|
القص
--------------------

فرات جوري
حلم أورهانوف
الترجمة عن الكردية: فواز عبدي
بعد قضاء عشر سنوات في السويد، قرر أورهان أن يقوم بزيارة إلى
الوطن.
- لن أخبر أحداً؛ ـ
قال لنفسه- لا أصدقائي هنا، ولا أهلي. فإذا ما أخبرت سردار فإنه
سيخبر الجميع، لا يستطيع كتمان سر. لن أخبر أحداً. أعلم أنه سيغضب
وينـزعج، لكن لا يهم، أستطيع إرضاءه فيما بعد.
بعد يومين جهز نفسه للسفر، ملأ حقيبة بالهدايا والملابس، لكن فجأة
جاءته فكرة.
-لا، قال، لن آخذ معي شيئاً. سأذهب خالي اليدين. وإذا كان لابد من
هدايا فسأشتريها هناك في تركيا. آااااه... كم سيكون رائعا! سيراني
أخي آزاد وسيركض نحوي ثم يبشر أمي بقدومي. لكن الكلب سيكون قد كبر
الآن. أجل، أجل، لقد كبر... ألم يكتب لي والدي في إحدى رسائله لي:
«لقد كبر آزاد، إنه يمشط شعره و"يعاكس" الفتيات». ها ها، من الأفضل
أن أذهب ليلاً كي لا يراني أحد. سأذهب بكل هدوء وأقرع الباب. «من؟»
ستسأل أمي بصوتها الرفيع. لكن سأغير نبرة صوتي وأقول بصوت جهوري:
«افتحوا الباب». «من أنت؟» ستسأل أمي. سأجعل صوتي رفيعاً هذه
المرة. «افتحوا الباب بسرعة». سينتفض أخي خليل من فراشه وسيخبئ
كتبه بين أكياس القمح، وتقول أمي: «ابني غير موجود، لا نعرف
مكانه». حينها سأقول: «أمي، افتحي الباب!» سيقول أخي الأوسط بصوت
خافت: «لا تفتحوا الباب، إنهم العسكر، يكذبون». سأكرر «افتحوا
الباب». سيقول أبي: «والله هذا صوت أورهان». سيركض الجميع معاً نحو
الباب لفتحه. أخاف وقتها أن تصيب أمي سكتةٌ قلبية. لا، لا. لن أذهب
على هذا النحو. من الأفضل أن أذهب نهاراً. يقولون إن المخبرين قد
ازدادوا عدداً. ولكن من سيعرفني!؟ لقد مرت عشر سنوات على مغادرتي
الوطن. وقتها ما كان لي شارب ولا لحية. لقد تغيرت ملامحي الآن. نبت
لي شارب ولحية، وشاب شعر صدغي.
في هذه الأثناء قرع باب داره، فأسرع إلى وضع الحقيبة في الخزانة،
حمل تذكرة السفر عن الطاولة ووضعها في جيبه ثم أسرع وفتح الباب.
دخل سردار.
- أوه- قال سردار مبتسماً- ما هذه الملابس الجميلة التي ارتديتها؟
هل ستذهب لحضور كونفرانس، أم لمقابلة إحداهن.
- ...
دخلا معاً، وأشعل كل منهما سيجارة.
- والله إني متضايق. -قال سردار مهموماً- ها قد قضينا عشر سنوات في
هذا البلد، ما الذي نلناه!؟
ـ أما أنا فإني ذاهب. –قال أورهان- سأذهب إلى أهلك أيضاً.
إلى أين ستذهب؟
إلى الوطن.
ماذا!؟ إن ذهبتُ أنا، فإنك ستذهب!.
والله سأذهب.
دع هذه الأساليب، إنك لن تستطيع خداعي.
حسناً. لا تصدق.
وهل تظن أني أصدقك؟
صدق أو لا تصدق، فذاك عندي سواء.
دع هذه الأساليب. كررها سردار.
أخرج أورهان تذكرة الطائرة وأراه إياها:
هل تصدق الآن؟
تناول سردار التذكرة وأمعن فيها:
إذاً أنت جاد في السفر؟
طبعاً، علي أن أذهب بعد نصف ساعة. وإلا تخلفت عن الطائرة.
وهل يعلم أهلك بذهابك؟
لا، لم أخبر أحداً. ما كنت سأخبرك أيضاً، ولكن لا يهم فنحن أصدقاء.
تحدثا عن الغربة قليلاً، وعن الفتيات والسياسة، ثم طلب منه سردار
عدة طلبات ووصايا، واتجها معاً إلى المطار.
قبل صعود أورهان إلى الطائرة قال سردار:
- لا تنس ما طلبته منك.
لوح الصديقان بأيديهما وحلق أورهان عالياً.
***
مع هبوطه في مطار استنبول، كان في استقباله شيخ وعجوز وثلاثة شباب.
احتضنته العجوز باكية وقالت:
آه، الحمد لله أنك عدت يا ولدي. ما شاء الله لقد أصبح ولدي كأسد.
Ooh Gud,
vi trodde aldrig att vi skulle träffa dig igen (1)
قال الشيخ.
إنهم والداه وأخوته الثلاث.
وما أدراكم بمجيئي اليوم؟ قال أورهان مستغرباً.
Vi visste.
Vi vet allt. Der är Gud som meddelar oss? (2)
قال أبوه.
- من أين تعلمت التحدث بالسويدية؟ قال أورهان باستغراب.
قالت أمه:
-
Hemma pratar vi svenska. (3)
أبوه رجل قصير القامة. سرح شعره الأشيب إلى الخلف، وأمام عينيه
نظارة مائلة إلى السواد، ذات إطار خشبي، دائم الابتسامة. أمه أطول
من أبيه بمقدار إصبعين مضمومتين. كانت أمه –قبل مغادرته الوطن-
تغطي شعرها، لكنها الآن حاسرة الرأس، مرتدية فستاناً قصيراً ذا
أكمام قصيرة، نحفت قليلاً، وغارت وجنتاها. لم يتغير في والديه شيء
سوى ملابسهما. أما أخوته، فلم يعرف سوى الكبير بينهم، ولولا أن
أخاه الكبير قد أرسل له صورة لما عرفه هو الآخر.
أخوته الثلاثة كانوا أطول منه. وأصغرهم أطولهم قامة. وسيم، قد
ارتدى طقماً أسود. أما الآخران فقد ارتدى كل منهما طقماً أبيض،
وأحذية مختلفة الألوان.
إيه، وكيف علمتم بمجيئي اليوم؟ سأل أورهان بصوت نصف باك ونصف رجاء.
كنا نعلم، كنا نعلم. قال أبوه. صحيح أنك لا تؤمن بالله، لكنه الله
أعلمنا.
احتضن كل منهم أورهان ثانية.
- هيا لنذهب ـ قال الأب- كي لا نتأخر عن الباص.
ساروا معاً باتجاه موقف الباص، صعدوا باصاً واتجهوا إلى دياربكر.
وفي الطريق كان أبوه وأمه وأخوته؛ كل من جهة، يشير له من خلال
نافذة السيارة، ويقول:
- انظر، كنا نكتب لك ونقول، لقد أصبح وطننا جميلاً، أصبح جنة، ولم
تكن تصدق. لم نعد نر العسكر ولا الشرطة، اختفى القتل والثأر،
انتشرت المحبة بين الناس. ألم تكن هذه أمانيك؟ انظر، ما أجمل
الوطن.
- أي والله ـ قال أورهان- لقد أصبح وطننا أجمل من السويد.
- ولكن هذا لا يشكل شيئاً أمام جمال مدينتنا!
في الساعة التاسعة توقفت سيارتهم في مدينة. كانت المدينة مدمرة،
وقد أحال الرصاص أبنيتها العالية إلى غربال.
- أهذه هي مدينتنا الشبيهة بالجنة. سأل أورهان بنبرة لا أمل.
- لا يا بني ـ قال الأب- هذه بيروت، لبنان... الناس هنا يأكلون
بعضهم، كل يعتدي على الآخر، واحدهم يقتل الآخر. هذه بيروت!
تملكت أورهان حيرة واستغراب:
- إذا كانت هذه بيروت، فما الذي أتى بنا إليها؟
- هذه قصة طويلة يا بني! عند وصولنا إلى البيت بالسلامة سأقصها
عليك .
وصلت سيارتهم إلى دياربكر. وحين نزلوا وساروا باتجاه البيت، قال
الأب:
- ألم نقل بأن بلادنا قد أصبحت جنة. انظر أليست كالجنة.
فعلاً، فقد كانت المدينة كالفردوس، كان العمران حديثاً، والبيوت
بيضاء، كل شيء كان عامراً؛ البشر، الدكاكين، السيارات.. باختصار،
كان كل شيء قد تطور.
قال أخوه الصغير:
- لم تكن تصدق. أين البوليس؟ أين العسكر؟ لقد راحوا. لقد أفل
عصرهم. أفلت دولتهم... نحن هنا وحدنا.. نحن الدولة.
أقيمت الأفراح على صوت الطبل والمزمار ثلاثة أيام بلياليها
احتفالاً بقدوم أورهان، ذبحت الخراف والأكباش ووزع لحمها على
الأطفال. وفي اليوم الرابع قدم إليهم رجال طوال القامة، عريضو
المناكب، رحبوا بقدومه. وبعد أن جلسوا، قال أحدهم:
- نحن أعضاء حكومة كردستان، وقد سمعنا أنك درست الاقتصاد في
السويد، لذلك جئنا إليك طالبين مشاركتك في حكومتنا.
وقبل أن يجيب أورهان، دخل ولد راكضاً وقال بانفعال:
- يا عم أورهان، أسرع بالاختفاء، لقد جاء العسكر.
في هذه الأثناء ومع قول الولد رن جرس الهاتف، لم يجب أحد، بقي
الهاتف يرن، مع قيام أورهان ومحاولته الهروب، قام الرجال الأربعة
وأروه بطاقاتهم وعرّفوه بأنفسهم:
- نحن من البوليس، لقد كنت في السويد تعمل ضد دولتنا. هيا سر معنا!
***
هب أورهان من نومه، كان قد سقط عن السرير، وقد غرق في عرقه على تلك
الأرض الباردة. والساعة تشير إلى السابعة ورنين المنبه لا ينقطع،
أوقف المنبه بانفعال، وتنهد. نهض واتجه إلى المرحاض. بعد قليل أتاه
بريده؛ كان فيه رسالتان، شهادة دبلوم في الاقتصاد، مجلة وصحيفتان.
كانت إحدى الرسالتين من أهله، فتحها بسرعة وقرأها. وحين علم أنهم
أطلقوا سراح أخيه، غمرته الفرحة، وعلى عجل ارتدى ملابسه واتجه إلى
سردار. كان سردار ما يزال نائماً. وقد فتح له الباب مرتدياً سرواله
الداخلي.
ماذا هناك، ماذا جاء بك في هذا الصباح الباكر؟ سأله سردار.
إنك تعلم يا سردار...
ماذا أعلم؟ أهو حلم جديد؟
ضحك أورهان:
نعم.
قال سردار ضاحكاً:
- لقد أصبحت أبلوموف. لا نهاية لأحلامك. أتمنى لو خرج من بيننا
كاتب وكتب أحلامك هذه، وسمى كتابه "أحلام أورهانوف". ايه، هيا
أخبرني، هل أصبحت هذه المرة رئيس وزراء كردستان أم وزير الثقافة؟
ضحك أورهان. دخلا معاً المطبخ لتحضير الفطور. وقد طال حديثهما حول
حلم أورهان، وضعهما في أوربا وواقع الوطن.
السويد
(1) يا
إلهي. لم نكن نصدق أننا سنراك ثانية.
(2) كنا
نعلم. إننا نعرف كل شيء. الله يعلمنا.
(3)
إننا نتحدث السويدية في البيت.
|