المركب، علينا أن ندير دفته بحكمة؛ وثرثرة اللسان، ليست كثرثرة الماء، تنزلق ملساء كما تشاء، متى تشاء، كيفما تشاء، اترك غضب ثرثرتك هنا، ولاتدحرجها معك في الاتجاه النازل مع منحدر الفرات، صوب الملتقى. لاتدع كلماتك تسقط مجاناً من بين شفتيك، لاعليك ياصاحبي، نحن نتكىء سوياً على متكىء واحد، رغم أن ألوان الجبل ليست واحدة، أنت مساح الأرض، كتب عليك أن تكمل قيافة الأرض بالملموس والبرهان على تجاعيد الأرض، عمل المساح، نصف الطريق إلى فتنتة الهندسة، سأسميك قيّاف التجاعيد. أرض الناصرية، أرض بور، ياصاحبي، أرض الملح، كم سيتعب الفرات بتشطيفها.

عليّ أن أعيد ترتيب بقاياي تجاه هذا النزوح القسري، أحس أن هذه البحيرة ستتبعني، سأجلسها على كتفي، وأطوف بها المدن والحارات والأزقة، لكني، أخشى ان تنزلق من بين كتفي، كما أخشى على عدم مقدرتي أن أصالح بينها وبين الأرض البور، اتجاهي القادم الذي يلفه الاضطراب وانكسار الرغبة ونهر الحلم المتجمد على بساط المخيلة التي يلفها العراء والأحلام العائمة العاطلة عن الدهشة، أحلامٌ أبعثرها بغفلة، وأفز مذعوراً كطير يراوغ طريدته، وأنفخ شباك طريدتي، خوف أن تسوّرني. زمن لعين هو، علي أن أُراوغ شرك هذه الشباك، ملتمساً فجوات الخلاص نحو الأفق، فلابأس للطعين من أن يغلق كوة هذيان جراحه، ولومؤقتاً، عدتُ إلى غرفة المهندسين التي تحتل طاولتي، وعدة عملي فيها، إلى الركن القصي، وقفتُ وسط الغرفة، يحيط بي زملائي المهندسين الثلاثة. نظرتُ باستهجان إلى تلك الصورة التي تتوسط الحائط (الرئيس الشيخ وتابعه)، وقرأتُ عليهما سورة اللعنة، وبغتة، قاطعني أحد الثلاثة:

ـ لم تستطع أن تدير دفة المحاذير بدقة ياكاكا، لم تحكم مغاليق لسانك، وأنت تعلم أن للهواء أذان.

اللسان حق، وللحق لسان ياصاحبي. قلتُ.

إلى مصب الناصرية، إذن، قال الآخر، ستشبع من سمك الأهوار، والخريِّط، وستتعرف على مذاق لحم الأرض، على الكمأ سلطان الصحراء. لكن، إياك من بنات الناصرية، وصبايا الريف المكحلات، الحر والتمر لعنة مشتركة للجسد هناك، هما شيطان الغواية.

لف الثالثَ الصمتُ، لكنني مسحتُ بعيني تعابير حسرته، وهو معكتف على لوحة الرسم، غارق في أحوال الخطوط الإقليديسية، ممتزج في علم النظر في المقادير والأقدار المتناسبة، وكان قد علق يافطة من الورق المقوى خلف مقعده، وبتوقيع أفلاطون، كتب عليها: من لم يكن مهندساً، فلايدخلنَّ منزلنا. ولكي أتبين ملامح وجهه، أشرتُ بسبابة يدي اليمنى إلى كلمات أفلاطون، أن أنزع هذه اليافطة ياصاحبي، لئلا تكون سبباً في ابعادك أنت أيضاً. قلتُ.

رفع رأسه من بين سطح طاولة الخرائط، بتؤدة وبطء متقنين، جعلتُ يدي تنخفضان من عليائهما كسيف مبارز أطيح به، فتهاديتُ جالساً على مقعدي، ورمى بكلامه عليّ بصوت خفيض، أقرب إلى الهمس، ومحسوباً بالمقادير:

ـ عملك من فروع هندستنا، فلِمَ أدخلتَ السياسة محشورة بين تجاويف علوم استخراج مقدار الأرض، وقسمة الحيطان، وارتفاع شهقة الجبال نحو زوايا النظر إلى الله، ارجع إلى رشاقة الهندسة ومناظراتها وشقائها فيها، سيتبين لك أسباب الغلط وكيفية وقوعه، إنهم ينصبون الفخاخ ياأخي، والذكي هو من ينسل منها، كالشعرة من العجين، أو من خبطة الإسمنت.

لم يقل أكثر من ذلك، استدار بعصبية نحو الطاولة، مخفياً رقرقة الدمع التي أخذت تملأ حدقتيه، وبعصبية معجونة بالألم، شكَّ رأس الفرجار في قلب الخريطة أمامه.

 

* الفصل الأول من رواية، قيد الكتابة.

 

 

خاص بـ تيريز. كوم 
27/07/2003
 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002