Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية


 

 

نعيم عبد مهلهل

"نال باريس"...المدينة، وهي ترتدي الكون شروالاً

 (أنشودتان جبليتان لـ شيركو بكه س أنموذجاً)

 

"لماذا سقطت أوراق نظراتي ووقعت في كف نفسي المرتعد؟

كنت الأغنية لحلم الهودج

وجدائل هطول المطر

ينساب على كتف وجيد شبق

وتستقر على سفح العيون الخضراء

به ري خان.. مرة أخرى

من أين آتي بك كي تتوضحيني

على جسمك مثل الزهرة، النجمة

تعلقينني على ثلج ضياء عينيك

من أين أتي بك لأنام ولو للحظة في صوتك

ولو للحظة في قبلتك..؟"

شيركو بيكه س

 

كي أقف عند تخوم مثل هذا الشعر، علي أن أستذكر اللحظة المجاورة التي كنا بها أنا والشاعر في بيئة واحدة: قمم كوردستان.

الزمان: الأعوام الأولى من ثمانينيات القرن الماضي. هو ببندقية وشروال أسطوري يخبئ مايمكن أن نطلق عليه روح "الشعر الخضراء" وأنا نزيل بيئةٍ معلقة مثل فانوس بجدارٍ على الحافة الحادة فوق جبل "هرزله" والمطلة على ناحية "نال باريز" المدخل الأزلي لحوض الفردوس المسمى بـ "حوض بنجوين".

الفرق بين المكانين أنهما يختلفان في نمطهما الوجودي والفلسفي والوطني، لكنهما يلتقيان في حسية الانتماء إلى شيءٍ يطلق عليه اغريقياً "الإيحاء بمودة الآلهة" وتلك واحدةٌ من طاقات الشعر،لأن المتواجدين في المكان كانا ضدين وأحلاماً متفرقة وهما يتقابلان في ارتداء قبعةٍ لمشهدٍ واحد، ففي جعبة الأول بندقية وقصيدة، وفي جعبة الثاني ماعند الأول.

أعطاني العريف فرهاد قصائد مترجمةً إلى العربية لشاعر الكورد عبد الله كوران. كانت رومانسية "كوران" تطفح بشيء من ديالكتيك الغناء المشبع بروح البساطة والتكوين الساحر لأرض بلاده. كانت شعبية "كوران" نمطاً من حسٍ متداول, لهذا عندما قرأته لأول مرةٍ لم تمتلكني حداثة المشهد ولم يشدني الشعر إلى غرابة الثقافة. كان "كوران" يتحدث برومانسية ممتعة عن بلادٍ يتمناها، ورعاةٍ يعزفون بالمزامير حلمهم الأسطوري: أن يأتي القمر ليعلن لليل هذه الرواقم, أنهم أصبحوا أحراراً وبإمكانهم أن يعيشوا مثلما يعيش الفرس والعرب والترك. ولأنني أحمل ثقافة الجيش وتفكير المدى البعيد لسلطة الأدب على الذائقة, اكتشفت أن "كوران" بالنسبة لي ليس سوى غنائيةٍ حالمة بمصير من تنتمي إليها. وأنا هنا ليس سوى بيدقٍ عليه أن يتحرك ضمن مربعات مساحة السرية كي يمنع هذا الغناء من الوصول الى مقدمة مزامير أولئك الرعاة الذين تركوا قطعان ماشيتهم والتحقوا بـ "مام جلال" في العمق البعيد وكهوف المضائق في جوارته وأحمد رومي وسبيدارة وجميع مرتفعات "كاني بنكه وكاني سبيكه" وهي الحواف الأزلية لواحد من أخصب سهول الأرض والمسمى "سهل شهرزور"  لهذا أعدت الكتاب إلى فرهاد سريعاً لأنه كما أعلنت له: لن يجعلني أنام مرتاحاً في هذه الربيئة، ولن يكسبني متعة المشاهدة عبر الناظور للمدينة النائمة عند قاعدة "هرزلة" وأقصد نال باريس .

في اليوم الثاني وجدت فرهاد يقرأ في كتابٍ جديد، ومن تراصف سطوره عرفت أنه ديوان شعر.

قلت: عبد الله كوران مرة أخرى؟

قال: كلا. هذه المرة شيركو بيكه س.

لم يمر هذا الاسم مرور الكرام، بل أثارت موسيقى لفظته للاسم حدساً افتراضياً على أن نمطاً من تلك الأبجدية في أعلام الأدب الكردي سوف لن يقودني إلى تدفق الكمانات الكورانية وتلك الرومانسية المعلقة على قمم الرواقم مثل ثمر الجوز قبل القطاف، وعليه كنت أمتلك شيئاً من شغف القراءة، لكني لاأعرف الكردية, مما حدا بفرهاد أن يترجم لي ديوان شيركو والذي قادتني صدفة الحياة إلى أن أقرأه مترجماً وكان بعنوان "دووسروودي كيوي" ومن هذا الديوان أستعيد متعة الترجمة المفككة والمرتبكة والشعبية لفرهاد وهو يشدو مثل ثملٍ، واحدةً من أجمل قصائد الديوان وهما بمثابة ملحمة يتشكل فيها وجود شعب نال معه الشاعر شيئاً كبيراً من قهر الأنظمة والحياة، والقصيدتان هما: "أنشودتان جبليتان" نشرتا مع الديوان في عام 1977.

لاأدري إن كان ثمة تماثل في المكان من خلال روح القراءة، فالقراءة تصنع التخيل، والتخيل يصنع المكان، والمكان يصنع المواددة .

أقرأ شيركو بيكه س لأول مرة. كان المساء يتسع على مساحة دخان القذائف، لكن الشجر يغلي بخضرة حاسرة الرأس تريك ما للشتاء من سحر. وعلى حد تعبير "غاستون بلاشار": المكان هو مهدنا الأزلي.

لهذا ماافترضته من جدل الملحمة للنشيد الجبلي لـ "شيركو" صنع لدي قناعة أن الرجل الشاعر ربما موجود في المكان نفسه. وهكذا صنعت قراءاتي للنص وتفسيراته على ماتمنحه لي الذاكرة من تخيل مكان الشاعر من أجل صنع فهم متبادل لما تعنيه الطلاسم الحميمة وهذه الغنائية المتشحة بذاتٍ تتفلسف حسب رغبات الروح المتصوفة في مكانٍ صنع القهر فيه لقلب الشاعر وجعاً رومانسياً قاده ليسلك الممرات النيسمية والمغارات، يبدأ كما يقول جيفارا: "لحياة التي نودع فيها الشعر والفكر إلى حين".

أقرأ شيركو بترجمة فرهاد التي نسيت تعابيرها البسيطة، ولكني لحظة الآن أعيد ترتيب ماكان يقصده في تلك الجدلية المتسعة المساحة والممتدة على شكل أخدود من الحلم من قليسان حتى وادي توتمان .

وقتها كان إيقاع السماع يعطي جزءاً مختصراً من صوفية شاعرٍ يدرك في رغبة الشروع بالغناء: أن وقيعة الألم تأتي من حدثٍ ذهب بعيداً. لهذا تصورت في النص أن المكان يفسر غايته بقسرية عانت كثيراً وهي تنشد لآمالها.

كنت أستمع وأسمع والفرق بين المفردتين على مستوى الشعر أن السماع يقودك إلى حدود المتعة التي لاتنتهي. كان "شيركو" عازفاً على أوتار قيثارات الوجود الذي ملّكه للتي بعدت عنه بفضل المعاناة والقسر. ولأن المكان يجمعنا بقصدية المفارقة ركنت إلى طقس السماع، وأرخيت ذاكرة المديح التي أشعلها بقدرة مرئية وتحكمت بكل ماقصده في تعامل المتأمل فيما يرى من غيبٍ لقادم بلاده، تصنعه تلك الربى بفضل الهموم القومية التي تصنعها فرضيات تقرير المصير، غير أن بيكه س يتعامل مع النص وأنا اقرأه قراءة متأخرة، بوعي تلتقي فيه ميتافزيقيات أكثر من حسية طافحة بالتجديد والتمكن من جعل نشيد الطبيعة نشيد أملٍ لمتغيرات القادم عبر التحدث عن أساطير وأمكنةٍ وحوادث ومشابهات خلقت وعي الفكرة الكردية لتكون أنطولوجيا للبحث عن الهوية عبر منافي الأراضي البور التي نزحت إليها قسريات عهود الأمس على شكل جماعاتٍ وعشائر.

أتذكر المكان، والذي يطوف به وجه الشاعر حيث كمنت الحرب بمسببات وجودها على رقة أمتلكها من جنوب حاسر الرأس، وأفترض أن بيكه س ربما في الجهة المقابلة، على سورين أو في كهف من كهوف لاله حمران. وربما يزور خلسة قبر العاشق المحاذي لدومة الأزل الشاهق "جبل تاريار"، أفترضه يرتدي شروالاً رمادياً ويمسك بندقية برنو وينفخ بدخان غليونه الحجري وهو يراقب التراشق البعيد للمتحاربين، وكأي ماسك لشعلة أولمب يعيد ترتيب جمله الشفيفة وينقل على الورق تفاصيل ترتيب حلم هذه الرواقم التي تتناحر عليها الجيوش في رغبة منهم لتحقيق أمنية الجنرال.

أتصوره جسداً يفتعل الحلم فيتحرك باتجاهات القصيدة، وربما أراه عبر القاء فرهاد الثقيل ينوء بمسافة الصعود أو التخفي عن الوشاة من الجحوش غير أنه في آخر الليل في الجانب الذي يقابلني تماماً يشعل غليونه الأزرق ويميط اللثام عن ذاكرته، وينشد لصمته تعابير صباحات جديدة يضع فيه مام خططه التعبوية لاثبات أن الكرد موجدون رغم تناحر الفيالق. فتجيش في صدره عواطف صوته الكوني وادراكه بما يمكن أن نفترضه احساساً بألم الآخر، فيرتعد في داخله سادن القصيدة فيلقي بظلال التذكر والوجوم على كل مسببات القدرية الماثلة أمامه على شكل منفى في ليل بلاده، حيث الثلج يسطر قساوته المعهودة على تفاوت استقامة الأصابع التي انتهت للتو من كتابة المقطع الأخير في الأنشودة الأولى: 

"ها قد دخلت الى عمق غرفة صدري الممزق

يا "به ري خان"

حبك الثلج وقلبي الـ "كويستان"

أينما أكون.. وأينما تكونين

لاالفؤاد ينفصل عن حياتك

ولاأنت تذوبين.

أنتم يامن ستظهرون

بعد الطوفان الذي غرقنا فيه

تذكروا: "برتلد بريخت".

 تقودني هذه الرومانسية ذات المخيال المتأزم إلى العودة لـ "غاستون باشلار" مرة أخرى وهو يقول: الأمكنة كلها هي أزمنة تعاني من قلق ما، لانتخلص منه إلا مع الاحساس بجمال شيء ما.

ومثل قصد باشلار، يفعلها شيركو هنا، فأضيف إلى مساء بعض من توهجات الفرضية القائلة أنه موجود في الجانب الآخر من تلك السماء الرمادية، حيث كنت أرى دخان غليونه الحجري يتصاعد مثل جسد راقصة معذبة في الفضاء الرطب لمرتفعات كاني بنكة، أو الدخان الذي يسير محدودباً كراع دخل ومزمارة المائة الثانية من عمره في أفق الأودية التي تفصل الرواقم المطلة على حوض بنجوين من هرزلة وحديد صعوداً إلى آخر دكة حدودية، وربما أراه هنا قرب ربيئة ثدي الغزال، حيث تعودنا أن نقرأ في ظهيرة الشمس الباردة قصائد السياب والبياتي وسان جون بيرس وكافافيس، وفجأة دخل علينا شيركو بقصائده من دون استئذان، ليعيد ترتيب ذاكرة كل واحد منا، وليقرأ بإلقاء أوبرالي ماتيسر له من أناشيده الجبلية، فيسمعنا نصه الموهوم بالمحنة والتذكر، وبعضاً من حفريات التأريخ الكردي والموسوم "برايموك وأغنية الثلج وطفولتي".

