|
ثقافات
العالم
--------------------

فرات إسبر
لا شيء يفرح الحجر
لاشيء يفرح الحجر، البكاء الذي ينشده مطر ترسله السماء، وهو يعرف
أنه خلق من أجل انتظار ما.
انتظار ما ، قد يكون بفعل الريح، تعريه من قسوته وتعلمه معنى
الحنان، هو الذي يشرق بالبكاء كل يوم وهي لا تدري.
الحجر لا يرتدي ملابسه،هكذا هو دون بني البشر، لايشغله زي ولا
تغريه فتنه، لا يدخل الصالونات، خلق مفتونا بالأرض؛
يحلم بطائر عابر يحط برجليه، ويحك بمنقاره على ظهره، قد يكون هذا
مبعث دفء له يغنيه من أنفاس البشر.
الحجر لا يبكي ولا يصرخ ولا يستغيث، يتمدد في العراء في الحر
والبرد ويحضن الفراغ وينام بصمت مع الموتى الذي يغادرون، يؤنسهم
بصمته في ليلهم الطويل، ينام مع حكايات الأطفال في سريرهم الأبدي،
هولاء الذين لم يعرفوا أحقاد البشر ،
مع النساء الحالمات في عباءاتهن أساطير وخرافات من قصص الجن
والإنس.
في طريق ما قد تراه، يمشي بلا أقدام، لا يسنده شيء وهو الذي يسند
كل شيء، على مدارج الينابيع تراه، يصعد تارة وينحدر تارةً بلا
عكاز أحلام، بأحزانه ينام ويؤدي صلاته بخشوع لا يقلق جار ولا يتعثر
بشجرة وحيدا بذاته إلى الموت.
يبكي الأطفال الذين تتمددوا تحت جسده ينتظرونه، يبكي العباءات التي
سيحتفظ بها إلى أن تصل إلى رمادها، يبكي عظام الإنسان التي يفتتها
أخيه الإنسان، يبكي نفسه ويشهق بالدمع مستنجدا بالإنسان أنقذني من
ضلالك أنت أيها الإنسان، يامن خلقت من مكر وفتنة وخديعة يامن تقتل
الإنسان.
ذات يوم تخيلته بقربي يمد يداً حيرانة لي، وبدون كلام تكلم لقد
سمعت هسيسه، كان فرحاً بي، أنت.. أنت.. يا من توئنسين صمتي، إذا
متُ يوما من سيمشى بقربي، أنا لا أدخل في زمان، ولا أخرج من مكان.
بعيني رأيت الحجر يبكي، جلست على ركبتيه، وحدثته.
احملني علي ظهرك وأعبر بي، إلى مدن تمضي ونمضي،هي بلاد تمضي، ولا
تتسع إلا للجراح.
* شاعرة سورية، مقيمة في نيوزلندا.
|