.سيقوم موقع تيريز في باب (مقام الضيوف)، باجراء سلسلة من الحوارات مع الكتاب الأكراد، بلغة السهل العادي اليومي. ودون تزويقات

 

 

مقام الضيوف





محمد عفيف الحسيني
وحجلنامه

 

أجرى الحوار: قيس قاسم
غوتنبورغ

"حجلنامة"، مجلة متميزة بكل المقاييس الابداعية. كشفت ومن خلال زمنها القصير (ثمانية أعداد لحد الآن) عن رؤيا منفتحة على الآخر، الجارالعربي، متخلصة من عقدة النقص إلى رحابة الأفق الانساني، أمسكت بالهاجس الثقافي وتركت السياسي بعيداً، معتمدة على فهم يغلب التقارب الحضاري على صراعه، وهذا ما يتلمسه قارئوها بوضوح. غير أن المجلة، وبسبب من هذا التوجه، تعاني من صعوبات، وتعيقها حواجز كثيرة تمنعها من أداء دورها كاملاً، عن كل ذلك حدثنا رئيس تحريرها، الشاعر محمد عفيف الحسيني.   

 

* اللغة تصنع العالم كما يقول غوته، كيف تعكس حجلنامه عالمكم الثقافي الكردي، وهي تكتب بالحبر العربي، كما جاء في إحدى افتتاحياتها (أي لماذا العربية، والشعب الكردي يريد انتزاع حقوقه القومية، ومن أواليات ذلك ترسيخ لغته القومية)؟

ـ لقد كُتب حتى الآن، باللغة العربية، نصف الشجن الكردي! ومساهمة الكرد في تدوين اللغة العربية وآدابها، لايخفى على أحد؛ وبالتالي، حجلنامه هي جزء من هذا الولع اللغوي، وجزء من لوعة الكردي بالعربية؛ لكن، هذا لايعني، أن حجلنامه، احتكرت الكتّاب الكرد بالعربية فقط، بل، حاولت أيضاً، نقل آدابها مباشرة من الكردية إلى العربية، للجار العربي، الذي أَهمل نهائياً، وربما تجاهل هذا الشجن وهذه اللوعة. بالطبع، لم تكن غاياتنا في المجلة، غير هدف بسيط جداً، لكنه صعب جداً أيضاً: كيف يمكن تعريف الآخر من صحائفها بالثقافة الكردية؛ لم تكن المهمة يسيرة، وماكان الهوى يترقرق كثيراً بين أيدينا، في ظل التشرذم الكردي البليغ، لغة ووطناً وتشتتاً في المنافي؛ أيضاً يمكن القول بأن حجلنامه لم تتبنَ أبداً ترسيخ لغتها القومية، وهذه من مهمام الأحزاب أولاً، والمؤسسات ثانياً، والإعلام الكردي (بالكردية) ثالثاً. وليس في اليقين أن مجلة ثقافية تستطيع فعل ذلك.

* مفهوم الثقافة أوسع من مفهوم الابداع (شعر، قصة.. الخ)، أين باقي مفردات الثقافة الكردية؟ (الجوانب الأخرى التي لم تغطها المجلة إلى الآن: معمار، سينما.. الخ).

ـ صحيح، لكن، لم تهمل المجلة الجوانب الأخرى من الثقافة الكردية، بل، قدمت إلى الآن ثراء ثقافياً، أزعم، أنه قلما استطاعت مجلة كردية – بالعربية ـ فعل ذلك، رغم تجربتها الزمنية الخاطفة، وفي القاء مسح سريع على الألف والمئتين من صحائفها، حتى الآن، ستجد ذلك: الشعر الكردي، استقراءات نقدية مسؤولة، النثر، الرحّالة إلى كردستان (أجاتا كريستي) اللطائف، الأدعية الإيزيدية القديمة، الحكاية، الأسطورة، القص، الكرد في لغة الآخر غير الكردي، المعتقدات، التشكيل، التاريخ (وهو عدد مزدوج خاص)، وأخيراً ابداع المرأة الكردية بكافة تجلياته (أيضاً العدد الخاص المزدوج)، الأمر ليس بهذه الانسيابية في التعداد، بل تجاوز إلى محنة الجمع والترجمة من لغات عديدة: الكردية، التركية، الفارسية، الانكليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، ومادوّن أصلاً بالعربية.

أين المعمار الكردي على أرض الواقع في كردستان الحقيقية المذبوحة، وحجرها المذبوح؟! في الظن أن هذا المعمار أيضاً تجلى في السرقة من قبل الغير، أو لم تظهر معالمه جلية، أو لم تظهر معالمه الأركيولوجية تماماً، ماعدا مكتشفات الجزيرة في أوركيش تحديداً: كري موزا، وتل الفخارية، وهذا ما عالجناه، ولم نفته، لكن المعمار بمفهومه المعاصر، لم نجد له من أثر كتابي نشط؛ فقط في الفترة الأخيرة، صادفنا كتاب صديق كاتب ومهندس "آزاد أحمد" عن القرى الطينية في الجزيرة، وهذا علم بدأ يتشكل كردياً شيئاً فشيئاً. أما السينما، فأيضاً، هي من الفنون المستجدة، وإذا استثنينا الفذ "يلماز غوني"، فان السينما الكردية، ظلت تعاني من الأيديولوجيا الفادحة الدعائية السطحية والفجة، ومن ندرة الخبرات الفنية الاحترافية، وبالتالي، لم نستطع الاقتراب من هذا الفن المتشكل حديثاً في الابداع الكردي المشتت. يلماز كان في خطة المجلة، من حيث تهيئة ملف شامل عنه، والتنقيب عن حياته المغامرة الخاسرة الأليمة، لكن، كان الأمر يحتاج إلى تواجد في باريس، والنبش عن ملفات مركومة ضائعة، كان الأمر يحتاج إلى مساعدة من مؤسسة عتيدة موجودة في باريس، لاأدري ما شأنها هناك!، فلم نستطع أن نحقق رغبة دفينة في تقديم يلماز بما يليق به، دون صخب، ودون شطحات مبالغة عن عبقريته.

* تريد المجلة سد فراغ في الثقافة الكردية! هل باقي مناطق كردستان عاجزة عن ملء هذا الفراغ؟

ـ لاأظن أننا طرحنا الغاية بهذه الحدة والزهو المبالغ، فالمجلات الكردية الثقافية في كردستان وفي المنافي، أكثر من أن تُحصى ـ توقف الكثير منها ـ، أعني المجلات بالكردية، المهتمة بالشأن الثقافي، لكن، بالعربية، هي نادرة، إن لم أقل معدومة، وميزة حجلنامه ـ أزعم ـ أنها ربما سدت هذا الفراغ. أعني أنها فصلت السياسي عن الثقافي، ولم تلتفت كثيراً إلاّ إلى الغاية التي حددتها، أي التدوين الثقافي فحسب. وإلى حد ما، الاقتراب من التخوم الممنوعة (الإيروسية)، والأدب الشفاهي ومااندثر، أو الموشك على الاندثار في أرجاء كردستان (الحجرات الفقهية العلمية) على سبيل المثال.

* تسقط الكثيرمن المجلات المشابهة في فخ التجميع، واللهاث وراء كل ما يقرب تخصصها، كيف تجنبتم مثل هذة الخفة في الركض وراء كل ما هو كردي في الثقافة، وابعاد الرديء منه؟

ـ  هي حظوة حجلنامه، أنها لم تركن إلى الركاكة والانشاء في ثقافتها؛ لم تهتم بأباطيل الكتابة السوقية، ولا بموازين عجفاء لنصوص تستنفد الحبر من منظومة العجالة وخفة الترجمات البدائية. حقائق اللغة الكردية، وحقائق الثقافة الكردية المدونة بالعربية أو المترجمة إليها، كان التزامنا صارماً في الانتقاء، بعيداً عن الهوى الشخصي، وبعيداً عن الرغائب الشخصية؛ هي ـ المجلة ـ لم تجمع، ولم تطبع؛ تريثت كثيراً أمام الرداءة، وهي حظوة، بقدر ما تحولت كذا إلى بعض المعاداة الخفية من لدن الكتاب الألكترونيين.

* تعاني حجلنامة من صعوبات مالية وفنية، وهي المجلة المتميزة والجادة كما يشهد الجميع، هل هناك موقف منها، أعني موقف من الجهات القادرة على دعمها؟

ـ لاأدري تماماً موقف الآخر الكردي الحزبي منها، الأمر متروك لوجدان هذا السياسي الحزبي، وصحافته ومتابعته لأمر حجلنامه. لكن، المجلة لم تتلقَ أي دعم عيني من أي حزب، القادر منه، وغير القادر. وبسبب اختناقها المادي، ثمت العمل من أجل تدوينها الكترونياً في موقع ما. وطموح بهذا الحجم الكبير، بالتأكيد يتأثر قبل كل شيء بالمال، المال الذي افتقدته حجلنامه، ورافقها هذا الشح إلى الآن، ليس في الأمر مايدعو إلى الأكثر من الأسى: أن تثبت المجلة موقعها بامتياز ابداعها، ثم يتنازعها الافلاس. ويتأخر اصدار كل عدد بسبب من عدم توافر أثمان الطباعة، وهي ليست بالقليلة، في بلد يعاني من غلاء فاحش مثل السويد.

* السوراني والكرمانجي، فرعان رئيسان للغة الكردية، تعكسان ثقافة الأكراد المتكلمين بها، وتعكسان أيضاً تنوع متحدثيها جغرافياً وحضارياً، كيف وازنتم هذا التنوع في مجلتكم؟

ـ هي الموازنة تتأتى في بلاغة النص وقوته، سواء بسواء في اللهجتين الأساسيتين، لم يكن لنا من ميثاق مع الكاتب الكردي، غير ميثاق جرأة اللغة مسجلة في أعراف الابداع، ومنتسبة إلى روح هذا الكردي وشقيق هويته التي تتجرأ وتقول مبادلاتها وحرائقها وإيروسيتها وحيواتها الغاضبة وقلقها الجبلي وكيانها وجغرافيتها الشاسعة المنهكة والمنتهكة، لم نكن رقباء/ مخابرات في فقه العذاب الكردي بلهجتيه الشقيقتين، كانت حجلنامه مصانة من هذا الانشقاق، وفعلت ذلك بيقين عش كردي في المنفى السويدي.

* تبدو المجلة، ومن خلال قراءتها أنها نخبوية، هل هي كذلك؟

ـ نعم. بامتياز، هي مجلة نخبوية. وكانت صارمة في ألا تتحول إلى المشاع، المبذول.

* كيف نظر المثقفون الأكراد والعرب إلى هذا الجهد؟

ـ ربما هنا، يقين حجلنامه بأنها، اقتربت في مسلكها من عدوانية خجولة غير مفهومة، وكذا من حب منبسط، مثل ظلال وديعة جريئة، ثمت، وأنا أستعيد استقبال الكرد والعرب للتجرية، أستذكر برفاهية اللغة، حادثتين، الأولى: قام شاعر كردي في سوريا باستعراض احتفائي بصدور العدد الأول من مجلة كردية اسمها حجلنامه، في جريدة الكفاح العربي اللبنانية، فتعرض للمسائلة الشديدة. لكن، بالمقابل الثقافي الرقيق، الثقافي العربي الرقيق والنادر جداً: الصحافة العربية في المنفى ـ استثناء الزمان بعدائها ـ ، الصحافة الخليجية، المواقع الالكترونية العربية ـ إيلاف، جهة الشعر، كيكا ـ، المواقع الكردية الالكترونية ـ استثناءً المبتدئين المشرفين على بعضها ـ، كانت المتابعة من لدن هذا الإعلام مسراً للرغبة في آفاق أكثر ولعاً بالجديد الابداعي الكردي، وبالجديد اخراجاً ولغة وموضوعاً.

والثانية: ثمت صحافي كردي موسوعة في تدوين تاريخ الصحافة الكردية منذ بداياتها القاهرية الرائدة، إلى اليوم، إسمه جمال خه زندار، العاكف منذ سنوات على إنهاء مجلداته الكثيرة حول هذه الصحافة ـ بالكردية تحديداً ـ، أضاف حجلنامه إلى موسوعته، وهي ـ أعني حجلنامه ـ بالعربية.

ثمت كذا، متابعات مبتسرة، وحزينة، ومشوشة لها؛ ودون عناء حتى بتصفحها. متابعات المرتزق بالحبر.

 

* احتوت أعداد المجلة على كتابات عربية، هل هي مساهمات تطوعية من الكتاب العرب؟

ـ نعم؛ هي كذلك.

* هناك جزء مغمور من الثقافة الكردية، وأعني ثقافة الكرد قاطني مناطق روسيا، هل فكرتم بتغطيته، وكيف؟

ـ نعم، وبالضبط ماسنحاول انجازه في العدد القادم، بالرغم من أننا لم ننسَ هذا الجانب، بل نشرنا قصيدة لشاعر ورائد من هناك اسمه "جاسم جليل"، كذلك مقالة مفصلة وشاملة ودقيقة عن الوضع الكردي الثقافي ـ في إطاره السياسي التاريخي ـ في جهات روسيا المعذبة النافرة القاسية الفظة، الأكثر بطشاً بالكرد وثقافتهم، زمن ستالين، أيضاً مقالة ممتعة عن الكرد الأسرى هناك، زمن حرب القرم.

بالتأكيد يجب تقديم هذا الأدب الرائد هناك، والذي يتعرض الآن للنسيان المطلق؛ ويتعرض كتابهم إلى اهتراء قمصانهم من العوز والجحود والبطالة، كما تعرضوا سابقاً إلى منافي سيبريا في الزمن الشيوعي السعيد!. سندون كل هذا في العدد القادم من حجلنامه.

* الجهد المبذول في حجلنامة شخصي ومحدود، والعمل بهذا الشكل متعب دون شك، ألا تفكرون بتحويل هذا الجهد الفردي إلى مؤسساتي؟

ـ المؤسسة هي أموال. وإدارة بليغة في الأداء. لا نملك المال، ولا بلاغة المدراء.

* ماذا يعني اسم حجلنامه؟ وإلى أية مديات يريد أن يحلق هذا الطائر الكردستاني الجميل؟

ـ حجلنامه: رسالة الحجل. سألوا مرة الجنرال ملامصطفى البارزاني: أين تنتهي حدود كردستان؟ فأجاب: حيث يحط الحجل. مدى حجلنامه، حيث يحط الحجل.

 

* نص الحوار، الذي أجراه الناقد والصحفي العراقي "قيس قاسم"، مع محمد عفيف الحسيني، ونشر أولاً في صحيفة "الاتحاد" الإماراتية، بتاريخ 7/7/2003. وكما ورد في الحوار، فإن حجلنامه، بدأت بالتحضير للعدد الجديد، والذي ستخصصه للأدب الكردي في روسيا. وتدعو السادة الكتاب والباحثين والمترجمين ـ خاصة أولئك الذين كانوا طلاباً هناك ـ إلى المساهمة في هذا العدد الخاص، وارسالها إلى العنوان الالكتروني التالي:

Hajalnama@hotmail.com

تيريز. كوم 
11/07/2003 

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى