Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


الشجن الثقافي الكردي


 

 

هوشنك أوسي

كرنفال الحبر

 

لأيقونة القمح والجرح: "درباسيتي"

 

ـ1ـ

في انتظار الأزرق

خريفٌ تصدَّع.

ثانٍ، أوصى شتاءهُ بالصوم عن البكاء والنواح تأهُّباً لانبلاجِ غناءِ ألوانِ الغيب من قصائد الدَّم.

ثالثٌ، استدرج الماءَ والريحَ هنا، لعناقٍ أخيرٍ قُبيل انتحارهِ متجرِّعاً الصمت الأسود.

رابعٌ، أشركَ بالنار, وكفَرَ بتعاليم الصيف، بعد عقدهِ صلحاً والربيع.

خامسٌ، خطبَ في الحجرِ مندداً بالبشر، واعظاً إياهم بدنو موت التيه بين الكاف والنون.

سادسٌ، ردَّ براهينَ الصيفِ وقرائنهُ إليهِ.

براهينهُ على أنهُ الصيف، وقرائنهُ على أنهُ مؤمِنٌ بوحدانية الأزرق في تقليد الآلهة ألوهيتها. وتنصيب أئمَّة الجمالِ. ومنح السماء سِرَّها.

أما الخريف السابع, فقد دعاني وأقرنهُ في الضجر لمأدُبةِ الأزل، للنظرِ في أمري، والبتِّ في تحديد طبائع مكابدات حبري، والتداولِ حولَ أحوالِ الزمنِ القلقِ في خيالي.

لا بدَّ أنها توشِكُ العبورَ من هنا.

لا بدَّ أنها حُبلى بنفائس الجراح.

لا بدَّ أنهُ قد خلع عليَّ خيالهُ، بعد أن، ولاَّني أمير بوطانيّ على خيال المطر، حالَ انتهائهِ من قراءتي على مهل الغيم.

لا بدَّ أنهُ قد أمرَ سِرَّهُ بالمجيء قبلهُ ليمكثَ فيَّ هنا.

لا مناص...

قد تندلقُ السماء، و قد لا تندلق.

هنا وحدهُ الكفيل بالإفصاح عمَّا جرى هناك. لأن هنا، بوصلة هناك، وناصيةُ حروبهِ، ومِرآتهُ الخضراء.

هنا وحدهُ سيدُ نفسهِ.

قد ترونهُ امرأةً من القمحِ والقطن.

قد تقرؤونهُ رجُلاً من وجعِ الدّمِ والأرض.

قد ترونهُ طفلة تغفو بين نهدين هوريين مكتنزتين بأسرار التراب.

قد ترونهُ مجزرةً لأسماء تعبقُ بالحزن.

وقد لا ترونهُ كل هذا. لكنهُ يبقى للون النشوان والكلام الغضّ عينين تعرج إليهما سماوات العشق والشعر. أو نهدين تطوف بهما شهوة الأساطير القرمزية. أو ربما حضناً يؤدب إليه الطير والورد بعد ترحاله في فضاءات الدم الحالم. ورحماً ينجب من نسل الكرد 

حرائقَ

حروباً                                                                                                                                          

هزائمَ

انتصاراتٍ

خرنوباً

وبنفسج

هاتيك الجبال... ذاكرة الغيم وشاهدات قبور الجان، قد شاخت انتظاراً.

من تراها تنتظر؟

أهي مثلي تنتظر عودة ذاتها المغتربة عنها؟

 قد تكون مثلي حائرةً بحياكة جواب يكسو عري هذا السؤال: إلى أي برزخ يرنو " تل أيلول" ذو الجلال والوقار الكرمانجي.

وقد لا تكون.

أما يزال "جه طله" يسوق إناث الشِعر لكهوف الدم قرابين في طقسٍ وثني اصطفاهُ الطيشُ، وبايعه السراب إماماً للكرد، فأسكنه الوطن فسيح خيباته.

إناث الشعر ــ صفوة النسائم الآذارية ــ أقسمنَ بالجرح للقمح، أن ينكحن الثلج أغنيةً.. أغنية.

أن يحمِلنَ "الدرباسية" لإلهِ الدم الكرمانجي, ليعمِّدها بالضوء, ويُسبِّحَ بحمدِ عينيها الميتانيتين، آذناً ببدء مِعراجِ الكلام

الألوان

الألحان

العطور والأرواح قامتها الشجيَّة, قامة ربَّات الصيف.

إناث الشعر الجامح ولهاً بالفجر, نصبن نولهن في آتون مخيلة الليل. وبدأن بالنسج..

لوثةٌ للنجم، وأخرى للماء. مغامرةٌ للدم، وأخرى لآذار.

ثوبٌ للبرق، وآخر للشتاء.

أغنيةٌ للتين, وأخرى للحديد. حديقةٌ لـ "جه طلِه", وأخرى للقطا واليمام والقبَّرات.

محراباً للشهداء، وآخر للشيخ "محمد عيسى الذي يخبّئ في صلاته وطناً للشهداء، وفي صوته المتهدج الرخيم أسرار الكينونات الكردية السبع.

إناث الشعر   ...

عدنَ الغيم بمطرٍ آخر. والرعد بصوتٍ آخر.

عدنَ الموت الآخر بذاكرة الموت الأول, وإرثه من تركة الأزل.

قد تندلق السماء، وقد لا تندلق.

هكذا كُنتُ أخمِّنُ مع من يشاطرونني انتظاري.

إنْ أفتى " تل أيلول" لخيام الكوجر بالزحفِ صوب تخوم الدرباسية..

إن أمر دجلة بالنزوح نحوها مروراً بأغاني النار المستوطنة عامودا..

إن دارى بخشوعه عراء اللغز السرمدي الذي يخبئه الأزرق لي.. فسينثني الزمن لإرادة التراب ــ إرادتي ــ ويعجل في  مجيء الأزرق. كي تبقى السماء تشرف على سيْر ملذات الروح والخيال. وتحيد عن الاندلاق بعيداً عن هذا النصّ.

فمقدور التيه أن يسكنني في انتظارهِ وجهُ الأخير.

التيه, مشيئة المجهول. وشكوك الغيب اللاهي بأقدار الروح.

التيه, لغة العراء الأوحد الوحيدة.

التيه, وطني الذي يطاردني خارج الزمن.

هنا فقط, يعيدُ التيه ترتيب فوضى وعي الزمن ولاوعيه, وفق رغبة وعي الريح.

هنا فقط...

يُسَيّرُ التيهُ مراكب يقيننا. ويُخيّرُ مصائر جهاتنا بين القتال أو النزال الأبكم مع الحجل, كي يسلبنا خيالنا و خيالهُ.

أما هناك...

فقد أرخى دمنا عليه، مؤرخاً لسيرة التيهِ الشامخ بحثاً عنَّا في أتون أحلامنا المباحة للسماء ولوجها كصمتنا.

ترك للسفكِ المبرحِ غنائنا.

انتحل أعيننا.

أدمى ظلنا.

يتّم عقلنا.

أرجأ حلول الأزرق علينا لِمَوتَين آخرين.

ألَّبَ علينا حجلنا.

بثَّ الشقاق في ترابنا.

أفسد علينا أقدارنا.. أوهامنا

أحزاننا.. آلامنا

ذهابنا.. إيابنا

موتنا.. ميلادنا.

من غيرُ التيهِ هناك، يهوى قنصنا بكلام الضباب جيلاً بعد آخر؟!

من غيرهُ, يتفننُ في القصاص من جبالنا،

يدسُّ الفواجع في أغانينا نهراً قبل آخر؟

من سواهُ، يختلسُ السمع لهمسات أمسنا، ويسترق النظر لمشاجرات غدنا هناك؟

حتى بعد اختلاج وعي جبالنا، لم أصدق ما أفشى به الكلام المائي لي، عن نيَّة التيهِ احتلال هناك من هنا، وسبي هنا من هناك.. إلا بعد أن أتاني هاتف من دمي ينبئ بتواطؤ التيهِ على الأزرق.

لم أكن قد برأت من طعنة السراب بعد، حتى فاجأتني السحب بقولها: إن من يعيق حلول الكوجر هنا، هو التيهُ، لا غيرهُ.

فأيها الكلامُ الطينُ الطيبُ القُدُّوسُ...

هذا اسمي، خذهُ، واختم بهِ صكَّ العهدِ الذي أبرمتهُ حروفكَ على "تل أيلول"، وتورياتك على "جه طلِه" كي يبقيا حارسين على ذاكرة الدرباسية، دهرين آخرين.

اختم بهِ بِدع الغجر وفنونهم في التسولِ والسبِّ والرقصِ على حواف الجهات واللغات الحيَّة والبائدة.

اختم...

اختم...

اختم..

الماء

التراب

النار

الهواء

الشجر

الحجر

الأغاني

الدراهم

الهزائم

الأبواب

الأقفال

الحكايات

القصائد ولا تختم هذا النصّ. لأُعيد إنتاج انتظاري نصّاً آخر.

 

ـ2ـ

خلوة حجر

سيدي الجبل ..  

يا سيدي الجبل ...

قف.

هنا...هنا.. على بُعدِ عينين وشينٍ واحدةٍ من القاف.

على مدى سيرتك الدامية امتدُّ صلاةً أزلاً من حشرجاتِ الطير والورد الكليم، وأدعية الماء القدّوس.

على وشك الانفجار صمتي المترع  بالأسئلة الطينية.

على شكٍّ من يقينك، يقيني المندمل توَّاً من الشروخ التي خلقها الحديد في ظلِّي.

يقيني الذي يقيني من استبداد السكون بي هجرني إليك.

على ظهري وِزرُكَ الذي نؤت به، فكفاك دفناً لقتلاكَ في خيالي.. كفاك.

كفاك تفكيكاً لإرادة الغيم، صاحبي العتيق.

بين ترنُّم الماء بي، وتسبيح التراب لي، مُختلٍ مع ذاتي.

فبمن ستختلي؟

قد اخترقك البرق، ولا ريب.

قد أمسى ظهرانيك مرتعاً لمخالب الريح المنون.

قد فقدت صمتكَ وصوتكَ في آخر نزالاتك والدَّم.

هنا أنا.. على بُعدِ عينين وشينٍ واحدة من القاف، مُختلٍ بذاتي.

أستحضر ذاكرتي.

ذات فجرٍ، أهداني أمراء "ميتان" أيقونة من القمح والجرح. فواريتها بين نهدين "ميديين" كي لا تصبح فخَّاً لذكور الجن وإناث الملائكة.

أيقونتي، سال منها نسلٌ من نُسَّاكٍ مجذوبين للسموِّ عن اختلاجات الشكل. ممسوسين بلوثة محاكاة السماء لونيَّاً. يؤمُّهم "بشار العيسى"، بعد أن أتقنوا بثَّ الروح في اللون، واستنطقوه بلغتهم، لغتي، لغة أحفاد الجان من الملائكة.

سال منها نسلٌ من صائغي خيال الحبر حليَّاً للآلهة.

سال منها نسلٌ من قادةٍ خشب، يتوارثون الخيبات والإفك والدجل الوطني.

سال منها نسلٌ من فرسان اليقين الذين يمتطون الشكَّ والحيرة، يقودهم "أبو الريح" إلى محفلهِ، محفل العقد العقائد.

سال منها نسلٌ من الوشاة ـ أعين وآذان و أيدي الجلاد ـ يترأسهم "صدّيقو" لآثامهِ.

سال منها نسلٌ من الشهداء يقوده " ريناز وأيهان  روزا" إلى شمال الله.

"بافي حَسَنيه" يُهندسُ الرقصَ بطنبورهِ مداراتٍ من المرجان، باثاً صوتهُ في أرواح المكان. فيطوف بهِ البشرُ،

الشجرُ

الأزقةُ

الدورُ

القبورُ

الملائكةُ والجان

أنا والزمن. في طقسٍ كرمانجي مترعٍ بالنشوة الحمراء.

"صوفي تمر هندي"، يتوسطُ السوق مُذيباً ذاكرةَ التصوف في شرابهِ العليل العتيق، كي يسقي العابرين تحت جنحِ الصيفِ، مكتوين بحمَّى العشق والحزن.

العابرون على صراط اليقين نحوي، يقودهم شكُّهم المنزوي فيكَ. هم ذاتهم الذين تبرَّأت منهم ذواتهم العاقلة العابرة ذاتي.

هي عبرات سيدي الجبل التي أودت بهم إلى ما هم فيه من ندمٍ شائكٍ باكٍ.

هو العبور من الكاف للنون الذي طهَّرني من رِجس الوهم، سيّدكَ وسيّدهم المندثر في غبار هزائمهِ.

" حجي بوجو" أقفلَ بورصتهُ على ربحٍ فاق رِبح الآلهة بكونين ونصف.

فأمسى رصيدهُ من الزمن ضِعفي رصيدي من الكلام.

"حجي بوجو"، لازال يضارب على إرث الفصول، ويزاود على إيمان الأنبياء، ينافس الجان في التقمُّص، يخطط للاستيلاء على كنوز العالم السفلي، بعد أن خَلَصَ من كنوز العالم العُلوي، وما بينهما.

"فرمو حنّا"، يُشيّدُ منِّي قصراً للعواء، وآخر للنباح، وثالث لنبلاء العسس والبغاء المنتدبين من قِبل سلطان الموت هنا.

"مُرقس" قصَّ أكفاناً للريح الكنود العنود،  ستائر لجرائم الطاعون الوافد.

استلم مفاتيح الكنائس الثلاث، وأعدَّ قُدَّاساً مهيباً كئيباً لي دون عِلمي.

ملأ مبخرتهُ بسيلٍ من التراتيل والأساطير السريانية، حاملاً عصا "حمورابي" مرتدياً عباءة "قستنطين الكبير" كي يُبرِّئ "يهوذا" من دم المسيح. ويتَّهم الكرد.

"أبو غارو" لازال يطلق رصاصة رحمتهِ على جواده الأخير، صانعاً من الحديد مِحراباً أزلياً لحزنهِ عليهِ.

"ملا حسن" لازال يحنِّي لحيتهُ ولحية الزمن من نفس الحنَّاء الموجودة في الإناء ذاته الذي اغتيل كبير "القاجاغجية" فيهِ.

يلفُّ  التبغ لي ولهُ رشيقاً كالنسائم.

لازال يشتهي شَعرَ الكرمانجيات المحنَّاة بالفجر والشبق تبغاً، كي يسردّ على أسماع الجهات العابرة من هنا قصة الإله العاقر، الذي لم ينجب سوى ذاته اليتيمة المنكوبة.

يشدُّ وِثاق الريح بالمآذِن مُفوضاً دخان لفافتهِ التحاورَ مع أئمة الليل.

"يوسفي وحمادي" تأبطا تموز، وحملا رئة نيسان بوقاً، وامتطيا صهوة أيلول ملَوحيَنِ في آخر الزقاق الشباطي للمارين بي، مروجين لفيلم مستقبليٍّ تجري أحداثهُ الآنَ أمام ناظريَّ..

أسماء تُصادر وتستبدل بفقاقيع رمليَّة.

أناسٌ يُزجُّون في الصمت، و آخرون في الليل.

موتٌ بطيءٌ يوزَّعُ على الأزقة المسكينة.

عِواءٌ شرِهٌ يخيمُ، راصداً فرائسهُ، أبناؤك جباةُ أعمارهم المهدورة منك.

صممٌ.. بكمٌ.. عمى يتفشى.

حجارةٌ تغلي. ترابٌ يثور.

أوثانٌ تتطاير محطمة.

أوكارٌ تحرق.

دمٌ يرقص.

طواغي