Bi xêr hatin malpera Tîrêj...Çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


 أنتولوجيا تيريز الشعري



محمد عفيف الحسيني

أيها الغريب في اللغة

أولئك الذين جلسوا تحت زهر الليمون الأصفر

 

ولدتُ عام 1957 في عامودا. درَستُ اللغة العربية في جامعة حلب: منهاج سقيم، وشهادة لم أستفد منها بشيء، بسبب الرقابات الأمنية، ولاأعرف أين صارت الشهادة؛ فحملتُ متاعي اللغوي والخيال إلى السويد منذ عام 1989. حيث أقيم في غوتنبورغ، ويبدو اقامة أبدية!

في سوريا، أقدمتُ مع الشاعرين محمدنور الحسيني وزردشت محمد، على تدوين كتاب شعري مشترك، لكن، مرة ثانية الرقابة السقيمة منعت من طباعة الكتاب، إلا بشروط حمراء فاجرة. فلم نطبع.

الأعمال المطبوعة:

1ـ قليلاً من رثاء/ بقية من مجزرة، بالاشتراك مع أحمد الحسيني (بالكردية) السويد 1990

2ـ بحيرة من يديكِ، فرنسا ـ الأردن 1993

3ـ الرجال، السويد 1995

4ـ جهة الأربعاء/ شطحات روائية، الأردن 1997

5ـ مجاز غوتنبورغ، سوريا 1999

أشرف على الفصلية الثقافية "حجلنامه".

الكتابة بالنسبة لي هي الحياة، أكتب لأنني لاأجيد أي شيء آخر. وكنتُ أتمنى أن أستطيع الكتابة بالكردية.

 

أيها الغريب في المدائح

أبعد من القاعات، كنتَ تغسل باقات زهوركَ/ وكنتَ غريباً،

ما من رقصات تشبهكَ،

ولا الأرجل اضطربتْ عندما مررتَ.

مصابيح ملقاة بلاضوضاء، وغامضة أيضاً في المعاصم

مدعوون أمامكَ، كما يحرك الهواء حناجر مَنْ في القاعة،

وظلالهم على البيانو،

لم تقلْ لهم زهوركَ، وما انحنيتَ لمكبرات الصوت،

أبعد.. على دَرَجِ القاعة أغفتِ الزهور ومفاتيح البيانو والمدعوون،

بقمصانهم الحزينة وتماثيلهم، نثروا أسلحتهم عليكَ أيها الغريب،

وغسلوكَ إلى زهرتكَ على شفتيك الجميلتين،

مدعوون في كل مكان

نبتوا فجأة

دخلوا الستائر، وتمايلوا مع المساء

كما كانوا يفعلون في منازلهم القديمة

وفي المساء يدخلون السطوح، ويموتون هناك

مع زهوركَ والنجوم المنطفئة على معاصم النساء كالعميان،

أيها الغريب، إملأ أصابعكَ بزمنهم، وناولهم العويل،

لئلا تبقى منتهكاَ،

مشدوها دون جدار،

هاالراقصون، بدأوا من جديد،

طوقوا النساء وأشرقوا بالأسطورة،

لاتتخلَّ عنهم، مجّدْ اسمكَ على قبورهم،

دعهم يعبرون البلاد، كأنكَ الدربَ وعطشَ أجسادهم،

تماماً كما كنتَ في سنواتكَ الرشيقة،

ببراعة، عندما سقط الثلج على الغرباء،

تماماً أيها الغريب،

يامن "نسمع في آخر الليل" وشوشات من السقف،

تنزل مع القش والحشرات الميتة،

وأيضاً أطياف لم تعد بحاجة لك،

تغلق القاعة عليكَ، لتذبلَ،

أبعد.. هناك،

تنسكب على زهوركَ وآثار المدعوين،

ومفاتيح البيانو أيها الغريب الجميل.

بهية

بلا سبب توقفتِ الساعةُ عند حكاياتكِ.

يدٌ من حنّاءٍ،

أحفاد بشرائطَ مذهبة.

لتتمجدْ رائحتك، والحائط، وأنت تستندين إليه، والحجل.

لتتمجدِ اليدُ التي حملتِ الحدودَ،

والحكاياتِ اليت ضاعتْ منا،

نحن الأحفادَ، بشرائط مذهبة،

صغار بلا سبب،

ولصوص حكاياتكِ،

ورائحتك الغابرة،

أو جسدكِ الذي ضاع في زحام المقبرة.

وبلا سبب، توقفتْ حكاياتكِ،

ونحن ننزلق إلى أمهاتنا في المطبخ،

هنَّ يتناسلنَ، وأنتِ تموتين،

حكاياتكِ قليلة، ونحن كثيرون.

