.سيقوم موقع تيريز في باب (مقام الضيوف)، باجراء سلسلة من الحوارات مع الكتاب الأكراد، بلغة السهل العادي اليومي. ودون تزويقات

 

 

مقام الضيوف



 

جان دوست

حتى تهبّ عليك رائحة الحرف

 
أجرى الحوار: موقع تيريز الالكتروني


* كيف كانت بداياتك مع الكتابة؟

ـ عندما أبصرت النور في الغرفة التي ولدت فيها، كانت سجادة والدي مفروشة على الأرض، وربما كان يضع على حافتها كتاباً في النحو العربي، أو تفسير القرآن أو المنطق.

تقول أمي: لما ولدت،َ ورفع جدك الأذان عند أذنيك الطريتين، جاء والدك ليطبق دفتي القرآن عند وجهك، حتى تهب عليك رائحة الحرف.

كان أبي دائم القراءة، ولا أتذكره جالساً في البيت إلا وبين يديه كتاب ما. بالطبع كانت جميع كتبه دينية صرفاً، وربما كان أحدث كتاب لديه يعود إلى قرنين مضيا من زمان العلم الإسلامي، إلا في القليل النادر، فلم أجد لديه مثلاً كتاباً للمفكر محمد عبده، أو غيره من المتأخرين.

كنت أصطدم في طفولتي بالكتب أنى يممت وجهي في الحارة التي سميت في كوباني حارة (سيدان) نسبة إلى جدي الشيخ صالح الذي ندبه المرشد النقشبندي أحمد الخزنوي إلى منطقة برازان، (أي كوباني وما حولها)، لنشر الطريقة النقشبندية وإرشاد الناس إلى الدين.

في بيت جدي وأعمامي أيضاً، كانت أشياء تتراصف في كوىً في الجدران، وكان لها إغراء كبير، وبدافع الفضول الطفولي كنت ألتقط كتاباً هنا، وكتاباً هناك، دون علم بما تحويه من عوالم فسيحة!!

وحتى عندما كان أبي وأمي يصطحبانني إلى عامودا في رحلة الصيف السنوية، كان مشهد الكتب المتراصفة في الكوى في بيت جدي الملا عبد اللطيف، يستأثر باهتمامي، وعندما كان أبي يأخذ بيدي لزيارة أصدقائه، ومنهم علامة عامودا الشيخ عفيف الحسيني في صومعته كانت ثمة كتب.

لا أبالغ إن قلت إن طفولتي كانت من ورق وحبر وكلمات صامتة بين ثنايا أغلفة من الجلد، وكنت أسمع من جمع الملالي الذين يلتقي بهم والدي، منافسات، بل مباهاة بحيازة الكتاب الفلاني من طبعة بولاق، أو الكتاب الفلاني من طبعة أحمد البابي الحلبي في مصر.. الخ.

شدني الحرف إليه شداً منذ الطفولة، وكان أخواي يقرضان الشعر، وجدت نفسي في العاشرة من العمر ذات نهار صيفي أخربش على الورق كلمات، ظننتها شعراً، كانت كلمات عربية،  ومنذ ذلك اليوم، وأنا أنزف الحروف التي أقضت المضاجع ولا تزال.

عندما أصبحت يافعا،ً بدأت ألتهم الكتب، حتى أنها وبدون مبالغة، ألهتني عن ملاعب الطفولة ومباهجها، وأذكر أن أمي كانت تعنفني قائلة عندما ترى بين يدي كتاباً: يا ولد إذهب والعب مع رفاقك. لكنني كنت أوثر اللعب مع الكلمات. ترى هل كانت تدري أن الحرف  يستنزف من يتعلمه!!

* تكتب الشعر والنقد،  لك عمل روائي مخطوط، وتترجم، وتعمل إعلاميا، كيف توائم بين كل هذه المشاغل؟

ـ كل ما ذكرته آنفاً، وسميته مشاغل ينتمي إلى بيئة واحدة هي الكتابة، إلا عملي في الإعلام وهو الوحيد الذي لا أعتبره من ضمن مجال الكتابة، ولله الحمد فقد ولى زمن جان دوست الإعلامي، وهو ما كان يشغلني فعلاً عن الكتابة، والركون إلى الصحائف. إذا كنت تقصد أنني أتجول بين أجناس كتابية متعددة، فهذا صحيح، كتبت الشعر وتركته، لضعفي وقلة بضاعتي في هذه الصناعة، فالشعر سلمه طويل، تزل عليه قدم من لا يحسن الارتقاء، أما النقد فأمارسه كوظيفة ثقافية وواجب لا يمكنني تركه، حتى ولو كان فيه موتي.

انتهيت قبل أيام من وضع اللمسات الأخيرة على رواية لي ترصد جزءاً هاما من تاريخ الكرد، وهي باللغة الكردية، أما الترجمة فهي من المجالات المحبوبة لدي، أستغل معرفتي بالكردية والعربية والفارسية لعمل شيء في خدمة الأدب الكردي، وجسر الهوة التي تفصل بين النتاجات الكردية المتباعدة زمنياً وجغرافياً ولغوياً أيضاً، ترجمتُ رائعة سليم بركات (مهاباد، إلى أولمبياد الله) إلى الكردية، وترجمت أنشودة المطر للسياب إلى الكردية، ترجمت الحديقة الناصرية في تاريخ وجغرافيا كردستان، للمؤرخ علي أكبر كردستاني، وكذلك مم وزين للشاعر أحمد خاني إلى العربية،  و كتب أخرى أيضاً.

الموائمة ليست صعبة، فكما قلت، كل ذلك ينتمي إلى بيئة واحدة، وأنا أعتبر نفسي كاتباً متعدد الاهتمامات، وما يشغل بالي هو إثارة أكبر قدر من الاسئلة حول الجوانب المسكوت عنها في التاريخ والثقافة الكرديتين.

* أنت من القلائل المهتمين بالتراث الكردي الكلاسيكي، هل هذا التراث يضاهي تراث الجيران؟

ـ أنت تقصد الجيران من الشعوب الفارسية والتركية والعربية!! للأسف، لا. ما خطه الكرد مقارنة مع ما خطه الآخرون قليل، لأسباب عديدة بينت كثيراً منها في مقالاتي التي رددت فيها على من لا يعترف بوجود كتابة كردية، وتراث كردي، والسبب الأول غياب دولة كردية طويلة العمر، يحكمها ملوك أو حكام متنورون. لم يشهد المجتمع الكردي الذي كان رعوياً عند مجيء الإسلام، استقراراً يفسح المجال أمام حدوث تراكم معرفي، وكانت الإمارات الكردية معزولة عن بعضها البعض بحواجز من اللهجات والجبال والذهنيات المختلفة، وكانت الأمة الكردية وهي تخوض معركة البقاء، مشتتة مبعثرة بحاجة إلى من يصهرها، وبحاجة إلى صدفة تاريخية لم تتيسر للكرد، أو لم يحسنوا هم استغلالها كدأبهم مع فرص كثيرة.

لنعد إلى السؤال، فإن كنت تقصد من المضاهاة، مضاهاة بالكمية، فهذا ما لم يتيسر للكرد، إذ أن ما تركوه قليل بالنسبة للتراث الهائل الذي خلفه العرب والفرس مثلاً. أما إذا كان القصد من المضاهاة، المضاهاة بالنوع، فهذا أيضاً لم يتيسر للكرد، إذ أنهم أبدعوا في الشعر ويكاد تراثهم بالكامل يكون تراثاً شعرياً، والشعر كما تعرف، طفولة الأمم في تطورها الثقافي الطبيعي، ولكن هل لا زال الكرد أطفالاً ثقافيين!! لا أظن،  فلقد بدأت النتاجات تظهر بمختلف أشكالها من الرواية، إلى القصة، إلى الشعر، إلى البحث، إلى المسرح، إلى ما هنالك من أجناس أدبية.

* كيف كانت تجربتك مع جريدة أفستا؟

ـ جريدة أفستا التي كان دلبخوين دارا وحسين حبش يشرفان عليها عند مجيئي إلى ألمانيا، كانت تبشر بخير كثير، واعتباراً من العدد الرابع أصبحت في هيئة التحرير، كنت مثقلاً بالهم المعرفي أكثر من الإبداعي، وقلت ذلك في أكثر من اجتماع ضمني والشاعر حسين حبش، والصحفي دلبخوين دارا.

بدأ الخلاف عندما وجدتُ أن أفستا يراد لها أن تصبح متنفساً للأقلام الشابة، والمواهب الناشئة في مجال الشعر، وحتى المكتوب منه باللغة العربية!! كنت صريحاً معهما، وقلت: أنا لا أحبذ أبداً تشجيع الإبداع باللغة العربية شعراً أو نثراً. يمكن هضم المسألة فيما لو تعلق الأمر بالإبداع باللغة الكردية، كانوا يقولون نحن لازلنا في البداية، وكنت أقول إن عمر الصحافة الكردية أكثر من مئة سنة، وهذا يعني أننا لسنا في البداية، وقد مرت تجارب صحفية كردية كبيرة منذ صدور جريدة كردستان في القاهرة أواخر القرن التاسع عشر، لا يمكنني مثلاً أن أسمح لنفسي بنشر خربشة شعرية باللغة العربية، وثمة صحافة عربية تنشر للعمالقة!! ما معنى أن أنشر حواراً مترجماً إلى العربية لغابرييل غارسيا ماركيز مثلاً، ورواياته تترجم، وتنشر لدى أرقى دور النشر العربية، تزامناً مع صدور الرواية بلغتها الاسبانية!!

ما معنى أن أنشر قصيدة للشاعر الألماني غوته مترجمة إلى اللغة العربية، ماذا أخدم بهذا العمل، وما مبرر ذلك وأعمال غوته منشورة بالعربية بلغة راقية، أجمل مما يرد إلى بريد أفستا بآلاف المرات!! حتى لو كانت اللغة التي ينشر بها نص عربي راقية جداً، فالنتيجة أننا نهمل الإبداع الكردي لصالح الإبداع العربي، الذي لا يحتاج إلى أفستا ولا إلى زرادشت حتى!!

كان هدفي أن تتطور أفستا من جريدة محدودة الآفاق، إلى جريدة ذات أفق معرفي واضح وواسع، ولم أجد ضيراً في نشر البحوث المتعلقة بالكرد وتاريخهم وهويتهم الثقافية باللغة العربية، لا أن تكون زاوية لشعر رديء، وهذا لا يعني أنني ضد الشعر سواء بالعربية أو بالكردية، ولكن كما قلت المعرفة ثم الإبداع، هذه أولوياتي ولا زلت عليها.

بالمناسبة هذه أول مرة أتحدث فيها عن تجربتي القصيرة الأجل مع أفستا، وإلى الآن لا أدري لماذا توقفت مباشرة عقب انسحابي منها!!

* ما هي آفاق الثقافة الكردية في ألمانيا، وكيف ترى أداءها الحالي مؤسسات وأفراداً؟

ـ حال الثقافة الكردية في ألمانيا هي حالها في الوطن!! فقاقيع تظهر وتطفو على السطح، ثم تنفجر فجأة، ونكتشف بعد فوات الأوان أنها كانت هواء.

ليس هناك انسجام، ولا مشاريع جدية، ولا روابط ثقافية، هناك أهواء وأغراض شخصية مع الأسف، والمشروع الثقافي هو مشروع فردي، بالرغم من استعداد الدولة الألمانية لدعم وتشجيع الثقافات المختلفة.

للأسف لم تظهر هنا رابطة مثل جمعية أبوللو الشعرية العربية مثلاً، العرب وغيرهم من ملل الله ونِحله نجحوا في تأسيس جمعيات ثقافية في المهاجر والمنافي، كانت لها أدوار مؤثرة في تطوير الثقافة في الوطن الأم، هناك العديد من المراكز الثقافية لشعوب كثيرة وهي مراكز فاعلة، وتقوم بنشاطات تجذب أنظار شعوب أوروبا، وتلعب دور الجسر في إيصال رسالة الثقافة . بالنسبة للكرد( وأنا أحدثك عن كرد سوريا)،  فالوضع مزرٍ  باستثناءات قليلة .

المؤسسات شكلية، وما هي إلا أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وإذا كانت هناك مؤسسات فاعلة قليلاً، فهي حكر على فئة معينة، وتتخذ طابعا عائلياً في أغلب الأحيان، نظراً  للمكاسب التي تدرها تلك المؤسسات على أصحابها، الأفراد ليسوا بأفضل حال من المؤسسات، الأنانية طاغية والانتهازية متفشية، بالرغم من سعة مجال الحركة، وإمكانية تأسيس جمعية شاملة تضم شرائح المثقفين بكافة تياراتهم إن كانت لهم تيارات!!

* مشاريعك الثقافية إلى أين أخذتك؟

ـ أظن أنك على علم بمشروعي الأخير حول ترجمة كتاب (عادات ورسوماتنامهء أكرادية) لأبي النثر الكردي ملا محمود بايزيدي، هذا الكتاب تحفة نادرة، نشرته على علاته في مجلة كولان العربي، بالتعاون مع محسن سيدا، الذي أمدني بهوامش قيمة، ولا زلت أشتغل عليه، ترجمته إلى العربية، ووضعت له هوامش مطولة، ولا زلت أتوسع فيه، وفي نيتي أن أحقق نصه الكردي أيضاً، وأعمل له هوامش، وإيضاحات باللغة الكردية، لشرح لغته الكلاسيكية وتيسيره حسب اللغة الكردية المعاصرة.

محمود بايزيدي يستحق الاهتمام والمتابعة، فهو أول من ترجم كتاب شرفنامه إلى الكردية، وكان بمفرده مشروعاً ثقافياً كردياً رائداً، أهمل مع الأسف.

 

خاص بـ تيريز. كوم 
13/07/2003   

 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى