|
مواضيع أخرى
--------------------

عبد المقصد الحسيني
محرقة الصيف
في رحاب الصمت المندلق من شفتي.. ألف على جسدي الريح لأحمي اسمي..
وأحشر في كفي المرتجف الغيب.. أتضرع إلى الله لأكون عرافاً, أدل
روحي إلى فسحة بحجم نملة لأنفض عن قلبي خيانات التاريخ.. وأرفع
الشوق عالياً لأحضن ما سرق مني عنوة.. أنا القروي الهارب من مصائد
التعب, أجر المدن ورائي إلى المذبحة.. هذا هو مصيري, لا أملك إلا
هسهسة أصابعي.. وبائعي الكلام في الجرائد يجرون المعاجم لمواكبة
العصر.. حتى قواعد الذبح أصبحت لا تطبق فأنا أموت يومياً
ويزغرد المتفرجون.
على كتفي صيف 2004 متدلياً، لأكون ضيف الفنان عبدالحكيم الحسيني,
أرهقته بزياراتي المتكررة, وفي كل مرة أراه مبتسماً كريماً..
وكعادته المتوارثة منذ أن كان طالباً جامعياً أفقياً.. أقول ل :
هذه كومة قلقي الذي جلبته من الجزيرة.. تستطيع أن تعلقه كلوحة أو
أنثره في الغرفة.
هذه فوضاي الحنون لا أستطيع الفراق. لم يعد لدي غير هذه الفوضى
الجميلة.
يهز رأسه بمحبة.. تستطيع أن تغسل جسدك بماء ساخن من تعب السفر. ومن
ثم نتكلم.
أنحني على كأسي الجميلة.
أنقش فصولي العارية من البهجة. أحضن الهواء لكي لا أخسر الوطن..
وقدماي. ولا أخسر قنديل شفتي.
أقهقه.. أنا رسول النبيذ.
جئت لأحضن كأسي وأرتوي من النبيذ حتى الثمالة وأفرغ من قامتي
اليأس..
لقد خسرت كل شيء في الحياة سوى صراحة دمي.
جئت من عامودا يائساً.. مرهقاً.. حتى أرتوي وأفلت رسن خيالي في
العراء.. يغدو البحر أمامي صغيراً أتأبط الأمواج إلى قرى الجزيرة..
يدمدم بصوت هادئ.. وأحياناً بعصبية.. حان وقت الذهاب إلى البيت..
لنرسم الريح.
أقول له: أنا منكسر الروح.
يداي لا زالتا قادرتين على امساك الكأس.. واحتضان إحدى النساء
الجميلات لأمدح عيونها.. غدي متدلٍ فوق المغيرة.. لم يعد لدي بياض
لتدوين النصوص.
الأفق أمامي ضرير..
أحب النبيذ.. لكي لا أخسر رجولتي.. على كتفي قلقي أحشره في
السرير.. لأريق ما بقي من الروح.. أدنو منه.
سأحمل روحي إلى وطن أشبع فيه النبيذ.
وأنثر دمي كبخور في أزقة المجد.. فأنا كأخطبوط لم أتحرك من هنا..
في الرحلة الأخيرة, أنا والفنان وليد توفيق كنا ضيفين عند الفنان
عبدالحكيم الحسيني.
جئنا مرة أخرى لأفرش بين يديك هزائمي, كانت الساعة التاسعة والنصف
مساءاً حين وصولنا اللاذقية. وفي كافتريا سومر, كان في استقبالنا
الفنان عبدالحكيم والفنان عمر حمدي ـ مالفا ـ هزيلاً وقد بدا عليه
المشيب والأرق وعلامات التعب:
"الحياة مرة
ومتعبة"
انطلقنا من مدينة اللاذقية إلى خارجها, لنرى الهواء طليقاً, وسهرنا
في مطعم شعبي. غرف واطئة وإلى جانبها ثلاث تنانير قديمة, وخبز
الصاج الساخن وكان عاصم قد أرهقنا بالنكتة الجزراوية.. إلى وقت
متأخر نشرب النبيذ ولم أرتوِ حيث كنا مرهقين من السفر الطويل..
كانت ليلة مرهقة فعلاً.
خرجنا من الجزيرة
في أقصى الشمال الشرقي
إلى البحر.
ومالفا حزين يلملم الغيوم في كفيه.. والنقاش في وراثة الفن؛
وفي الصباح كنا ضيوف مقصف العصافير التي كانت مطلة على البحر ولكن
مع مرور الزمن أصبح بينهما حاجزاً من الاسمنت
فرشنا أمتعتنا من الأرق
على شرفته الهادئة
كان "مالفا" حزيناً،
على انكسارات الفرح في الشفاه
وجفاف الأصابع من الهواء
وقلق الروح على فقدان الأمل
النقاش في وراثة الفن وأحوال الرعية
لم أرتوِ من النبيذ البارحة
ضحك عبد الحكيم
النبيذ ضار
يضر الجسد.
كل شيء ضار في هذا الوطن
أننا ضارون نكتم الصدق
ونذبحه في شفاهنا.
وليد توفيق بضحكته الهادئة أمامي.. لقد جاء يشرب حتى الرمق الأخير
عامودا بائسة.
وقد انتشر الطاعون
في شرفاتها
إنها هزيلة
بحاجة إلى ترميم.
ثم انطلقنا باتجاه مقصف مطل على البحر.. لنرى أمواج البحر، علقنا
أرواحنا في الخارج.. البحر الممدد أمامنا كبجع مقتول ومالفا يتكلم
عن متحفه.. الذي زرنا الأرض المخصصة والمطلة على البحر.... الأفق
الممدد.. والجزر الصغيرة
شربنا ولم أرتو من النبيذ
ومالفا ينظر بعينيه الصغيرتين
وبتألمه الكردي
كأنه جاء من الجزيرة
متأبطاً جاكيته
ترقص عيناه لإمرأة جميلة
ليحضنها
وليخفف
ما بقي لديه
من الندى.
***
الحياة بلا نساء جحيم
أما عبدالحكيم يبتسم قليلاً: كفاك.. كفاك
إنها الفرصة الخيرة
الوداع الأخير
يتقدم النادل باتجاهنا
هات النبيذ البارد
ليغرق كل الآلهة في البحر
كالفرعون
نحن من سلالة الشهوة المضمومة في الروح
إذا ماتت الآلهة
سوف نرمم كل المدن بأيقونات المحبة
وليخرج البشر
من الجحيم
إلى الخلود
كان البحر.. والهواء.. والإنسان حزيناً
إنها عولمة العصر
في المساء ضمنا مقصف سومر المطل على البحر
والمطعم على شكل درجات.. الجو مفعم برائحة الأنوثة
وعلى هديل النساء لففنا قاماتنا برائحة الشهوة
مضى الوقت مسرعاً..
ومالفا يشتهي الكنافة أو علبة من الحلاوة
يردد: نحن الكرد نحب الحلاوة واشتقت إلى الحلاوة.
اندلفنا نحو الشاطئ الجنوبي.. الحركة المتداولة كأننا في بورصة
العملات
يهمس مالفا: ما أجمل النساء
وهن بلا حراس مثلنا
وصهيل شفاههن تمزق روحي
الله فنان كبير
حين يخلق النساء على هذا الشكل وتحرس في أرواحهن المتعة
فهؤلاء النسوة بحاجة إلى أسرة فوق الأمواج
في آخر الليل
ينهض النهار مسرعاً
من غفوته
تعالت ضحكاته الهادئة بالحزن
نحن بحاجة دوماً
إلى النساء
ليحمين أرواحنا من التعب
همست لعبدالحكيم مرة أخرى..
أخذتني إلى مكان يعج بالبشر
أنا بحاجة إلى مكان هادئ
إلى مقبرة
لم يعد لدي البياض
دعني أستريح تحت رائحة كحل عيونهن
لأمدحهن.. ليفور من شفتي قلقي
دعني أبلل روحي بالنبيذ
جئت لأرتوي النبيذ
قدمي بحاجة إلى سرير
لأوقظ هزائمي من جديد
أنا رسول اليقظة الخاسرة في هذا الزمن الكسول
لم أعتزل الصدق
لأنني أحب الحياة
أصابعي لا زالتا تمسكان بالهواء
ثم أسند رأسي إلى ظلي المنكسر
مثل قلبي
أرى سرب النساء.. وشفاههن تعج بالغيوم الهائجة
أنقش فوق أيديهن معركتي الخاسرة،
مالفا هؤلاء النسوة بحاجة إلى رسول مثلك لتمسح عن أجسادهن خريف
التاريخ.. ولتجدد فيهن الحياة
كان الليل هزيلاً في الزاوية
حتى أن الوقت المتأخر
بحاجة إلى فتات
ثم تعانقنا
على أن نفترق
في لقاء آخر
ودعنا البحر
حملتُ على كتفي البحر لأمدده أمامي في الغرفة
لأرى فيه شكل الخديعة.
***
في الصباح الباكر انطلقنا إلى دمشق، وعلى صوت "شفان" الحزين لففت
التعب تحت قميص.. الشيء الذي أزعجني لم أحمل في حقيبتي النبيذ
وفي فندق بدمشق التقيت الفنان زهير حسيب
قلت له: لم أراك منذ زواجك
وها أراك الآن
أهديته نسختين من دواويني.. ثم انطلقنا باتجاه مكان هادئ ومريح
امضينا ليلتنا في مطعم "نادي المحاربين القدماء" في الطابق الخامس
لا أفق للمكان
للبياض
كلنا محشورون في صالة
أمضغ صدى كلامي القليل
مزقت الوقت
لأعلق جسدي كعنقود
في الفراغ.
***
الفنانان "عبدالحكيم وزهير" راحا يرسمان بورتريهات لوجوه ضاحكة..
وشفاه ملونة بالحبق.. أما الفنان وليد في صمته المدبب أمام عينيه:
كيف سيترك البلد غداً
والأصدقاء؟.
أهدى زهير حسيب ديوانيَّ لشاب وشابة أعجبهما العنوانين
كتبت الإهداء كما طلبا، وأتذكر
"تتأبط الخديعة حتى في المقبرة"
نهض الشاب وعانقني
وصافحني بقوة
متى نلتقي.. لا أعلم؟
أمضيت في شرب النبيذ حتى وقت متأخر، واندلفنا في الشوارع
الخالية... دون أية حركة.
كنت أتمنى أن أسمع نباح الكلاب
ليعضوا بهجتي الباقية في شرشف الريح
وفي الصباح الباكر انطلق عبدالحكيم إلى اللاذقية،
ودعنا الفنان وليد توفيق في المطار.. أنا وأخوه الصغير خالد..
اتجهنا إلى سوق الحرامية.. لا أعرف لماذا سميت بهذا الاسم
أشياء لا تعرف لماذا عرضت للبيع
وجوه قلقة
ووجوه لا تعرف الراحة.. والنوم
تأبطت قلقي كحزمة نعناع.. وباقة هواء . حتى لا يضيع صوتي من يدي
قبل أن يفر من أصابعي
فرحي مسروق..
إنها مشيئة الرب
هؤلاء خالدون في الموت
اشتريت فانوساً صغيراً.. عتيقاً بدون زجاج
قال خالد:
لماذا هذا الفانوس
ضحكت... أضيء الطريق أمامنا إلى عامودا
فالضوء مسروق
من أعيننا
إنها مشيئة الرب
هذا الخراب
الدقيق
المبرمج
متى أوقظ فرحي
لأنهض من قلقي؟!.
عامودا 29 / 8 / 2004
|