بلا سبب تموتين،

ونحن نكتب حكاياتكِ،

ورائحة امرأة، اسمها "بهية".

كردستان

لحريتكِ البليغة/ لصباحكِ الناقص.. أمضي،

مروياً بالتذكارات،

منجرفاً كجروٍ صغير،

خصباً كالأغاني،

ملتبساً كأسئلة الصغار،

وناشفاً كقرميد،

عندما لايضرب غروبكِ ساعاتي،

لاتتناثر ثلوجك عليَّ.

أختزل بدائيتي/ مابقي بين يديَّ من ظلال،

من بوصلة لياليكِ

أو اعتذار قصير، مثل أسرار المرأة على زهر،

مثل أقدامكِ الصغيرة والذهبية، تضرب فلاتي،

وكما أموت..

ناقصاً من تموجكِ،

ذاهباً إلى الأسود الأعمى،

لصباحكِ الناقص.. شاحب أنا في منتصف الوردة،

وفي السيوف المينة للقراصنة.

شفتي جميلة، لايعبرها يقينكِ،

فأزدحم.. أزدحك بالشك،

وأرتعش كثيراً خلف حريتكِ البليغة،

ناقصاً منها رجل ينزف اسمكِ، أبداً.

الانحناءة

لعل المطر يتوقف بعد قليل،

فأخرج مثل وردة سريعة وغامضة،

ناقصا مني الريش، لأكونَ طائراً،

أو خريطة تعبر الشجن.

بهدوء.. أنا الأزرق،

تطلعات السرو على قبر جدتي،

الأمل الذي يتلاشى كظلالٍ،

اتجاه ضيق لهذا المطر،

أحزان المطر التي تحب،

الأصفر المودع للقباب،

المشاغل الصغيرة للرخام المستعجل.

ومنكفىء.. بهدوء أنا

حرير القوافل التي تتيه،

وساعاتها المدفونة في العطش،

ندم حماقات صغيرة، مقاهٍ،

لغة يبتكرها الصباح،

عزلة لون الكمان/ أوتاره الحنونة،

رائحة أطفال القرى وحيواناتهم،

حيث أجري معهم حافياً،

أنحني مثل حرارة مرتفعة

أمضي غامضاً وسريعاً.

ولادة

ولدتُ في الريح،

وانحنيتُ كقوس على عينيكِ،

في يدي المدائح، زهور الهندباء، والعطور الحارّة للشيوخ،

قلتُ لكِ أنا قميصكِ الموشّى بالأسف.

هناك رنيني، كالأقداح، يلتقطه المقامرون،

واصطدام جسدكِ برغبتي.

أنا الراعي بناياتي الحنونة،

وفجري الملىء بالريح والحليب،

تقدمتُ إليكِ كجندي بغباره ولونه الأخضر كـ "المستنقعات"،

أو الجدات، يعددن لكِ الشاي للراحلين إليكِ،

كنا.. الريحُ وأنتِ والبحيرات الغارقة في ضوئكِ،

ثم ولدتُ في الريحِ،

وانحنيتُ مثل الجندي وغباره الذي

غمر الجدات، وكاسات الشاي،

والمدائح الحزينة لكِ.

المراثي

الأولاد في مجاورة المراثي، يدحرجون الأسلاف،

مجدداً خرجوا من الريح،

حزموا أجسادهم بالزمن والساحات الفارغة،

كانوا في الأبنية يتلألؤن،

وعلى الشاطىء يتحولون إلى الرمال والقواقع الميتة

كم مرة نادوا على الأسلاف

حتى يندمل غيابهم

فيعودون بالسعال والقصص.

راح الأولاد والساحات والمراثي

وبقي الحنين.

مطر يهمي

يقضي الرجل ساعاته الأخيرة في محطة المترو

نفسها الأرض الحاذقة في الصباح

والرجل بساعاته الحزينة

يهم بشراء ورد من حانوت اليوناني

في مكان ما

داخل المترو

قريباً من القلب

يهمي المطر على الغياب.

شجرة

نحن بقاياكِ أيتها الشجرة،

ورقك اليابس على الأرض،

تحفّ بنا الأرجوحة والأجراس منذ زمن بعيد،

ونحن نقتبسكِ كمجد زائل،

وأشخاص بلا مصير.

نحن الذين من برونز،

بأيدٍ منطفئة،

واستراحات الطرق البعيدة.

نحن بقاياكِ أيتها الشجرة،

وظلالكِ الممتدة على صخب المنشار.

هتاف

في الأيام الحزينة، خبا الأسلاف في أوتار الموسيقي،

متشبهين بزنابق في يديكِ،

مذهولين كرجال في معابد الأبدية،

ننتظرهم دون جدوى

أولئك الأسلاف بأصواتهم كما تتكسر أوراق الغابات،

وكما تتكسر ظلالك على روحهم.

