Bi xêr hatin malpera Tîrêj...Çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


القص  



هيفاء زنكنه

 

حياةٌ معلّبة

 

في المطبخ، الماء في الإبريق الكهربائي على وشك الغليان. يعلو صوتُ الماء المسخّن تدريجياً.. يبدأ بوشوشةٍ مبهمةٍ، تتحول إلى همسٍ صاخبٍ، ثم إلى ضجةٍ، تحتلُّ المكانَ. مشاحنة صوتية بين جزئيات، تتداور من حالةٍ إلى حالةٍ؛ معها، يغرّد حسونٌ. يطلق شدواً بنغْمةٍ واحدةٍ، مثل طفل، يسأل مستوضحاً: "ماذا؟ ماذا؟".

يقفز في القفص، من زاية إلى زاوية. زاويتان، يتنقّل بينهما؟ لايجرب الزاويتين الأُخْريين. يتعالى صوت الإبريق، فتتزايد سرعةُ الشدو. أنغام متعددة بنفَسٍ طويلٍ. سريعٍ لاهثٍ. أعلى فأعلى. أطول فأطول. يغلي الماء. ينقطع تيار الكهرباء عن الإبريق، بشكلٍ آليٍّ. يسكت الحسون.

ـ عليكِ أن تعيديه إلى أصحابه.

ـ أدري.

ـ متى؟

ـ غداً، الخميس.

يضحك، ساخراً:

ـ لكنكِ قلتِ غداً منذ أسبوعين!

ـ أدري.

ـ متى ستعيديه، لهم إذن؟

ـ غداً.

ريش حسون، متعدد الألوان، ورأسه رماديّ، مشوب بصفرة؛ يذكّرها بشقيقها الأصغر، الذي شَابَ شعرُه في سن العاشرة، وكان أطفال الزقاق، يركضون وراءَه، منادين: "الشايب، الشايب، أبو شعر الشايب". في جناحيِّ حسون لون أسود، تسلل على غُفلةٍ، محتلاً نهاية الجناحين، وتاركاً ماتبقى، إلى الأسود في نهايات الجناحين. ما أنْ يرفرفَ بجناحيه، حتى يخلقَ طيفاً لونياً جميلاً، تلتذُّ بمراقبته:

ـ إنه جميلٌ جداً.

ـ أدري.

ـ مارأيكِ بفتح الباب له؟

أجابته بحدِّةٍ:

ـ كلا.

ـ لماذا؟

ـ لأنه سيطير إلى الخارج، ولن يعودَ، و..، وإذا إبتعد، سيموت.

ـ سيتعلم أن يعيش في الخارج.

ـ لا. لقد وُلِد في القفص. إنه لايعرف كيف سيعيش في الخارج. سيموت.

ـ ستُتاح له على الأقل فرصةُ الطيران، بدلاً من القفز، مثل ضفدعة.

ـ سيموت.

ـ سيموت، محلِّقاً بجناحيه.

ـ الموت، هو الموت.

وضعتْ له حبَّةَ تمرٍ. ألصقتها بقضبان القفص البيضاء، وبجانبها ورقة خس. فرشت أرضية القفص بصفحة جريدة عربية، قرأتْ عناوينها لـ حسون: "سائقو الميني باصات، يقطعون الشوارع، في بيروت، احتجاجاً"، واحتلَّ الثلث الأسفل منها. "65 من أعضاء الجماعة الاسلامية المصرية السجناء، يعترضون على قادتهم". وفي ركن مطويٍّ من الصفحة، قرأتْ: "اتفاق بين حكومتي البارزاني، والطالباني، ينهي مشكلة حصول مناطق في كردستان على الكهرباء". خاطبتْ حسون: "أسمعتَ، ياحسون؟".

هوّم حسون الصامت، نافشاً ريشه، ثم خبَّأَ رأسه بين جناحيه، فبدا مثل كرة متعددة الألوان.

ـ انظري إليه كيف يقفز في قفصه الصغير.

ـ أدري. إنه نشيط.

ـ لأنه يريد أن يطير.

ـ كلا. البلابل توضع في أقفاصها وحيدة، إلا وقت السفاد.

ـ لكنه يريد الطيران.. انظري إليه.. ألا ترين كيف يرفع جناحيه، ثم يخفضهما، استسلاماً؟.

أجابته بعنادٍ:

ـ إنه يتحرك بما فيه الكفاية.

ـ مارأيكِ بنقل قفصه إلى الحديقة.. لفترة قصيرة؟

ـ لماذا. إنه سعيد هنا.

ـ ليتنفسَ هواءً نقياً. ليتعرفَ على مكانٍ آخرَ، غير المطبخ.

ـ لا.

ـ لماذا؟

ـ سيبرد.. ثم إنه سعيد، هنا، في المطبخ.

ـ إذا كان سعيداً، لماذا لايغرّد؟

ـ لأنني لم أشغّلِ الغسّالةَ بعد.

تنفّّش حسون، قافزاً من ركنٍ إلى ركنٍ. رفرف بجناحيه نصف رفرفة، ثم نكس برأسه، ملتقطاً بعض الحبوب، أولاً، ثم ذرّات رملية موضوعة في إناء صغير، لتساعده على الهضم. نظرتْ إليه بودٍّ، وهي تشحط سلّةَ الملابس الوسخة. فرزتها. أبقت الملونة في السلة، بينما وضعتِ البيضاء في الغسّالة. حدّثت حسونَ:

"مرة ياحسون، ياصغير، وضعتُ الملابسَ البيضاء في الغسّالة، ومعها ـ دون أن أنتبه ـ جواربَ حمراء؛ وكانت النتيجةُ كارثةً. تغير لون الملابس إلى الورديِّ". واقتربت برأسها من القفص، هامسةً بخبثٍ: "وملابسه الداخلية، كلّها، صارت وردية، مثل البنات!".

ضحكتْ لنكتتها، فقفز حسون مذعوراً إلى الجهة المقابلة. ضغطتْ على زر برنامج الغسّالة. هناك عشرات البرامج الآلية في الغسّالة، وهي لاتستخدم، غير برنامج واحد، بحرارة 40 درجة مئوية. شرعتْ أسطوانةُ الآلة بالدوران. ببطءٍ، أولاً، ثم بتسارعٍ متزايدٍ، حتى وصلتْ برنامجَ الألف دورة. مع دوران الأسطوانة، هتف حسون. أطلق صوتاً حاداً، وهو ساكن في مكانه. كفَّ عن القفز الضفدعي، وبدأ يغرد بطبقاتٍ صوتيةٍ مختلفةٍ، كأنّه يتسابق مع صوت الآلة. في سكونه، لايتحرّك فيه غيرُ الزغب الأصفر عند حنجرته. سحبتْ كرسياً خشبياً، وجلستْ مقابله، مصغيةً لانطلاق الصوت الحبيس. قرأتْ مرةً أنَّ أصواتَ الطيورِ مثل ألوانها، اشارات تمويه. كيف يموّه من حبس، وضيق عليه؟!

ـ لو كان مخلوقاً للقفز فقط، لَمَا احتاج إلى الجناحين؟

ـ أدري.

ـ لماذا تحبسينه، إذن، في قفصٍ؟ هذا سجن.

ـ أعيديه إلى أصحابه.. لديهم قفص كبير، وستكون لديه صُحبة.

أحسَّتْ بألمٍ يعصر قلبها. أجابته واجمةً:

ـ غداً.

ـ غداً.. غداً، ماذا؟ الخميس.. الأربعاء.. الثلاثاء! غداً في الأمس؟ أم في الأسبوع الماضي؟

أمسكتْ فرشاةَ كنس الأرضية، ونظّفتْ ماحول القفص، جامعةً قشور الحبوب الناعمة، وبعض الريش.. عملتْ، وهي تكرر مناجيةً الشدو: "حسون.. ياحسون..". عليها أن تطبخَ. ماذا ستطبخ؟ خرج غاضباً، ولم تتمكنْ من سؤاله. شعرتْ بالتعب، فجلستْ على الكرسي. ستكمل دورة الغسيل، وعليها أن تعلقها على الحبل في الحديقة، ثم تجمعها، وتكويها، وترتبها في خزانة ملابسه. لماذا غضب منها صباح اليوم؟ لا تتذكر. بسبب حسون؟ أم..؟ لم يعودا بحاجة إلى سبب للخصام. يغضب. يصفق الباب وراءَه. يخرج، فتبقى هي جالسةً مقابل حسون.

هل سألها: "متى ستعيديه إلى أصحابه؟".

لاتتذكر. ربما. متى تعيده إلى أهله؟ غداً. سَحَبَتْ نَفَسَاً عميقاً. حسون، ياحسون. متى الغدُ؟

عليها أولاً أن تعلّقَ الملابسَ. تطبخ. تكوي. تنظّف البيت. تتسوّق. تـ..، تـ...

غداً، متى؟.

10/7/2002ـ لندن

 

من مجموعة قصصية جديدة، بالعنوان نفسه، ستصدر قريباً.

فوتوغراف: آزاد زنكنة.

 

 

خاص بـ تيريز. كوم 
22
/07/2003 
 

 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002