Bi xêr hatin malpera Tîrêj...Tevayî û çandî ye....   

 

 

 الكلاسيك الكردي 



دكتور بدرخان عبدالله سندي

 

الحكمة الكردية

(جمهرة من الأمثال والحِكمة الكردية)

 

تعرّف الموسوعة البريطانية، المثلَ، على أنه قول بليغ محكم، يستخدم في نطاق عام، إذ أنه من التعابير المتداولة بين الناس؛ والأمثال هي جزء من أية لغة متكلمة، وتعود إلى بعض أشكال الأدب التراثي (الفلكلوري) المتناقل شفاهاً.

أما إبن عبد ربه، فقد عرّف المثل، تعريفاً بليغاً في العقد الفريد: "وَشْي الكلام وجوهر اللفظ، وحلى المعاني"، ثم يقول في قيمة الأمثال: "هي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عمّ عمومها حتى قيل أسير من مثل".

ونرى الحِكَم والأمثال تنتشر في كل أرجاء العالم، ويمكن أن نلحظ بعض أشكال التماثل بينها، وترى الموسوعة البريطانية، أن الحكمة الواحدة قد تتفاعل مع حضارات مختلفة، فتظهر في عدد من اللغات، زد على هذا أن بعض الأمثال قد بلغتنا من عمق التاريخ البعيد، مثل: "العين بالعين، والسن بالسن"، وترد هذه الأمثال على الأغلب من مصادر مجهولة، ويصعب تعقب آثارها، ذلك لأنها مقطوعة عن مصادرها، ولأنها غير مدونة.

إن معظم المجتمعات المثقفة، قيّمت أمثالها، وما ملكتْ من حكمة، فجمعتها، من أجل جعلها في متناول الأجيال اللاحقة، وكي تحافظ عليها من التشتت والتغير والاندثار، فهي ميراث أصيل، ينبغي الحفاظ عليها.

هناك مجاميع من الأمثال مستمدة من التاريخ المصري القديم، وتعود إلى عام 2500ق.م، وكذلك وجد في الآثار السومرية أن القواعد النحوية قد دونت بالاعتماد على أمثال، وقد وظفت في الصين وفي غابر الزمان لأغراض التعاليم الدينية، وكذلك وظفت في الكتابات الفيداكية من أجل شرح وتعزيز الأفكار الفلسفية.

ويشير أبو الحسين بن وهب في "البرهان في وجوه البيان" إلى دور الأمثال في بلوغ الغايات، إذ يقول:

"وأما الأمثال، فان الحكماء والعلماء والأدباء، لم يزالوا يضربون الأمثال ويبينون للناس تصرف الأحوال بالنظائر والأشباه والأمثال، ويرون هذا النوع من القول أنجح مطلباً وأقرب مذهباً، ولذلك جعلت القدماء أكثر آدابها وما دوّنته من علومها بالأمثال والقصص عن الأمم، ونطقت ببعضه عن ألسنة الطير والوحش، وإنما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها والمقدسات مضمونة إلى نتائجها".

وأوُلى الاهتمامات المدونة المنشورة للأمثال والحكم في العالم الأوربي، ظهرت كما يبدو في كتاب صدر عام 1500 في باريس، ويقع في 76 صفحة من القطع الكبيرة، وقد أشار إلى ذلك المستشرق الألماني رودلف زلهايم.

لقد وظفت الحكم والأمثال في الآداب الشرقية والغربي، ونجد شواهدَ كثيرة على ذلك في الأداب العربية والكردية، تتجلى في التضمينات الشعرية، أما في الآداب الأوربية، فقد بلغت ظاهرة توظيف الأمثال ذروتها في إنكلترا في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، وقد كتب جون هاي وود، عام 1546 حوارية أدبية كاملة عن طريق توظيف الأمثال. أما في أمريكا، فان أشهر استخدامات الأمثال في الأدب ظهرت في (ريتشارد الفقير)، التي نشرها بشكل متسلسل بنيامين فرانكلين في الفترة 1732 ـ 1757، وان الكثير من المقولات التي وردت في ريتشار الفقير اعتمدت على الأمثال الشائعة في أوربا.

ومع بداية القرن العشرين باتت ظاهرة دراسة الفلكلور عموماً، ودراسة الأمثال والحِكم خصوصاً، كمادة حية، تعكس الحضارة التراثية للشعوب، وهكذا خضعت الحكم والأمثال الكردية إلى جهود عدد من المعنيين ممن توافروا على هذا النتاج التراثي الزاخر، لأنه يمثل بعداً تاريخياً واجتماعياً مهماً في حياة المجتمع الكردي، يفيد الدارس، ويغني المتتبع الذي يروم فهم واقع الحياة الاجتماعية للشعب الكردي.

وتعتبر الأمثال والحكم الكردية جزءاً من الفلكلور، فهي إحدى أوجه التراث الفكري الاجتماعي لدى الكرد، وتلعب دوراً واضحاً في مجال العلاقات الاجتماعية من خلال اللغة اليومية في المدينة الكردية، أو الريف الكردي، وهي ـ الأمثال والحكم الكردية ـ غزيرة إلى درجة ملفتة للنظر، ولانغالي إن قلنا أنها تناولت كل مناحي الحياة، واحتوت كل مايمكن أن يطرأ من مواقف تفرزها العلاقات الجدلية بين الفرد والمجتمع، والتفاعل المستمر بين الانسان والبيئة الطبيعية التي تؤثر فيه، ويؤثر فيها، ومن هنا، جاءت المقولة الكردية: "ما ترك الكبار شيئاً للصغار"، أي لم يدع الكبار شيئاً، إلا وأودعوا فيه مثلاً أو حكمة، فكان أن ترك السلف للخلف كنوزاً من الحكمة والأمثال التي يمكن الاهتداء إليها كمعايير اجتماعية وسياسية واقتصادية وانسانية، وهي في غالبها تحاول أن تمنطق العلاقة بأدوات قيمية بين الفرد والمجتمع من جهة، وبين الفرد ومحيطه المادي من جهة أخرى. ولقد استطاعت هذه الحكم والأمثال أن تحافظ على نفسها، وتنتقل من جيل إلى آخر، عبر الحافظة الاجتماعية، فطبيعة (الحكمة) أو المثل اختزال في العبارة، وتكثيف في المعنى، وغالباً يحمل المعنى اثارة منطقية أو عاطفية، فيميل الفرد إلى خزنها في الحافظة، وتداولها أنّى بانت الحاجة، وهكذا تناقلتها الأجيال دون أن تكونَ هناك حاجة إلى تدوين، أو بعبارة أخرى، فإن الأمية وغياب التدوين، لم يمنعا من استمرارية الحركة التاريخية لهذه الأمثال وتواصلها، حتى بلغتنا رغم مصائب التاريخ ونوازله.

لقد اهتمّ المستشرقون بالحكم والأمثال الكردية، فانبرى بعضهم يتقصى ويجمع، وآخر يحلل ويفسر؛ ولقد قامت دراسات في هذا المجال، ولعل النشاط الاستشراقي في الاتحاد السوفييتي، كان أكثر اهتماماً بهذا الموضوع من مناطق أخرى في العالم، أولت تراث العالم الشرقي اهتمامها.

ولقد أشار العالم الأرمني المعروف "أبو فيان" في منتصف القرن التاسع عشر إلى ثراء التراث الكردي ومستواه الرفيع. ومن علماء التراث الموموقين ممن أعاروا التراث الكردي بما في ذلك الحكم والأمثال اهتمامهم، ف. أ كوردلفيسكي، و ن. يامار وأوبلي، والبرفسور ف. مينورسكي وغيرهم، وحاول هؤلاء جمع الفلكلور الكردي وتصنيفه وتعتبر نشاطاتهم الرائدة تلك أسس التدوين الأثنواغرافي واللغوي للشعب الكردي.

وقد وجدت بعض الكتب القيمة في مجال التراث الكردي طريقها إلى الطبع، قام بتأليفها كتاب ومتخصصون في الاستشراق مثل أ. سوتسين وئه. بريم و أ. زاباومان وماكاش هايكوني، وغيرهم.

إن للأمثلة والحكم الكردية تسميات مختلفة، إذ يطلق عليها البعض "أقوال العظماء"، ويسميها آخرون "أقوال الماضي"، وتسمى أيضاً "أقوال الآباء والأجداد"، وعلى أية حال، ومهما اختلفت التسميات، فانها لاتخرج عن دائرة الأمثال والحكم، ولعل أول جهد مدوّن متقصد لجمع الأمثال، كان على يد الملا محمود البايزيدي، الذي عاش في القرن التاسع عشر.

وقد قام المستشرق بيوتر ليترخ بترجمة بعض الأمثال مماجمعه البايزيدي إلى الروسية والألمانية، وطبعت هذه المجموعة في عام 1857، وفي عام 1878 قام س. إيفي أزاروفدا ضمن نشاطات الجمعية الامبراطورية الروسية للجغرافيا في منطقة قفقاسيا، وكان هذا مسؤولاً عن يريفان في أرمينيا بوضع كتاب، عنوانه (العِبر الأتنوغرافية الموجزة حول أكراد ولاية إيريفان). وفي عام 1891 طبع هذا الكتاب في تبليس، وقد قام المؤلف بطبع نصوص كردية، تتضمن عشرات الأمثلة والحِكم.

لقد شغلت الثقافة والتراث الكرديين اهتمام الكتاب والخبراء الأرمن؛ ففي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظهرت كتابات عديدة في الصحف الأرمنية عن الأثنوغرافيا الكردية والفلكلور الكردي، وكان للخبير الفلكلوري المتخصص، الأرمني القومية، ساركيس هايكوني 1838 ـ 1908، دور كبير في المناطق الكردية التي كان يعيش فيها آنذاك في جمعه للتراث. وقد طبعت الأمثلة والحِكم الكردية مع ترجمتها الأرمنية في الترانسكربسيا الأرمنية توثيقاً لذلك، وهكذا أصبحت هذه من بعد، مصدراً ثراً لكل من يريد أن يدرسَ الحِكم والأمثال الكردية، وتعتبر هذه خطوة واسعة في مجال جمع وطبع الأمثلة والحكم الكردية. وقد نشر الحاكم السياسي الانكليزي نوئيل، وهو ضابط في الجيش البريطاني في العشرينات، دراسة موجزة بعنوان "الشخصية الكردية، كما تتجلى من خلال الأمثال الكردية والمقولات الشعبية"؛ وقد نشرت هذه الدراسة في مجلة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، وقد اعتمد نوئيل في مقاله هذا على منطقة حكّاري في كردستان، حيث أقام هناك فترة من الزمن، ويجاول نوئيل في دراسته هذه أن يلقي بعض الضوء من خلال الحِكم والأمثال الكردية، على بعض قيم المجتمع في الحرية والصدق والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وتقسم فصول موضوعه أو تصنيفه للأمثال الكردية على الشاكلة الآتية:

1ـ الزواج.

2ـ المرأة.

3ـ الغِنى والفقر.

4ـ الضيافة.

5ـ الجيرة.

6ـ العلاقة بالعثمانيين.

وقد اطلع الفرنسيون أيضاً على الحكم والأمثال الكردية، وذلك من خلال كتاب قام باعداده كل من الكاتب الكردي المعروف الأمير جلادت بدرخان والكاتبة الفرنسية لوسي بول ماركريت.

وفي عام 1937، نشر المستشرق الفرنسي روزيه ليسكو في المجلة الاسلامية التي تصدر في باريس، موضوعاً حول الأمثال الكردية، وقد أخذ ليسكو بعض هذه الأمثال من أفواه المتكلمين بها، وأخذ البعض الآخر من كتابات الأمير كامران بدرخان.

لقد جمع روزيه ليسكو أكثر من 280 مثلاً كردياً، وصنف هذه الأمثال إلى موضوعات: الشرف، الحب، التاريخ، الأمنيات، العطف، الأنانية، النجدة، وغيرها، وتوضح هذه الأمثلة التي انتقاها روزيه ليسكو، طبيعة الحياة الاجتماعية الكردية في المناطق الجبلية والسهلية.

إن أولى المحاولات في نشر الأمثال والحكم الكردية في العراق، كانت من قبل المرحوم الأستاذ إسماعيل حقي شاويس، فقد طبع عام 1933، كتابه "قسه ى بيشينان: أقوال الماضي" في مطبعة "أيتان" في بغداد، وقد أدرج المرحوم شاويس 613 مثلاً وحكمة كردية، واتسمت الأمثال التي جمعها ونشرها بالروح الوطنية ومقارعة الأجنبي والتصدي للاقطاع والمستغل، وكذلك مايتعلق بالأمور والعلاقات الاجتماعية.

وفي عام 1938 قام المرحوم الأستاذ معروف جياوك بطبع كتابه "هه زار بيز و به ند: ألف مقولة ومثل" في مطبعة النجاح، ومن عنوان الكتاب نستكشف أن المرحوم جياوك، قد أدرج ألفاً من الأمثلة والحكم الكردية في كتابه هذا.

وفي عام 1957 قام فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الخال بطبع كتابه "به ندى بيشينان: مقولات الماضي"، وقد تبنى الألفباء في تسلسل الأمثال، كما حاول أن يفسر بعض ما تعنيه هذه الأمثال والحكم في هوامش ضمن صفحات الكتاب.

وقد قام الأستاذ عمر شيخ الله عام 1980 بطبع مجموعة من الأمثال والحكم، وراعى أن يدون هذه الأمثال بالشاكلة التي تلفظ محلياً، وفي مواقع تداولها، دون تغيير، والتزم تسلسل الألفباء أيضاً.

وآخر ما صدر، كان كتاب الأستاذ حجي جعفر "قه سيت مه زنا: أقوال العظماء" عام 1986، وتضمن 2350 مثلاً، مسلسلة حسب حروف الألفباء، وقد أفرد فصلاً عن توظيف الأمثال في الشعر الكردي.

هذا، بالاضافة إلى بعض الدراسات والكتب المعنية بالأمثال الكردية، مثل كتاب الأستاذ كريم شاره زا، حول الأمثال الكردية في الشعر الكردي، ولقد اهتمت الصحافة الكردية عبر تاريخها بالأمثال والحكم الكردية، وأوْلتها عناية خاصة، فعلى سبيل المثال، نجد أن مجلة كه لاويز الاجتماعية السياسية التي كانت تصدر في بغداد، تكاد ألا تهمل في أي عدد من أعدادها مسألة الأمثال الكردية، ودرج عدد منها في كل عدد.

وكذلك، يمكن أن نرى بعض المجلات الكردية الأخرى، وقد اهتمت بدورها بجمع الأمثال الكردية، وتشجيع القراء على ارسالها للمجلة، مثل مجلة "دياري كردستان: هدية كردستان" و"ده نكي كيتي تازه: صوت العالم الجديد" و"هه وار: النداء" و"روناهي: الضياء"، وسواها من المجلة والصحف الكردية.

أما الشاعر الكردي المعروف "بيره ميرد" رحمه الله، والذي كان يرأس تحرير جريدة "زين: الحياة"، الصادرة في السليمانية، فقد صاغ مايقرب من 6500 مثلاً وحكمة كردية، صياغات شعرية، أي نظمها، ونشرها في أعداد جريدته.

وفي عام 1957 طبع في يريفان عاصمة أرمينيا السوفيتية كتاب بعنوان "فلكلور الكرمانج"، والكرمانجية اسم اللغة الكردية، وقد ضم هذا الكتاب 360 مثلاً كرديا، جمعت من أفواه قائليها من الكرد، وصنفت حسب حروف الألفباء.

وفي عام 1961صدر عن مكتبة الآداب الشرقية في موسكو كتاب عنوانه "أمثال وحكم الشعوب الشرقية"، وكانت الغاية من هذا الكتاب، اطلاع القارىء على الجانب الفلكلوري من حياة الشعوب الآسيوية والأفريقية، وقد ضم هذا الكتاب أكثر من 350 مثلاً وحكمة كردية، قام بترجمتها من الكردية إلى الروسية البرفسور قناتي كوردو، أستاذ الدراسات الكردية في معهد الاستشراق في لينينكراد، و م. رودينكو.

ثمة ملاحظات عديدة وجدنا من الضرورة بمكان أن ندونها، دفعاً لبعض الالتباسات المتعلقة بطبيعة جمع وتصنيف وترجمة وتحليل الحكم والأمثال الكردية، وتوخياً للاجمال والوضوح والدقة، آثرنا أن ندرج هذه الملاحظات في نقاط محددة:

أولا: لقد قمنا بتصنيف هذه الأمثال والحكم، إلى الأصناف التالية:

الله. الوطن. العقل والنصيحة. الحياة والموت. الحق والحقيقة. العمل والاعتماد على النفس. الرزق والمال والممتلك. الخير والشر. القوة والشجاعة والخوف. العلاقات الاجتماعية الأسرية. اللسان. التربية والخبرة. العقاب والثواب. المرأة. الجمال والمظهر. الحب والسعادة. الأمل والصبر والحظ. الوفاء والتعاون والقرض. السخاء والطمع والضيافة. الكذب والسرقة والانتهازية والحيلة. السمعة والخجل. مفارقات. منوعات.

ولاندعي أن هذا التصنيف حدّيّ ونهائي، فرب حكمة احتملت أكثر من تصنيف، لكننا آثرنا الاختصار، ونأينا عن التكرار قدر الامكان.

ثانياً: هناك من الحكم والأمثال ضمن الصنف الواحد، يمكن أن توظف لأكثر من غاية، ولذا يجد القارىء الكريم أننا في شرحنا لهذا الضرب من الأمثال قد قدمنا ما تحتمله الحكمة من شرح أو تفسير، ولاندعي أننا قد أعطينا كل حكمة ما تحتمله من معانٍ، رغم أن هذا النوع من الحكم والأمثال لايمثل نسبة عالية.

ثالثاً: إن عدداً غير قليل من هذه الحكم هي في الأصل سجع كردي جميل، لكن الترجمة أفقدتها جمالية السجع.

رابعاً: إن هذا الكتاب لايمثل إلا جزءاً من الحكم والأمثال الكردية، وليس كل ما ملك الشعب الكردي من حكم وأمثال، ونأمل أن يأذن لنا المستقبل في أن نجمع الكثير الكثير من هذا النمط التراثي، كي نضيفه إلى هذا الجهد المتواضع، وربما سنحت الفرصة لزميل آخر، كي يتمم ما بدأنا به، فهذا الكتاب ليس إلا بداية على طريق الحكمة الكردية وتعريفها لقراء العربية.

خامساً: قد يقف القارىء على بعض أشكال التناقض قي بعض الحكم والأمثال، والحقيقة، فإن الانسان عبر تاريخه وحياته الاجتماعية، حاول أن يفلسف ويعلل ويبحث عن حل أو تخريج لكل موقف من مواقف الحياة المؤلمة، ولولا هذه القدرة التبريرية لدى الانسان واستلال التعاليل المقتعة، لاستحالت حياته إلى جحيم لايطاق.

إن هذه الظاهرة (التناقض) الذي قد يلمحه القارىء في بعض الأمثال أو الحكم، يمكن أن نجدها في أمثال وحكم كل الشعوب وكل اللغات، ففي الوقت الذي نجده على سبيل المثال في اللغة العربية أمثلة وحكما تشدد على القناعة والرضا "وليس بالامكان أبدع مما كان"، نجد عدداً من الحكم والأمثلة التي تؤكد على الأمل، وتحاول أن تدرء عن الانسان آفة اليأس أو الوقوف على قناعات محدودة "فلولا الأمل لبطل العمل"، و"يموت الانسان، ويزرع على قبره شجرة الأمل"، وغيرها.

ومثلما نجد في العربية حكماً وأمثلة تؤكد على التحمل وكظم الغيظ والجنوح للسلم والعفو، نجد بين أيدينا من الأمثال التي تحفز على الاقدام والأخذ بالثأر والتأكيد على لغة السيف.

ولانجد في هذا تناقضاً جوهرياً في الأمثال أو الحكم، قدر ما نجد في مواقف الحياة واختلاف حاجات البشر واضطراره لأن يعالج آلامه وجروحه ومواقفه المحرجة بحِكَمٍ وأمثال مستساغة عملياً ونفسياً، ولها قدرة على معالجة الموقف.

سادساً: لقد اعتمدنا على عدد من المصادر المطبوعة المعنية بجمع الحكم والأمثال الكردية، واخترنا منها عددا كبيراً لمادة هذا الكتاب، بالاضافة ما حاولنا جمعه، ولايسعنا إلا أن ننظر بعين الاعجاب لجهود الأحياء منهم والأموات، ممن اهتموا بجمع الأمثال والحكم الكردية، وأشرنا إلى أسمائهم في قائمة المصادر الخاصة بهذا الكتاب.

إننا إذ نضع هذا الكتاب بين أيدي القارىء الكريم، نأمل أن نكون قد قمنا بمحاولة متواضعة للتعريف بهذا الضرب من النتاج التراثي للمجتمع