هتفنا لهم دون انقطاع

أن يتركوا لنا أطفالاً في الجبل،

ومجيئاً في الأيام الحزينة.

كأنْ يخبوا في زنابقنا

والريح التي جرفتْ آخرَ الأسلاف.

من مجموعة )بحيرة من يديك(،  فرنسا ـ الأردن 1993

 

الرجال بغيومهم الأخيرة، يعبرون "الخابور"

بعد سنين، سنفهم عمرنا أكثر

سنصغي إلى المفاتيح وهي تغلق علينا الأبواب،

صوت أزهار تسقط على توتياء مفاصلنا.

ستغمر غيوم الماضي الشرفاتَ، عندما نجلس تحتها،

نأكل الطحين، ونحتسي الندمَ.

سنفهم أكثر العصا التي نهشّ بها الثمار الحامضة للموت،

ونتساءل بلطف عن اسم اليوم التالي.

شفيفاً نهىء مواعيد الجَلَبة أسفل أسمائنا،

وبدمعتنا الكبيرة، سنغدو أكثر حناناً على الزوايا،

نميل بأكتافنا،

ونتقوس كالجسور على الألم،

تماماً، عندما نكتم قمصاننا في الخزائن العالية،

نترك أمورنا تجري حزينة،

نتنفس المشاغلَ اليومية

بين سرير النوم، ومخدات داميانا،

وعلى رفوف شيخوختنا، سننسى أنها بحاجة إلى آخرين غيرنا،

فنترك أمكنتنا شاغرة،

نسحب المقاعدَ إلى العتمة،

بنصف تردد، ونصف نسيان،

بشبح أننا كنا أكثر فتوة،

نقطع الخابورَ،

وعلى ضفتيه، نجفف ماءَ اللذة،

ما رأينا كان كافياً، لنفهم أكثر، ونطوحَ باللعبة،

ثم نصرخ بملء خيباتنا:

ـ آهٍ.. السنوات نفسها واقفة في المحطات،

ونحن أولئك الذين غادروا.

ننزلق على السكك الحديد،

ترتطم أجنحتنا بالخوف،

وفي أماكننا العالية كنّا نتخاطب.

مَنْ يصدّق أن ركبنا مرتجفة،

وحناجرنا مليئة بأصوات الغرباء؟!

نحن الغارقين في ثمار الشراشف

تبقى أعيننا مفتوحةً،

وفي متناول روحنا نطير،

نفهم الوقتَ أكثر مما مضى،

بضربة ماهرة، بأرضٍ كنّا ننتمي إليها،

نهجر المقاعدَ، نميل قليلاً بأعماقنا،

ونسمي الغيومَ بأطياف الأحباب.

من مجموعة ( الرجال)، السويد 1995

 

كتاب العميان

يعيش العميان، ليقرأوا الزهورَ هناك،

تتغضّن الجياه، تمر عربات سوداء،

مساجين وراء حيطان عالية

آذان تلتقط حفيف الحَمَام

ستارة آخر الليل،

اطفاء العيون في "اسم الوردة"،

آنية بيضاء دون زهور

والغيوم التي تعبر أكتافهم.

يعيش العميان، ليسقطوا في الأبواق

في ظلالها على المغنين،

في الرياح تمرّ على حناجرهم،

عميان قادرون على قراءة وجوههم في المرأة

مالون السمكة؟ ولون أطفالهم؟

مالون النهد في شبقهم؟

يتلمسون البياض بأكفّ عمياء

بأية ساعة يقيسون حنينهم؟

أي حنين يباغت عيونهم؟

أية سترة تتحرك على أجسادهم؟

يشدو كبيرهم:

زجاج نلونه في الحروب/ نوافذ نغلقها على النداء

من عزلة، إلى غموض

من القرى، إلى أبواب الله،

من الظلام، إلى شمس لاتشرق،

لون أسود، حِداد، ربطة عنق لعجوز

ورنين فوق رنين، يعطي معنىً للأذن

معنى التبس في الكتاب.

الذي تلا كآبته، قرأ دورة الفصول

وشمّ الزهرة،

لم يقرأ بتلاتها، ولانظر إلى لونها،

هل الزهرة عمياء؟!

ليل، شراشف سوداء، حبر سائل،

جثة بطعنة في الظهر، تعثر بحجر،

أسوار، مصباح دون نفط، عاشقات افترقا،

موت مبكر، جفاف الروح، مرض يعيش في غرفة،

والأغنية التي نسيها الغرباء، قاعة خالية،

وأحياناً اللسعة الحادة للغياب.

مالون الغياب عندهم؟

مااسم العصا التي تقود إلى الشبيه؟

من انتزع الزهرة؟

من رمى بهم أمام حدائق الله؟

حَمَامات بيضاء تخرج من أصواتهم

هديل، نقرات على الجرس الكبير،

عميان..

فيلم أخرجته يدٌ من آلة التصوير

فعمر الظلامُ الصورَ والعيونَ والطريقَ

المؤدي إلى اسم الوردة.

يشجو كبيرهم:

"أنا الزهرة السوداء، أنا اسم الوردة".

عميان يستيقظون آخر الليل

يبصرون الزهور، فيقرأونها.

KARIN BOYE

عند تمثال الشاعرة قليلاً،

عند البحر، وعند الغروب قليلاً،

بكيتَ..

إنهم الغرباء، ثلج يسّاقط ويذوب،

كانوا يتحدثون عن بلدانهم الغريبة

و"الزمن المفقود"،

عند قدي الشاعرة البرونزيتين،

عند يديها الحاملتين هواء غوتنبورغ

عند احتفاء شعرها القصير

وتنورتها الصلدة

عند قصائدها القديمة

عند عام 1941، بكيتَ

ثلج ينهمر، غرباء في العزلة

و KARIN BOYE في البياض.

***

الشفتان الشاعريتان

الشعر القصير

الحركة اللدنة من التفاتةٍ

البحة الخفيفة بين الجوانح

القصائد التي من ظلمة النافذة

وشمعة الرومانس

الشفتان الشاعريتان

مستهما شفتاي هذا الصباح.

***

أبراج ستوكهولم

كردي في الريح، إمرأة في الريح،

أنْ نلتقي ثانية

في العتمة الخفيفة

وراء ستائر مخرمة بطيور بحرية

شفاه عذبة، مضمومة

تنفرج:

"نعم سنلتقي أيها الكئيب".

***

إلى أين تذهب زهور الشتاء؟

اسم الرقة والموتى، اسم العميان

ـ خذ قلبي، واعطني زهرتكَ.

ـ أخذتُ قلبكِ، وضاعتِ الزهرةُ

في كل شتاء، تختبىء الزهور

في يدي KARIN BOYE.

 

* شاعرة سويدية، ولدت عام 1900، وانتحرت عام 1941.

انتظار

جالسون هكذا..

وحيدون، تمتلىء جيوبهم بزهر الليمون

قلوبهم بالسمكات الذهبية

جالسون، براعم تتساقط على الأرض

جلال الريش من طائر الكركي.

هكذا.. هكذا..

سنواتهم تحترق في الكتب والكستناء المشوي

الزهر الأصفر وراءهم، والمرآة سؤالهم

يحرقون أصابعهم في الشرفات،

وفي الزمن يتداوون.

هكذا.. هكذا..

جالسون، ينتظرون رنين الأجراس بآذانهم الخفيفة،

لمعة السنوات

مساء الحب

وجثة صديقهم المتفسخة

يقرأون الأشجار، ولايفهمون لماذا يأتي الخريفُ أصفرَ

والكمنجات صفراء

وصوت البيانو البعيد.

شاحبون في فنجان القهوة

بنّيون في تبغ العمر.

وأخيراً يموتون

أولئك الذين جلسوا تحت زهر الليمون الأصفر.

المحارب

يعود المحاربُ من القرن التاسع عشر

يحمل حجراً وفرماناً، عملةً قديمة وزهوراً،

ساحة الملك غوستاف، جنود المشاة، السلالم الحلزونية في أعلى القلعة، الثورة، الجنود، الطائر الذي يقف على الخوذة وينقرها، قَرْعُ أجراس.

يمضي قطار المترو الأخير

ناقص هو الزمن عند المحارب، ناقص هو المكان عندي.

يشيّد الرجلُ أنثاه من حنينه، وأنثاه تشيّده من غفوتها عصر يوم الأحد.

يعود المحارب بمعانيه المتعددة،

قضبان المترو، الأسلاك الشائكة في قطار القرن التاسع عشر.

تحت المصباح الشاحب يقف التلاميذ في "عامودا"، تحت عجلة الزمن الهائلة قططُ صغيرة تلعب بأذيالها.

من البيت إلى مركز المدينة، عليكَ أن تعلّفَ حصانك جيداً، وتراقب المارة ياغوستاف العحوز.

طويلة منارة الجامع والرنين الذي لم يتوقف للأجراس!

جثة ملفوفة بالزهر أمام المذبح، أو في باحة المنارة،

عند القلعة الغابرة في القرن التاسع عشر.

جثة محارب خضّل نفسه بالحنين، أراد أهله،

كانتِ الأسوارُ عاليةً،

والحكايات معقودة في التراب.

زمنٌ بين يدي، فصوص خواتم فضية، تركيز المنفى على الموسيقيين في أنفاق المترو.

هناك في الجنوب، يلعب الصِبية بأسمائهم، يدحرجون خوذة المحارب على التراب، وبأسمالهم الملونة، يخترقون القرن التاسع عشر.

ياغوستاف الأول، استبقِ حصانكَ، فقد مات جندكَ، وسترتك الحربية تمزقت بالبارود.

ياغوستاف الأول ـ ملك من إسبارطة، من الفايكنغ ـ أو نشيد جاؤوا به من العيد، زجاجات النبيذ المعتق في الأقبية، السفارة المدهشة لطيور الهدهد، الملك سليمان، عربات تنقل النساء، تنقل الحاشية من سيوف وحلقات معدنية، ورخام إلى الأعلى

أعلى مافي القلعة.

أدركْتكَ في النسيج الرقيق لقرنك التاسع عشر.

أدركتك ياغوستاف الأول في الكآبة.

كركي يبني عشه في أعلى المنارة،

من أين أتى بكل هذا النحول؟

حتى تظنه ياغوستاف الأول خيطاً من فكرة

أنيناً يتصاعد من سريرٍ

فتموت.

جثة ملفوفة بعَلمٍ وشارة ملونة مثل ستوكهولم القديمة.

ياغوستاف الأول

أيها الملك المضرج بكل دمه، مثلي.

الأشواق

(حوارية)

ـ ياأبي سأغيب في الزهور.

ـ يابني.. إن غبتََ، فلا تتأخر كثيراً.

ـ ياأبي بارك غيابي.

ـ يابني أنا سأغيب.

ـ يابني علم نفسكَ النسيان.

ـ وهل تعلمتَ النسيان، ياأبي؟

ـ أنا النسيان يابني.

ـ ياأبي متى سأعود؟

ـ يابني عندما تتذكر أمك.

ـ ياأبي الزهور ذابلة الآن.

ـ إنها الأشواق يابني.

من مجموعة "مجاز غوتنبورغ"، دمشق 1999

 

جكرخوين في ستوكهولم

جكرخوين.. أيها الشاعر المنفي في وحشة اسكندنافيا ولياليها الطويلة، عمي انتظرك، وما ذهبت إليه، صنع لك مشارب ونقشها بالريح، وما أتيت... تخيلت أنني ألتقيك في أحد شوارع ستوكهولم... كنتُ ذاهباً لمشاهدة ضريح "بالم" المتواضع، حجر دون تزويق على أرض مسطحة، كل جسد هذا الرجل الأنيق، تخيلتُ أنك تزوره أيضاً، تخرج من أنفاق المترو، تزرر معطفك السميك جيداً، تصعد السلالم، تريد قراءة بعض الاعلانات، فتخونك اللغة الإسكندنافية، وتقول بصوت مسموع: "إنها لغة مختلفة"، تقطع الشارع الرئيس، تدلف إلى أحد الأزقة القديمة، تمر بجانب التماثيل البرونزية الخضراء، تحتها الحمام المرتجف وطيور سوداء لا تحبها، وكذلك النوارس بزعيقها الحاد، فتتذكر حجل بلادك، والرف الطائر، تتذكر "ميرزو"، الذي أخذ ذات مرة طيوراً شبيهة بالحجل، إلى الشام، وعرضها في السوق على أنها الحجل الكردي الأصيل، فباع منها الكثير، بقي عنده واحد، خرج من السوق، وفي الفضاء أطلق زهرة جناحيه للفضاء. تذكرتَ ذلك وابتسمتَ، حثثت الخطا، كان البرد كثيفاً متماسكاً راكداً، والضباب غيوماً ثقيلة نزلت إلى الشوارع والأزقة القديمة للمدينة، تعلق بي في هذه الظهيرة الرمادية، أوغل في تفاصيل جيوبك ومعطفك الدافئ، تخيلتك قليلاً، وقفتَ قريباً مني، تتأمل المقبرة المتواضعة وما عرفتني! كانت الزهور مقرورةً، وبقايا الشموع تسيل على دم "بالمِ"، كنتُ أسند ظهري إلى حائط الكنيسة المجاورة وأدخن، أتأمل الموت والأرض والممرات المفروشة بالحصى وأعقاب لسجائر، والعجائز الذهبيات يسندن أعمارهن على الحافة، يطلقن زفرات مكتومة، وحركات قصيّة بطيئة من أعماقهن كبرونز الساحات، كنتُ أحمل المخطوطة معي، ولم تعرفني، خانتك ذاكرتك هذه المرة ، وأنا بعيد عنكَ، بعيد جداً.. أمتار قليلة بيننا، لكن يفصلنا الزمن، لم ألتقِ بك أبداً، وكل ما أقوله، أتخيله، هكذا لأني أحبك، وعمي كان  دائماً يردد: "ماالذي أخذه إلى الوحشة؟". وأنا ماالذي أخذني إلى الوحشة؟ ستوكهولم مدينة مركزّة ومغطاة بالعزلة، يغني فيها الغرباء مدنهم الضائعة، يلتفتون إلى أبراجها ويتأوهون خافتين كترتيل، ينتظرون شيئاً ما يتبدل في بلدانهم ليعودوا، وما من أحد عاد أبداً، وأنا هكذا قريب منك، يحدث أن نلتقي صدفة، ثم تعرفني، بعد أن أعطيك المخطوطة، تسألني عن عمي والبدرخانيين، فتخرج من صوتي عزلةُ عامودا، تغتمّ أكثر، ثم نيمم وجهنا صوب المدينة القديمة، تعرف هناك مقهى  للأدباء، قبو بقرميده الأحمر، ننزل الدرجات، ونعرج على القهوة الساخنة، ندخن بشراهة، كنتَ متعباً ذلك اليوم، وبفوضاك، ترمي بمعطفك على الكرسي، تخرج قصائد جديدة، وتطلب مني ايصالها إلى البدرخاني، تعبرنا نساء جميلات، فتفوح من معاطفنا رائحة الإخصاب، وفي النواحي المرايا في عزلتها، تعكس قبعتك الغارقة في رأسك، تعكس دلالة اللغة بين يديك الحارتين النافذتين في الحبر.

يهبط المساء كثيفاً، إنه الشتاء الطويل هنا مثل تلك الرسالة التي ظل عمي طوال أشهر يكتبها، حتى صارت بطول عدة أمتار، ولم يرسلها إلى أحد، كان يخاطب فيها شخوصه التي تطوف في فضائه، استخدم فيها كل أنواع حبره. هكذا فجأة ياجكرخوين تهبط عليّ، لم أكن أتوقع لقاءك، مرة واحدة مررت أمام نافذة تسكنها النباتات المتوحشة، وصورة لك بالأبيض والأسود، فوقها زنّار ملوّن، وها أنت معي الآن، أجالسك، تقلّب المخطوطة ورقة ورقة، وتكتم صوتك، لكن أسمع رغبتك الحارة في العودة، لكن، العسكر، العسكر، كائنات الزجاج والمعدن والبارود. رذاذ بارد في الخارج، مظلات ملتهبة، شرفات فارغة، محل لبيع التبغ، تبغ متعدد، وأنت بمشروبك البهي، تدخّن ذكرياتك، هواء مطروح أمام قدميك، يتماسك ويتحول إلى حيوان بريّ:

ـ إنه الثعلب، من أين جاء الآن!

نزق يدب في جسدك، طيلة ساعات وأنا معك، ولم تتحدث، نحن المرميين في قبو مقهى في ستوكهولم القديمة. في الشارع الآخر قناة ماء، تماثيل برونزية، خلجان رقيقة تعبرنا، وتعبرنا سحب الدخان طازجةً بمذاق النعناع، لقد انتشرت الرائحة، إنها تشبه رائحة موت عمي، بأسبابنا نحن نشعر بالرذاذ يبللنا من الداخل، الأبراج في الخارج مثل كتب مفتوحة على الحبر، يحلق فوقها زعيق النوارس وهديل الحمام وذرقها، ملك على حصانه المطرز بفاكهة الحروب، لحيته القصيرة المدببة كلحية البدرخانيّ، كل شىء شبيه بما كان، لكنه الزمن لا يتكّرر مرتين، ياقنصل  اللغة وأشجار الفنانين على أشجار المقهى، ليس ثمت من براري هنا، إلا براري الساحات الكبيرة المبلطة بأحجار بيضاء، يتناثر الرمل بينها، كما تتناثر اللغة  مفتونة بكآبتك، أبداً كنتُ أتخيلكَ كئيباً، أبداً لم ألتقِ بكَ، لكنْ، هكذا دخلتُ المقبرة لأنظر إلى الأنيق القتيل تحت الشمع والزهور والحجر، فوجدتك مشغولاً بالرماد، مشغولاً بالزمن الطارئ، بجلد هذه المقاعد التي نجلس عليها الآن، يسردك الكلام، فتضيق عليكَ السنواتُ، وتقترب من مظلات الخارج، تدخل الحديقة وتتأمل قبر "بالمِ"، الأجراس الكبيرة في الأعالي، وشيرين هناك، تتهادى مروراً بعرصة عامودا ومشيعيها الصامتين، أنت، أنت المصحوب برذاذ الخارج وقراءة المخطوطة: كتاب مفتوح على الهجرات/ مزدحم بالزهور، كان عمي في أيامه الأخيرة يتسلق شرمولا، دليله "بِرِينْدارْ"، يزرع النعناع وشقائق النعمان، جعل من سفح التل حقلاً يتموج بوقته وأطيافه، يجلس معهم، ويدلهم إلى زهوره واحدةً واحدةً، الحبر وقبر اليوناني المدفون هناك، فأقام صلة بينه وبين شيرين، وهناك أنهى آخر صفحة، دون فيها سلالة العائلة البدرخانية، أضاف عليها الطيورَ والأعيادَ السرية، أشعل في خطوطها نار 21 آذار، ولم ينسَ اسم أحد أوائل المهاجرين: حجي عفدو، دوّن أسماء الأحجار وجهة الأربعاء والقرى  التي غيروا أسماءها الآن، أضاف حريقاً آخر في عام 1960، السينما التي من كائنات طفولية، الثورات في الأمكنة البعيدة، والنيران التي تلتهب في أجسادنا الصغيرة، وأنت معي، أنا معك، إثنان من مراكبَ تجوب الشواطئ المهجورة، لم نكن ملعونين، لنعيشَ عزلة المعدن، عجلات عربات قديمة، حدوات أحصنة، خوذات عسكرية، مسدسات، سلاسل الحديد في رسغ القس:

ـ كيف يخرج صوته في صلواته؟!

معدن يطوي صمتنا، فنسند تكرارنا إلى الأبراج، وإلى النفخة اللؤلؤية للعازف في أعراسنا النائية، أضاف عمي ما أضاف، أوصاف شيرين، قبرها الذي تحول إلى شرائط خضراء، غذاه بالزائرين والعصافير الكثيفة التي تحط عليه، قبر من عصافير خضراء. قلت لعمي، ففرح، وأضاف المرايا وصوت فاروق والنحاس، ملأ المخطوطة بالنحاس، رقائق حمراء نقش عليها الطيور. مئات الرقائق، مئات الساعات قضاها مع إ زميله الرفيع ومطرقته الصغيرة، يطرق ببطء ودقة:

ـ أيها السنكري الأخضر.

أيها الشاعر قريبا من مقبرة "أولف بالمه"، قريباً من رنين الأجراس، لم يكن البرد يشعرنا بالوحشة، إنما هذا العدد من العجائز الذهبيات، وقت يملأ جوانحنا بالألم، رذاذ يبلل الشارع بمعدن سائل.

في الداخل، مقهى، مقاعد، أصص ورد وأشجار مرشوشة بالكآبة. تشرق فجأة، تستعيد عنف البراعم، فتتلألأ يا شاعري، يشرق معطفك السميك، قبعتك، أصابعك الرجفة، صوتك الرخيم، شعرك الأبيض، ساعتك الجيبية، .يتلألأ المقهى أيضاً. المظلات في الخارج وتمثال الملك، أعمدة المصابيح؛ فقد عرفتَ بأنك ستعود أخيراً إلى القامشلي. قرأتَ آخر كلمات عمي في الكتاب:

ـ سوف أنتظرك في مطار القامشلي... يا جكرخوين.

فصل من جهة الأربعاء/ شطحات روائية، الأردن 1997

 

السلاحدار

(بارام، كولندام)

بارامُ، كُوْلْنَدامُ: وُلدا في القرنِ التاسع عشر، على يدِ شاعرٍ كُورانيٍّ مجهولٍ، في ديرسم. شاعرٌ قال حكايته، وغادرها بحفيفِ الشّالِ على كتفيه، وأخضر التميمة، مطوية بخوفٍ وقدسيةٍ بنايلونٍ قاسٍ، مربوطة على صدره من جهةِ القلبِ. يمدُّ بيده الشاعرية النحيلة إليها، في الخوفِ، في كردستان، في المنفى، في الغيابِ، في رائحةِ جيرِ المقابرِ، في الترابِ الطري، في الهواءِ الكردي العنيف يضرب مسجدَ ديرسم، في مسجدٍ غائمٍ بين رمز "أهل الحق"، وصورة ملاي جزيري الواقف، الخاشع، بين يديه لفافةٌ من قصبِ الخابورِ، وبجانبه شقّيان، فتى، وفتاة، يتعاركان، ويشدّان أطرافَ أكمامه الفضفاضة. مثل جروين قرويين.

ـ نعم عرفتهما، يقولُ الساردُ الضريرُ.

بارام، كولنام. بل كولْنَدام. يصححُ شاعرُ كورانَ الرومانسي الرقيق، الرقيق في حكايته.

ـ أهي حزينة، ياالسامعون. ياندماءَ الكرد. ياندماءَ البحرِ؟

لا. يقولُ الساردُ. الحكايةُ ليستْ كذلك. لكنَّ الشاعرَ الكُورانيّ، المجهول الذي مات في الثلاثينات ـ تخمينٌ من السارد ـ في القرنِ التاسع عشر، غمرها بكثافةِ صوره الشاحبةِ الكئيبةِ، صورٌ جبليةٌ من رعاةِ جبل عبد العزيز، وهم يسردون الحكايةَ بشغفٍ جبلي، فيغمرهم العسكرُ بسياراتهم الجيب القوية، الخضراء، بحلاوةٍ فيها مثقالٌ من السمِّ، فيطوونها ـ الحكاية ـ كفروة الكبش الذبيح، ويطوي العسكرُ أياديَ الرعاة وراءَ ظهورهم، فيُرموْنَ في غيابِ القبو. حناجرُهم غائبةٌ، أغنامهم تثغو في هبوبِ الذئبِ:

ـ بارام، بارام. الذئب!

ـ كولنام، كولنام، الذئب!

كولندام، إسمها: الوردة المانحة، بارام، إسمه: المطر.

ـ ومن أين كولنام؟

ـ خطأٌ شفاهي،

دونه الساردُ الضريرُ على حنجرتِه، فسبقه السامعون، إلى تدوينه على صحائفهم، وطيورهم، وعلى جلدِ الدفِّ الكبيرِ بحلقاتِه، تخشخش مثل شيخوختهما، مثل زهرة القنب الهندي، مثل مباركات صفراء شاحبة على مقبرة عامودا في ذاكرةِ الشاعر الكُوراني المجهول.

ـ لماذا كان مجهولاُ؟

ـ هو في الغيابِ. فتجاهله ميقاتُ الزمنِ، في القرنِ العشرين، في أشهره الأخيرة. ثم أحيا نسغَه سليلُه المنفي في غوتنبورغ، أرعشَ أصابعَه النحيلةَ، ونفض عن ديرسم الدمَ القديمَ، الأخضرَ؛ دمٌ تقادم، فاخضرَّ مثل البرونز. دمٌ تقادم في قبو مَلاَ، فنام.

"يتضمن الأدبُ الديني باللهجة الكُورانية، عاداتٌ وتقاليدُ قرونٍ متعددةٍ، وله علاقةٌ بمذهبِ "أهل الحق"، أو "علي إلهي". وقد انتشر هذا المذهبُ بين أكراد ديرسم، وفي جبالِ زاغروس، وباتتِ اللهجةُ الكورانيةُ لغةَ الصلاةِ لـ أهل الحق. ولهؤلاء مخطوطات كثيرة باللهجةِ الكورانيةِ، تعود إلى القرونِ الوسطى، تصف حياةَ المقدّسين، وتورد أناشيدَ دينيةً. وقد تطور الشعرُ تطوراً خاصاً في هذا المذهب. ودُوّنَ عادةً على صفحاتٍ منفردةٍ، ومُصانةٍ بقدسيةٍ. وفي أغلبِ الأحيان، كانوا يطوون صفحاتٍ عديدةً، ويحفظونها ضمنَ قماشٍ، ثم يحملونها كتميمة".

كولنام، بارام. هما سليلا تلك التميمة التي كتب فيها الشاعرُ المجهولُ حبَّه. غلّفها بنايلونٍ خشنٍ، ورشَّ عليه مثقالَ السمِّ.

سمُّ الحنينِ هو.

سمُّ عطس من رذاذِه الشاعرُ المجهولُ، في القرنِ التاسع عشر. جالسٌ على صخرتِه في ديرسم.

سمٌّ عطس من رذاذِه بارامُ، في القرن العشرين. في الأشهرِ الأخيرةِ منه. جالسٌ على صخرةِ الفايكنغ.

سمٌّ عطستْ منه كولنامُ، وهي جالسةٌ أمام مرآتها، تراقب شفتيها الشهوانيتين، فتلمح طيفاً يقتربُ منها، ويُمسك بثدييها، منحنيناً مثل نيلوفر الأنهارِ عليها.

كان بارامُ على جبلِ عبد العزيز، يراقبُ أخوالَه، وهم يُقتادون. تنزفُ روحهُم الأسلحةَ... والسلاحدارَ الضاحكَ بسنِّه الذهب. بأسلحتِه الشديدةِ.

 

مقطع من كتاب منجز، بالعنوان نفسه، غير منشور، خاص بـ تيريز.

* صورة محمد عفيف الحسيني، عند تمثال الشاعرة السويدية المنتحرة (كارين بوي) في غوتنبورغ. من تصوير وليد هرمز.

 

خاص بـ تيريز. كوم 
27/07/2003
 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002