Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ملف خاص عن الشيخ هادي العلوي


 

 

ملف خاص عن الشيخ هادي العلوي

هادي العلوي

جان دوست

خالد سليمان

(ولد في بغداد 1932 ـ توفي في دمشق 26 أيلول 1998)

 

هادي العلوي

براءة إلى أطفال كردستان

 

ليس من المعقول أبداً، وليس من المنطقي أبداً، أن يستمرَّ هذا النهرُ من الدمِ في الجريان، دون أن يسعى أحدٌ لتسكيره. أي عشق للقتل، يتلبس هذا الرجل، الذي لم يعدْ قادراً على العيش خارج هذا النهر؟ حتى كأنّ السلطةَ لم يبقَ لها معنى، سوى تحرير مراسيم الموت، بلا حدود، وبلا سبب، وبلا هدف.

ان أي قاتل محترف، جائع، مريض، قد يمرّ بفترة استراحة، يتكلم فيها مع نفسه، وربما طَرحَ عليها سؤالاً عن بعض من اختارهم للقتل، ان كان قد أحسن الاختيار. لكن هذا القاتل البدعة، لايريد أن يستريحَ. يرفض أن يأخذَ إجازة، يطرح فيها على نفسه هذا السؤال.

ان الدفاع عن السلطة في العالم الثالث، يستوجب القتل، لتثبيتها. وهو قد قتل مايكفي، لتثبيتها طيلة عشرين عاماً، ومع ذلك، فهو لم يتوقفْ عن لعبة الموت. صار وجوده في الحكم يتركّز في معنى أن نهرَ الدم، يجب أن لاينقطع عن الجريان، لأن انقطاعه، يجعل سلطته بلا معنى.

أباد من رعاياه، في المدة مابين 1968 ـ 1980 قرابة عشرين ألفاً، معظمهم بوسيلته المفضّلة: التعذيب، الذي يشمل أقرب خلصائه. تقول الروايات، أنه أعدم "ناظم كزار"، مدير أمنه العام، نشراً بالمنشار، لأنه تحداه في المحكمة الخاصة. وتقول أخرى، أنه سلق وزير صناعته "محمد عايش" في طنجرة نحاس (صفرية)، لأنه تجرأ عليه في محكمة مماثلة. والخيال الشعبي، حين ينسج هذه الصور، إنما يستند إلى أرضية، هي التي تفسّر لنا معظم مانقرأه في التاريخ القديم والحديث من الأمور الخارقة، فهي ليست مجرد حكي، يتناقله الناس، دون مضمون أرضي.

ومن الإيرانيين، مليون. في حرب كلّفت جيشه نصف مليون. كثير منهم، أعدمته فرق الإعدام العاملة وراء الخطوط، بتهمةِ نقصيرٍ، أو جُبْنٍ، أو تراجعٍ.

واليوم، وقد سكتتِ الجبهة الإيرانية، تتوجه الفيالق إلى كردستان. الجيش العراقي هناك، معلناً عن حضورٍ بنفس الكثافة. ونفس المعدات. ونفس الطريقة في القتال. دليل على أن اندفاعه في تلك الجبهة، لم يكن بسبب معنويات خاصة، نسبها إليه أنصار الدفاع عن الوطن من العراقيين. فهاهو يواصل في كردستان حروبه الإجرامية بكل بشاعتها. كنتُ أقول لهم: "ان هذا الجيش، سيقوم بنفس المهمة حية، حين يكلف بالهجوم على بيوتكم".

ان مايجري في هذه الأيام، يتحدى الخيال، ولايُعبّر عنه بقاموس. أشعر بالعيِّ، وصعوبة الكلام. أبحث عن مفردات مطابقة، وتتعذر علي. صدقوني، أني بحثتُ، لعلي أجد مايساعدني على تحرير وصف لِما يجري في كردستان العراقية، فلم تسعفني اللغةُ. إن الافادات التي أدلت بها منظمة العفو الدولية، وبعض الحكومات في أوربا، قد عبّرتْ عن الدهشة. غير أنها لم تدخل في عمق المفارقة: كيف يكون هذا الجيش؟ كيف يكون هذا الرجل، الذي يعطي الأوامر؟ إن الجنود العراقيين، يجتازون في هذه الساعات الحدودَ التركيةَ، ليصبّوا حِممَ مدافعهم على مخيمات اللاجئين الأكراد. هل سمع أحدٌ بهذا من قبل؟؛ ان اللاجئين ما أن يجتازوا حدود بلادهم، حتى يصبحوا آمنين بحكم الأعراف الدولية. أما ملاحقتهم وراء الحدود، وهم مجرد لاجئين، وبعد أن يكونوا، قد سكنوا الخيام، لإستكمال إبادتهم، فهذا من خصوصيات جيشنا وقائده العام. لقد أمستِ الهمجية التركية بعراقتها في العدوان على شعبها، والشعوب المحكومة بها، ملاذاً لهؤلاء النازحين. ولولا جبن هذا الجيش وخوفه من الأتراك، لكانت المخيمات الكردية، قد إمّحت من الوجود الآن.

يهجم الجنودُ العراقيون على القرى الكردية، لينفذوا خطط إبادة منظمة. كما تقول حرفياً منظمة العفو الدولية في موقف استثننائي، خرجت به على لغتها الإنجليزية المحايدة. هذه القرى الوديعة، البسيطة، المتصوفة في زوايا جبالٍ، طالما فاضت على العراقي باللبن والعسل، واستقبلته بنداء "كاكه"، الذي يعني عند الأكراد، أنك آمنٌ على نفسك ومالك وكرامتك الشخصية. فالكردي العادي، هو مثل سفوحه الخضراء، لايصدر عنه إلا الطيّب، حتى لصوصهم وقطّاع الطرق منهم، يملكون من القيم الأخلاقية، ما لا تملكه أكثر الجيوش تحضراً.

يمسحها الجندي العراقي بحذائه المحمّل بالغاز السام، ثم يجمع مايتبقى بها من الأطفال والأمهات والجدات، حتى يتمتع برؤيتهم، وهم ينامون كالفسائل المقطوعة تحت أخامص بنادقه الرشاشة. لم يتردد الجندي عن أداء هذا الدور. لم يأخذه الندم. ولم يسأل الطيّار نفسَه، على من يرمي قنابله الكيماوية؟ ناهيكم عن أن يفكر بالنزول بطائرته في بلدٍ آخر، لكي يكتسب الجنسية البشرية، ويعلن للعالم حقيقة مايجري في هذا البلد العجيب. كلا، أبداً. بل أقولها عن تثبّتٍ ـ ونحن أبناء قرية واحدة، كما يقول المثل العراقي ـ انه سيعود بعد أن يفرغَ حمولته على غرف نوم الأكراد، ليحدّث زوجته، أو عشيقته عن بطولاته لذلك اليوم.

أيها الطفل الكردي المحترق بالغاز في قريته الصغيرة، على فراشه، أو في ساحة لعبه، هذه براءتي من دمك أقدمها لك. معاهداً إياك، ألاّ أشرب نخب الأمجاد الوهمية، لجيوش العصر الحجري، أقدمها لك على استيحاءٍ، ينتابني شعورٌ بالخجل منك، ويجللني شعورٌ بالعار أمام الناس، أني أحمل نفس هوية الطيار الذي استبسل عليك. وليت الناس أراحوني منها، حتى يوفروا لي براءة حقيقية من دمك العزيز. أنا المفجوع بك. الباكي عليك في ظلمات ليلي الطويل. في زمن حكم الذئاب البشرية، لم نعد نملك فيه إلا البكاء.

اقبلْها مني، أيها المغدور، فهي براءتي إليك من هويتي.

***

نُشر هذا النص، في تاريخ 23/9/1988، صحيفة السفير اللبنانية.

ثم أعيد نشره في كتاب "حلبجة"، الذي أعدّته، وأشرفتْ عليه "هيفاء زنكنه"، وطبعته في لندن عام  1989.

 * بورتريت هادي العلوي، من عمل خالد بابان

***

 

جان دوست

لقاء النهر

عن أول لقاء لي مع الراحل الكبير هادي العلوي

 

متمدديَن على مقعدين خشبيين في حديقة الشعلان، مقابل فندق سميرأميس الدمشقي, نرصد أنا وابن عمي الكاتب محسن سيدا، نجوم سماء دمشق في خريفها الجميل, نجوم تشي بأسرار الحياة، وتراقب بؤسنا ويأسنا من الحصول على غرفة بسريرين، في فندق من فنادق العاصمة.

السمسار اللعين، يأتي بي ويعيدني إلى كوباني، فأتأرجح على وعوده التي لا يفي بها, وكتابي عن شرح "مم وزين" يتأخر في الصدور، وقد كلفني مالاً كثيراً وأعصاباً ووقتاً, ندعو الله أن يمضي ليلتنا التشردية على خير، ويعمي أبصار بلدية العاصمة، فلا توقظنا من ذلك النوم الإمبراطوري، ملتحفين جرائد محلية تحكي عن المنجزات اللامنتهية.

يقترب الفجر، فتوقظنا أبواق أولى السيارات العاملة على الخطوط العديدة, أصبحنا وأصبح الملك لله!!

يقول محسن وهو يرفع عنه اللحاف التشريني، فاتحاً إحدى عينيه تاركاً الأخرى في نومها اللذيذ: "هل نمت جيداً"؟؛ أرد عليه مبتسماً: "على الأقل كان نوماً مجانياً"!!.

وعدني محسن قبل وصولي إلى العاصمة، أن يرتب لقاءاً لي بالمفكر هادي العلوي, هو يسميه الشيخ هادي، فأقلده في التسمية, متى سنراه؟ أقولها بنفاد صبر. سنذهب إليه عصراً.

بدا لي أبو الحسن في اللقاء الأول، مثل نهر الفرات في نهار صيفي, هادئاً عميقاً ممتلئاً بالحكمة الشرقية، يشع كأنه راهب متبتل, نحوله يضفي عليه مهابة القديسين، وسمرته تحكي قصة طفولته، وهو يجمع نوى التمر في شوارع بغداد ليبادلها بمباهج الطفولة. رجل جمع بين الزهد والشيوعية, بين الديالكتيك والتصوف, بين الصومعة والكومونة!! فبدا إنساناً لا يشبه عصره ولا يشبهه عصره! ساخطاً على الشيوعيين ومتهماً مدعي التصوف باللذائذية.

مد يده، ليصافحنا، فشعرت بيده موجة فراتية تعانق قارباً تائهاً, كان حنوناً ودافئاً كريماً وعفيفاً إلى درجة الخيال, وفي منزله الذي يعود لأحد المغتربين العراقيين، ربما استأجره، أو سمح له المغترب بالإقامة فيه, لم يكن ثمة أثاث كثير, بل اقتصر على الضروريات, كانت صور لـ كارل ماركس ولاو تسه وگيفارا  تزين جدران غرفة الاستقبال, سماهم قائلاً: هؤلاء شيوخي!!

من شرفته المطلة على حي "زور آفا" الكردي في ضاحية دمر السكنية، كان ينظر ويقول: أصدقائي الفقراء الأكراد!!

حبه العميق للكرد ودعمه اللامحدود لنضالهم، دعاه إلى تسمية أي رجل يجده شهماً كريماً بالكردي, حتى أنه قال ذات مرة في معرض كيل المديح لعبد المعين الملوحي: إنه كردي!! وكان يقصد أنه رجل طيب. لقد ترادفت عنده كلمة الكرد بالشهامة، لكنه لم ينس أن يعنف في نقده  لبعض القادة الكرد.

لفتت أنظارنا خزانة في الغرفة، محجوبة بستارة تمنع الرؤية, أدرك استغرابنا، فقال: هذه الخزانة بما فيها ليست لي, إنها لصاحب البيت، وأنا أخجل أن يزورني أحد، و يرى التحف الموجودة فيها، فيظنني صاحبها، وتشتهيها نفسه، وقد لا يملك مثلها في بيته!!

منتشياً بخمرة حديثه، خرجت من عنده، دون أن أرتوي, سألني محسن عن الانطباع، فقلت: إنه ليس بشراً, بل نهر.

تكررت الزيارات وتعمق الود، وكان أكبر ما منحني الرجل أنه قال لي ذات لقاء: أنت ابني الروحي. كنت حينها بصدد نشر "مم وزين" أحمد الخاني باللغة العربية، وهو الذي ساعدني في كل شيء, في الاتصال بدار الكنوز الأدبية وإقناعها بنشر الكتاب بعد أن كتب له مقدمة جميلة, وكان يردد أن أحمد الخاني قطب كردي، يجب أن تتمحور حوله السياسة الكردية الحالية, وقال: إن خاني اكتشاف جديد لي، ولبنة كردية صرف في بناء التصوف الشرقي، وقال، وقال كلاماً كثيراً, كانت صحته تتدهور، فقد قسا على نفسه وعاش نباتياً، زاهداً يرضى بالقليل من الزاد، وكان الربو يثقل عليه, أردت أن أحصل منه على حوار تلفزيوني، فاتصلت بأنصار حزب متنفذ آنذاك في دمشق، يملك قناة تلفزيون تنشر الغث والسمين, قلت أريد كاميرا ورجلاً مصوراً، فأنا سأحاور نهراً, وعدني (الرفاق) وتأرجحت على وعودهم دون جدوى, وكان لنا معه موعد, ذهبنا إليه، فإذا به قد اهتم بنفسه قليلاً، سألنا فوراً هل جاء التلفزيون؟ لو طعنني أحدهم حينها بخنجر، لكان أهون علي, ولكن ماالعمل؟ فأغنية تركية تبث عبر القناة خيرعند من لا يدرك، من ألف حوار مع هادي العلوي.

 لم يكترث كثيراً، وقال لا بأس سنتحدث كما لو أننا في لقاء.

 ذات ليلة اتصل بي السيد (......)، وقال: أبشرك لقد مات هادي العلوي!! بدا المتصل فرحاً، وهذا ما يحيرني إلى الآن.

هامش:

حاول التلفزيون الكردي ذاك أن يجري معه حواراً، واستجاب للموضوع، وخلال اللقاء انهار ونقل إلى المستشفى، ليرحل بعد أيام؛ خلال عملي في التلفزيون بحثت في الأرشيف، وغير الأرشيف عن الشريط الذي يتضمن اللقاء الأخير دون جدوى, سألت المصور عن حجم الشريط ونوعيته، أمدني بمعلومات غامضة, سألت محاورته عن مصير الشريط، قالت: إنهم أرسلوه مع أحدهم إلى التلفزيون عبر بيروت... ضاع الشريط وضاع الحديث التلفزيوني الأول والأخير للراحل, زوجته الجليلة أم الحسن، رفضت أن تمنحني الشريط نسختها، قائلة: ماالذي ذكرهم به بعد كل هذه السنوات!!!!

صحيح ماالذي يذكر قوماً أدمنوا نعمة النسيان برجل مثل أبي الحسن؟

ألمانيا

***

 

هادي العلوي

جروح الماضي المتجددة

 

كانت بطاقة شرف، تلك التي حملها الصحفي (السوفييتي) "إيغور سمنيخين"، وهو يطوف بعض أرجاء كردستان العراق، حيث ترتّب عليه أن يؤديَ ثمن البطاقة الباهظ، المتوازي مع الأسعار العالمية للشرف الإنساني في السوق العالمية... ففي مقالة نشرتها جريدة "زاروبيجوم"، الناطقة بلسان منظمة الصحفيين السوفييت/ العدد 4 ،1525 سنة 1989، تحت عنوان "كردستان العراق.. علاجاً لجروح الماضي". نقل الكاتب المذكور ماتلقَّنَه من مسؤولي الحكومة العراقية بإخلاص مثير للإنتباه، مع التبني لجميع المنطلقات والمصادرات التي تتشكّل منها سياسة هذه الحكومة تجاه الأكراد وقضاياهم.

نلخّص، فيما  يلي أهمّ الأفكار والانطباعات التي عاد بها الضيف "السوفييتي" من العراق:

"... قال الصحفي الألماني من مجلة "دير شبيغل" إن العراقيين يبحثون عن غرارٍ لحل القضية الكردية. وهو غرار قد يساعد في علاج جروح الماضي". والعراقيين الذين يقصدهم الصحفي الألماني ـ والعهدة على محرر زاروبيجوم ـ هم أفراد الحكومة. أما جروح الماضي، فقصد بها الصراعات التي خاضها الأكراد ضدّ الحكومات العراقية السابقة لمجيء الحزب الحاكم إلى السلطة. ذلك، لأن هذا الحزب، بدأ خلافاً لأسلافه، "خطوات مرنة من أجل حل القضية الكردية"!.

وهذه الخطوات المرنة لم تؤدي إلى حسم المشكلة بسبب التحريض من الخارج، حيث إستمـرّت الفصائل المسلحة للمتمردين الكرد في توتير الأوضاع هناك. وفي أبّان الحرب مع إيران، قرر عدد من زعماء الثوار الأكراد، إستغلال مساعدة إيران، لتحقيق أهدافهم الأنانية الضيقة، ونتيجة أعمالهم الخيانية، تمكّن الإيرانيون من التوغّل في بعض المناطق من شمال العراق، والإستيلاء على  بعض القرى، وضمنها "حلبجة" التي أصبحت فيما بعد المركز الأساسي للهجوم الإيراني على كردستان العراق. وقد أعطى هذا الوضع الحكومةَ العراقيةَ الحقَّ في إستعمال ما لديها من وسائل لردع الإيرانيين، ومنها قصف سكان "حلبجة" بالسلاح الكيماوي. وإقتبس الكاتب "سمنيخين" تصريح "نزار حمدون" نائب وزير الخارجية العراقي بأنه: "من أجل وقف التدخل الإيراني، إضطر العراق لإستخدام جميع الوسائل المتوفرة لديه، ومن ضمنها السلاح الكيماوي. وكان هذا الإجراء اضطرارياً بحكم الظروف العسكرية".

وإستطرد الكاتب:

"في الصحافة الغربية، أثيرت الضجة الشديدة حول كارثة حلبجة. ولقد توارت وراء هذه الضجة الأعمال الإرهابية لحرّاس الثورة الإسلامية التي ارتكبت بحق الأكراد الإيرانيين.

بعد توقيع إتفاقية وقف النار بين العراق وإيران، قامت حكومة صدام حسين بمحاولة تعزيز الحدود الشمالية للبلاد، فقامت بتعزيز الحاميات العسكرية هناك، ووجهت إلى هذه النواحي أكثر من ستين ألف جندي. وتحت ضربات الجيش العراقي، هرب الثوّار من العراق إلى تركيا المجاورة، وأَجْبروا جزءاً من السكان المدنيين على الهروب معهم. وانطلاقاً من ضرورة تطبيع الأوضاع في شمال البلاد، وضرورة حل مسألة اللاجئين الكرد، أعلنت حكومة صدام حسين ثلاث قرارات بالعفو العام دون شرط أو قيد، في أيلول، ثم في تشرين الثاني 1988، ثم في شباط 1989. إضافة إلى ذلك، وبالاتفاق مع السلطات التركية، زار وفد عراقي تركيا في أيار الماضي، من أجل اللقاء مع اللاجئين، وتفسير قرار العفو، ومن أجل التأكيد على إمكانية عودتهم الآمنة إلى الوطن. ولكن الوفد لم يتمكن من تحقيق رسالته الإنسانية، لأنه تعرّض إلى هجوم العناصر المسلّحة التي تراقب مخيمات اللاجئين".

واقتبس الكاتب تصريح وزير الإعلام "لطيف نصيف الجاسم": "إن الحكومة العراقية، بالرغم من كل ذلك، قد قالت، ومازالت تقول، بأن حدودنا تظلّ مفتوحة للأكراد العراقيين الراغبين في العودة إلى الوطن.. إننا نؤكّد لهم، بأنهم سوف يعيشون بأمان ورفاهية.."

وتطـرّق الكاتب إلى الانتخابات في كردستان، فقال: "أصبحت إنتخابات المجلس التشريعي لكردستان العراق، بوصفه هيئة عامّة للسلطة المحلية، في منطقة الحكم الذاتي، دليلاً ساطعاً لبداية الإستقرار في شمال البلاد". ووصف بعض مشاهده، فقال: "وصلنا السليمانية، وشاهدنا جماهير الكرد بأزيائهم الجميلة الإحتفالية، قد اجتمعوا عند نقاط الإنتخابات على عزف الموسيقى، وقرع الطبول.. وفي ملتقيات الطرق، ومن أجل منع الأعمال الإرهابية المحتملة من قبل الثوار المرابطين في إيران، كانت الدوريات العسكرية متواجدة"، واستشهد الكاتب بموقف بعض الصحفيين الغربيين، قائلاً: "إن هؤلاء الذين وصلوا إلى كردستان، من أجل إيجاد الحقائق المثيرة، قد اعترفوا مندهشين بالطبيعة السلمية والهادئة للإنتخابات، والمشاركة الواسعة للسكان فيها".

ونقل عن طبيب كردي في العيادة الحكومية، أن هؤلاء الأكراد الذين تأثّروا بالنداءات الإستفزازية للمتمردين، قد اقترفوا خطأً كبيراً، وحكموا على شعبنا بالمآسي الجديدة. الحمد لله، الآن كل شيء هادىء..". وعن فلاّح كردي، قوله: "أنا فلاح. لقد أعطتني الحكومة الأموال، وقطعة أرض جيدة. عندي بيت، وسيارة جديدة (بيكاب تيوتا)، في أثناء الحرب، كنتُ في فصيل الفرسان، أحارب الإيرانيين.. (الفرسان، يسمّيهم الأكراد "جحوش&quo