يقول فرهاد في رد فعل مبتهجة على زيارة شيركو المفاجأة لربيئة "ثدي الغزال":

أن برايموك هو فتوة وشباب البلاد كلها، وأن شيركو جعله أيقونة ليقظة منتظرة، بل جعله جزءاً من طبيعة المكان وتكوينة عبر مراحل لاتنتهي من زمن بعيد، ربما يعود الى أقدم المحميات الآشورية الأولى.

وأضاف فرهاد: أن برايموك يمثل ظلاً لدالية الشجن البسيط في ذاكرتنا نحن رعاية الأمة الكردية.

ولأني أفهم معاناة الآخر، أعدت اليوم إلى المخيلة ما كنت أفسره في حلم مثل هذه القصيدة، وأعيد بقصد مقارنة الحدث القديم بالمستجد، وأصل إلى حقيقة أن الشاعر جعل من برايموك رمزاً لوصول الحلم إلى متمنيه، وأتذكر تلك الهيمنة التي كان برايموك يفرضها على المكان، ويتعامل حتى بأسطورية الموروث ودالته، بل هو يمثل الكل لقصد الشاعر عندما يريد أن يقرن طفولته بحلمه، وهو ينقل خطوة البحث عن الحرية بين مغارات وكهوف رواقم بلاده:

"برايموك يردد الـ "لاوك"

وشرع يغني مع الصدى:

الثلج لاينام

لو نام الثلج لانبثقت الينابيع البصيرة

لو نام الثلج

لتحول المشتى ملاذاً وقتياً للحجلان الحمراء"

تهزني مفردتي "الحجلان الحمراء"، أراه وصفاً خارج نطاق الحلم، بل أني أتصور الحجلان الحمراء يراعات ملونة بالأغاني التي حرص برايموك على انشادها في ليالي الثلج الموحشة، عندما كانت طفولة الشاعر تغص بتعابير الارث الأدبي لأسرته، وكانت كتب قوميته مطعمة بتراث أسطوري عن كل المحطات التي عليه أن يتعلمها خارج نطاق الكتاب المدرسي، لهذا مايراه برايموك يراه الشاعر نفسه، ويراه القارئ والمتلقي وناقد القصيدة.

وبعيداً عن برايموك الغائب الحاضر وقريباً منه، تتحول أيامي إلى مايطلق عليه في فضاء الايحاء: الذهاب بعيداً مع القصيدة، وهي تترنم بما موجود من حولي، وقد وفرته قصائد بيكه س، ولكي أصف الموجود فهو عبارة عن رواقم تشتت علوها في فضاءات لاتشاهد إلا من خلال الأعناق الطويلة، وحين يميل ذلك العنق الطويل إلى داخل هذا الكون، يمتد تحت ناظره المتأمل نهراً صغيراً يضيء بلمعان الفيروز، يسمى نهر هرزله، وهو الذي يسقي ظمأ مدينة "نال باريس"، ويروي حقول الفلفل والبندورة والخيار والقرع ، ولا أدري أين يذهب. وحين سألت فرهاد. قال: أنه يذهب إلى حيث يريده الله.

كانت تلك العبارة المتصوفة قد أيقظت في الآن تذكير بمتعة سماع ذلك الرد الجميل، ولأني أحاول أن أجد ظلاً لشيركو في متاهة الحديث بين صاحبي وتلك القامات الصخرية الهائلة، جمعت رد فرهاد البليغ بمقطع شعري من قصيدة لشيركو بعنوان "مضيق الفراشات" والمقطع واحد من جماليات الهاجس الكردي عبر مراحل تفكيره بوطنيته، منذ العهد الفيرثي والميدي وحتى هذه اللحظة التي قال فيها الشاعر بيته الساحر:

"الرماد أصله كرد

لماذا؟

الله هو الوحيد الذي في استطاعته أن يجيب..".

هذا الهاجس من الفن يقودك إلى التفكير بنمطية ما ينبغي أن يكون عليه الفرد، وهو يحاول اثبات كينوته من خلال قصيدة. فعلى مدى سعة هذا النص، يصف لنا صاحب المدونة خيارات وجودية لوجود روحه التي هي روح قوميته، وقد فسرها بألم لايطاق في ذات القصيدة، عندما يقول:

"لاتقرأني كثيراً

لأنك ستصاب بالعمى من كثرة الدخان في تأريخي".

اليوم أجد الفرق كبيراً بين ثقافة الكتابة لهذا الرائي بين عهدين يتماثل فيهما شغف صناعة الأمل.

لقد ظل القلق قائماً في ذاكرة شيركو حد هذه اللحظة، وظلت عيناه تبحث في المديات الهائمة بين أناجيل الجبل وقرائنه عن حلم يتجسد في كيان يرتدي شروال الحلم، ويجوب شوارع نال باريس، وهو يحث سكان المدينة باخلائها من الجنود، واعادتهم من الجهات التي جاءوا منها، وقد أكون أنا أحدهم، وقد تحركت زوايا عيني على المكان، بعد أن عرفت أين ينتهي المقام بنهر صغير نحيف كمفردات رسالة عاشق خجول، لأفتش مرة أخرى عن صاحبي الذي ظلت أناشيده تورث المكان حنيناً من أجل مصادقة الصقر، كي يكملا معاً الطيران فوق قمم كوردستان كلها، وليس هيبت سلطان وحده، كما تكرر ذكره في الأناشيد الجبلية لشيركو.

كان المكان هو القائم الأبدي على حواس الجنود، إنهم يرثون لحظة القسر من خلال خوفهم من مفارز الموت، لهذا كانت أبدية المكان تفرض عليهم نمطاً من التعايش مع التضاريس والبشر، غير أن مودة الجنود مع سكان المنطقة ظلت قائمة منذ أن بعث الملك السومري أور ـ نمو ألواح مودته، ليسرق لليالي الحلم ومواددة الآلهة عيوناً تعكس ضوءها كما الشذر. ويقول كهنة الزقورة: أن تلك العيون تسكن الأماكن المرتفعة، وحتماً يقصد بها الجبال العالية في منطقة كوردستان، حيث أثبتت الجيولوجيا وحتى الميثولوجيا أن تلك الأماكن كانت بدءاً أزلياً لحضارة حجر الصوان والانسان الأول الذي وجد في كهوف شاندري.

ذلك الدخان الذي تحدث عنه بيكه س في تأريخ هذه البلاد، تحوله الحروب والثورات الشعبية إلى سفر لاينتهي من تأريخ يأرشف الشعر فيه جانباً مضيئاً من حلم الذات الآرية التي قال عنها عبد الله كوران: "نحيا ونعيش بها كما يعيش النبع مع القمة العالية".

هذا التأريخ مر بحقب ساخنة حد الضربة القاصمة يوم تمخضت معركة "جالديران" بين الترك والصفويين في 1514 م، إلى تقسيم كوردستان كلياً بين تركيا وإيران والعراق، ومنذ لحظة النصر الأسطنبولية، بدأت المعاناة بجمع شتات الحلم الكردي تتجسد على شكل ثورات وجمهوريات صغيرة كالتي قادها الأمير بدر خان باشا في 1864م وغيرها. لكن التحالفات الكبرى كانت تجهض كل تلك الومضات الأثيرة، التي حملت أسى وحسرة  بدر خان باشا عندما قال: "ياإلهي حتى النساطرة تخلوا عنا!".

 والحق أنها كانت خيانة، جعلت الكبار ينظرون إلى حلم الأمير صحوة ستشمل كردستان كلها.

لاأدري لماذا أتذكر آناباز، كلما دلفت إلى عيني غيوم تلك الرواقم التي لاتنتهي من الصعود إلى قدرها، رغم أطنان الشظايا التي تجرح روح الشجر وتفتت صخور القمم، ولكنها كما يقول المتصوف الأربيلي شيروان: "تعيش لتبقى إلى الأبد سلماً يوصلنا الى الله".

وأناباز هي قصيدة مشهورة لسان جون بيرس. عاش أبطالها الحقيقيون محنة التعامل مع هذه الأرض، وأقصد كوردستان، حين قاد الفليسوف والقائد الروماني أكزينون عشرة آلاف مرتزق، ليبدأ فيهم رحلة التراجع. وسمّاها بيرس "الذهاب إلى الداخل". وقد مر الجنود في أرض ميديا الآرية التي هي كردستان، اليوم، ويقولون: أنهم في طرقات الخابور، تعرضوا إلى &#