Bi xêr hatin malpera Tîrêj...Tevayî û çandî ye....    

ثقافات العالم 

 




 

سوزانا تامارو

الثّعلبُ، إنّهُ جميلٌ حين يركضُ، رشيقٌ، مليءٌ بالأناقة، فاتنٌ.

 (مدحُ الفتنة)



عن الألمانية: عبدالرحمن عفيف   

حين للمرة الأولى مسني تصور الجمال، كنتُ في الخامسة من العمر. ذهبتُ برفقة أمي عبر البندقية، وددنا الذهاب إلى ليدو، لرؤية المهرجان الذي يُقام كلّ سنتين، المعرض الكبير لفن اللوحات في إيطاليا. وحيثُ كان هناك القليل من الوقت حتى انطلاق الـ - فابريتّوس ـ تنزهنا خلال ساحة ماركوس. هناك، أثناء ركضي خلف الحَمَامات بين سيقان السياح، وصلتُ فجأة كأنما مسني الرعد إلى أمام موضع تُباع فيه تحف تذكارية مصنوعة من الأصداف. كان هناك أيقونات مريم العذراء موضوعة بجانب بعضها البعض من الأصداف الملونة، قوارب من أصداف تؤكل، مُعلمة بلمبات صغيرات مشّعات، صناديق صغيرة من كل أنواع الأصداف الممكن تصورها، ودزينات أخرى من نفس هذا النوع الفريد، وأشياء جميلة أخرى، خلبت عقلي وقطعت أنفاسي. لا أدري كم من الوقت بقيتُ واقفة مأخوذة مندهشة، لكني أعرفُ أني سمعتُ صوت أمي خلفي آمرة إياي أن أتحرّك. أعطيتها يدي بدون رغبتي، وقلتُ لها بشغف: ماما، هل رأيت كم من الأشياء الجميلة توجدُ هنا؟ - ما كان يعني بالنسبة لي في تعبير طفولي خجول - لو كنت لطيفة معي واشتريت لي شيئاً منها، وأثناء تفكيري على أي شيء من هذه الأشياء الرائعة سيقعُ اختياري، سحبتني أمي بقوة من ذراعي وقالت: هيّا، تعالي، الأشياءُ هذه ذات ذوق مرعب سيء، ألا ترين؟. أمضينا الأيام التالية بلا كلل في صالات معرض المهرجان والعديد من الظهيرات بغير نهاية، وأمسيات في تجمعات النقاد والفنانين. هذا كان بالنسبة لي، والحقُّ يُقال، مملاً حتى الموت. الآخرون تأملوا الأعمال المعروضة صائحين: رائع... فظيع..، واندفعوا في سجالات طويلة ونقاشات عجيبة. أما أنا فقد جرجرتُ نفسي من كرسي إلى آخر، متعلقة في تفكيري بعناد غريب بالأعمال الفنية التي من الأصداف، ومتفكرة في موقف أمي النابذ لها. وكم أجهدتُ نفسي، لكنّي لم أستطع أن افهم ماذا عنت بقولها: أن تلك الأعمال الصدفية ذات ذوق سيء ولا قيمة لها. شيءٌ وحيدٌ بالنسبة لي كان من - مذاق وذوق مرعب سيء- وهو كان زيتُ كبد الحوت. إنه حقّاً ذو مذاق مرعب. يكفي أن يتذوق أحدهم ملعقة ممتلئة منه ليتقيّأ طوال نصف يوم. هل من الممكن أن تكون كل تلك الأشياء الرائعة من نفس المذاق؟!. في ذلك الوقت توصّلتُ إلى رأي أن العالم ممتلىء بأشياء غير مفهومة ومتناقضة، وهذا يجبُ أن يكون السبب، الأعمال الصدفية بشكل واضح كانت من نفس مذاق زيت كبد الحوت، إذن من مذاق مرعب سيء. كذلك بريقها الغريب، زيتُ كبد الحوت يبدو في الملعقة تماماً مثلها. من الواضح أن الأصداف ـ لتقويتها ـ غُطست لوقت طويل في زيت كبد الحوت قبل أن تُعرض. هذه النظرية أرضتني ولطفت من قلقي، إلى ذلك اليوم الذي رأيت فيه ثوباً على طاولة دكّان، وكان منجزاً بنفس المواصفات. وهذا حوّل يقينيّاتي المتعلّقة بالمذاق المخيف السيء إلى لا شيء. في الشهور التالية التي أنصتُّ فيها إلى أحاديث الكبار باهتمام مبالغ ودقة، اتّضح لي أنه من الممكن أن توجد بيوت أيضاً من نفس ذلك المذاق السيء، أناس، أمكنة، أكلات، كلمات، مواقف بدون مذاق، ورغم أني لم أستوعب هذا تماماً، لكني على الأقلّ فهمتُ أنّ المذاق السيء هو من الأعمدة الأساسية التي يستقرُّ عليها العالمُ. وليس هذا فقط، في الشهور التالية والأعوام، لاحظتُ أنني كنتُ نوعاً من ساحر غير بارع، لأنّ كل شيء أشرتُ إليه بالإصبع، لأُريه لأمي، تحوّل مباشرة إلى شيء من مذاق مرعب مخيف سيء. ربّما قلقة من هذه الموهبة الممتلئة بالشؤم، تابعتْ أمي أخذي معها إلى معارض الفنّ الحديث، لا بل دفعت في يدي باللوحات المنسوخة الشهيرة قائلة: انظري، أليست جميلة؟.

يعرفُ الإنسان أن الأطفال يريدون بسرور أن يُرضوا الكبار، إذن بدأتُ - حيثُ أني لستُ استثناء، أمارسُ فنّ الكذب الدقيق –؛ جميلٌ، قلتُ ذات يوم بصوت متأثر ملعوب أمام لوحة لـ موندريان، "جميل"، رددتها بلا حساب أمام قشور سوداء، ثقوب، دوائر فلوريد، "جميل"، أكّدتُها أمام كل شيء حسبتُ أنّه يمكنُ أن يكون عملاً فنياً، أو ما يشابههُ. لأنّهُ صار  واضحاً لي أثناء ذلك أن المذاق السيء يصبحُ جميلاً كما يصيرُ الليل إلى نهار،  وعليه كان كافياً لعدم ارتكاب أخطاء أن أصف كلّ ما كان لي غير مهم أو لم يعجبني إطلاقاً بهذه الصفة المادحة. بالطبع تابعتُ في السر أن أعجب وأعظّم كل ما كان ذا مذاق مرعب سيء. بالتأكيد، إنني تحت هذه الظروف السيئة في طفولتي لم أفكّر ولو لمرة واحدة أنني حين أكبرُ سأصبحُ فنّانة. في  ذاك الوقت حينما كانت أصبعي كعصا سحرية تجعلُ الأشياء كلها ذا مذاق مخيف سيء، اهتممتُ في وجداني بعلوم الطبيعة، وكنتُ تقريباً مقتنعة أنني حين أصبحُ كبيرة، سأصيرُ بيولوجيّة أو ما يُشابهُ.

جميلٌ. كلا. جميلٌ جداً كان بالنسبة إليّ البلّورُ والصخورُ، جميلا كان بوزُ الثعلب فوقهُ العيون السوداءُ اللامعةُ مثل رؤوس الدبابيس، جميلة كانت الفراشات والديدان ، جميلة كانت العناكبُ، الفئرانُ، الّنمالُ، جميلة الحراذينُ النائمةُ في الشمس، جميلة أوراق الخريف وجميلة جدّاً البراعم في الربيع. باختصار، كان جميلاً لي كل شيء يحدثُ أو يوجدُ  بعيداً في هذا الجانب أو ذاك  من عمل البشر. ولماذا كان جميلًا؟ لأنهُ أثارني بقوّة، ولم تكن إثارة ثقافية، بل شيئاً مفاجئاً وسريعاً، انفجر في بطني، ومن هناك كمثل مرح لذيذ توزع في كامل الجسد. ولأن الحياة ليست جميلة ولا بشعة، بل عجيبة، لم أصبح في السنوات التالية بيولوجية، بل لدهشتي الكبيرة، صرتُ كاتبة، ولو أن هذا لم يغير علاقتي بالفن التشكيلي، لكنّهُ أفادني، لأفهم لماذا أثارني وتملكني بوزُ الثعلب، ولم يزل يثيرني ويعجبني أكثر من لوحة لـ مودريان.

ليست فقط الأشياءُ التي من مذاق مرعب سيء، اجتذبتني وحدها في طفولتي، بل دراسة علوم الطبيعة سحرتني أيضاً. في الثامنة من العمر، عرفتُ خلال قراءة نصوص كتاب أن الأرض لم تكن توجد دائماً، بل أنها في الزمن السحيق كوّنت نفسها من كتلة من الغبار والبقايا، متوارية في فضاء العالم. هذا ما عرفتُهُ كذلك أن الحياة لم تكن هي نفسها دائماً وأبداً، بل أنّها تغيّرت غالباً ولمرّات عديدة بطريقة درامية. كان هناك "آمونيت،  تريلوبيت"،  والبحرُ هذا الذي غطّى كلّ شيء في البداية،  فيما بعد تراجع، أصبح جليداً، ذاب، وثانية تجمّد، كان هناك ديناصورات، ولربّما اختفت بسبب من الشهب والنيازك، بدلاً منها جاءت الـ توباياس، وبعد ملايين، وفوق الملايين من السنين، أصبحت هذه الـ توباياس بشراً، وتعلّمت كيفية الكلام.

التفكيرُ أنه وراء وجودنا تاريخٌ كبير ومعقد، هكذا، وأن بداية هذا التاريخ لغز،  ولّد فيّ شعوراً قوياً من الصغر والاندهاش. إندهاشٌ من كل ما وجد، ومن العناد الذي استمرّ به في الوجود. هذا الشعور من عدم الأمان والاستقرار الذي اكتشفتُهُ بشكل مبكّر لم يؤدِ،  كما  من الممكن أن يظن المرءُ، إلى رفض العالم، بل إلى مشاركة مندهشة وعميقة وحبية، هذا يعني أن الخليقة لا زالت تسحرني كما في اليوم الأوّل الذي اكتشفتُها فيه، وفي كوني مفتنونة بصيغ الحياة ذات التنّوع اللانهائي، تتجذّرُ أحاسيسي الجمالية. في رؤيا تشملُ ملايين السنين، بدا لي وجودُ الإنسان الحدث الأقلّ أهمية. ليس الحدث الأقلّ أهمية فحسب، بل لسوء حظّه، الأقل فتنة أيضاً. الفتنةُ بالنسبة لي هي المفهومُ الأساسيُّ الذي يحتوي في نفسه الجمال، الفتنةُ هي هبةُ الكائنات التي تعيشُ في تناغم مع قوانين العالم غير المسبور الغور. الثعلبُ الراكضُ ليس لديه وعي ذاته. إنّهُ يوجدُ، وكلُّ طاقة حياته موجّهةٌ بقوّة إلى أن يوجد، إنّهُ جميلٌ، حين يركضُ، رشيقٌ، مليءٌ بالأناقة، فاتنٌ. لذلك يثيرني بوزُ ثعلب غالباً، أكثر مما تفعلُ لوحة. اللوحةُ، عملُ الإنسان، ينبغي لكي تعجبني وتثيرني، أن تكون تعبيراً عن نفس السرّ، نفس ثقل التناغم واللاوعي. الإنسان على العكس، إنّهُ بدون فتنة، مسيطرٌ عيه من قبل وعيّ ذاتي قويّ. وعي ذاتي فرداني، لاالأطفالُ يمتلكونهُ، ولا الحيواناتُ ، حيثُ أنهم من فتنة ورشاقة طبيعيتين. للوصول إلى هذا يجب على الإنسان أن يرجع طريقاً طويلًا، عليه العودة من الوعي إلى اللاوعي، يجبُ أن يشعر بنفسه كجزء من سرّ بعيد الغور، يجبُ أن يشعر بنفسه صغيراً، مليئاً بالإندهاش من الغرابة الدائمة للحياة.

"الجميلُ" بالنسبة لي هو ما ليس لديه وعي، إنّهُ تناغم صيغ الطبيعة في الحركة المستمرة.

الفنّانون الذين أُحبُّهم، هم هؤلاء الذين يعكسون في أعمالهم هذا الشعور المؤلف من السرية والغرابة، من الصّغر والدهشة.

 

سوزانا تامارو، كاتبة إيطالية، صاحبة الرواية المشهورة عالمياً: "اذهب إلى حيثُ يأخذك قلبك".

المقال مترجم من كتاب: "تواضعُ النظرة".

 

خاص بـ تيريز. كوم 
17
/07/2003 
 

 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى