Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


القص


 

 

قادو شيرين

القائد الطيني

 

الترجمة عن الكردية: آخين ولات

كلٌ منّا أمضى طفولته بشكلٍ ما، إلا أنّ طفولتي كان لها خصوصيةٌ، إذ لم تكن كطفولة أحد. على أية حال، لن أتمكن من سردها كلها عليكم، إلا أنه يمكن اختصارها في لقب "المراوغ"، الذي كانوا قد أسموني به، لشغبي وسلوكي غير المقبول، فبمجرد أن يُلفظ هذا اللقب، كان الكل يعرف من هو المقصود، في الوقت ذاته، كان الجميع يتحاشاني ويُبرئ نفسه مني.

من المؤسف أني لا أتذكر طفولتي كلها، إلا أني الآن، وبعد أن غدوت رجلاً ، أسأل والدي أحياناً، وأحياناً أخرى أولئك الأطفال الذين كبروا معي، وكانوا يتجنّبونني: ترى كيف كانت طفولتي؟

الآن أنا رجلٌ، لي امرأةٌ وأطفال، أطفالي لا يشبهونني أبداً، بليدون كالصخور، يعشش الذباب في أفواههم، فلا يهشونها، شتان بين أطفال أيام زمان والآن!! أطفال أيامنا كانوا يُخرجون العصافير من ثقوب الجدران ليلاً؛ الأفاعي التي كنت قد سحبتها من الجحور لا تحصى ولا تعد، كنت أنتزع أنيابها وألعب بها مثل السبَّحات، كنت أجعل العقارب تتعارك فأضحك منها؛ في اليوم الذي تقول أمي: ما من طعامٍ لدينا، كنت أُخلي فيه القرية من عصافيرها .

بلا خجلٍ أو حدود، كنت أطرح الأسئلة، أسئلة جائزة وغير جائزة، أسئلة فاجرة، سألت امرأةً حامل ذات مرة: لماذا وكيف غدا بطنك كبيراً هكذا؟ بعد أن ثارت في وجهي، قالت أنني فاحش مثل أمي، وقالت اذهب واسأل أمك التي تنام عارية بجانب أبيك. لم أذق النوم تلك الليلة حتى رأيت بأم عيني ماذا يفعل أبي وأمي ببعضهما البعض، كنت أبلغ السابعة أو الثامنة من عمري، إلا أن ذلك كان ينعشني وأنا أتلصص عليهما.

الآن عبثاً أحاول أن أمارس ذلك مع امرأتي، إلا أني للأسف لا أستطيع ممارسة ذلك واقفاً، يا إلهي كيف كانا يفعلان؟

الكثير من اللعنات، والأكاذيب والتهم كانت تُلصق بي، خاصةً حين كنت أتغالظ، وكثير من الألقاب مثل:  مقصوف العمر، الصعلوك الحرام، لقيط، ابن الزنا، فرخ الآلة ـ الاصطناعي -، الكذوب المراوغ، المنافق، يومياً كانت هذه الكلمات تقالُ في مواجهتي.

لم أدع ذيلاً  للقطط والحمير والكلاب، من القرية كلها، كنت أنا و"ديلبر" صديقان، هكذا كنت أعتقد، لأنها حالما تلمحني كانت تغدو مثل قطةٍ وتسترخي مثل قطعة لحم، رأيتها في المرة الأولى بين الطين، وكأنها تمثال طيني، تحب الطين واللعب به حتى الآن، تصنع منه أشياء وأشياء. كانت ترتجف رعباً مني، كنا نلعب معاً، نبني بيوتاً صغيرة، كنت أماطلها حتى المساء لأفعل مثل أبي، وهي لم ترفض أبداً ما كنت أفعل، لست أدري ما إذا كانت تهابني أم أن ذلك كان ينعشها، إلا أننا كنا أطفالاً.

من كثرة ما كانت تنهال علي اللّكمات والضربات، ومن أيٍ كان، كنت أتبول في فراشي، قال بعضهم  لو أني لم أتلق تلك اللكمات والضربات على ظهري لما تبولت اليوم في الفراش، في رأي أولئك الناس، أن عرق أو عصب البول لدي قد ارتخى من الضرب، كنت لا أستطيع أن أحصر بولي وأوقفه، في أي وقتٍ كان، كان يسيل مثل سيل، كل يوم كان فراشي تحت أشعة الشمس، ليجف فأنام عليه الليلة المقبلة، وأعاود التبول فيه مرةً أخرى.

يا لها من أيامٍ تلك التي مضت، بقدر ما يكبر الإنسان، يصبح أحمقَ وجباناً، ناهيك عن المسؤولية التي تكسر الظهر.

لتكون زوجتي مثل قطةٍ أمامي، يجب أن أشبعها خبزاً وماءً، ولا أحرمها من أي شيء قط، تعرفون أن نساء هذا الزمن ملسناتٌ، متطلباتٌ ولا يخجلن من آبائهن، بدون مرآةٍ وماكياج لا يذهبن إلى ما وراء الدار، ثم إن بعضهنّ يتقوّمن على أزواجهن وبعضهنّ يضربنهم، يا للهول، صدقوني إن نهاية الدنيا قد أزفت، من أين كان لامرأةٍ في الماضي أن تجرؤ على فتح عينيها أمام زوجها؟ نساء هذا الزمان ينمن بالجينز. لتحبك زوجتك وتضاجعك بحرارة ولا تزيغ عيناها، يجب أن تترعها من كل الجوانب. وأنا لهذا كنت أتجه كل صباح إلى الأسواق لأضاعف دخل عائلتي. كل يوم كان تمثال القائد يستوقفني مرتين ذهاباً وإياباً، كنت أرتعش خوفاً منه، كان يستجوبني مثل شرطيٍ غضوب، ظالم، لماذا أسميتَ ابنك آزاد؟ لماذا أسميت ابنتك نوروز؟ لماذا أسميت كلبك وليد؟

بهلعٍ كنتُ أحدق في عينيه، تتطاير منهما شرارات الغضب، في الساحة التي تم نصب تمثال القائد فيها دون رضائها، كل عين كانت بمثابة مائة عين.

ليتني أستطيع استجرارك ورائي إلى المنزل، حينها أعرف ما كنت سأفعل بك.

على الرغم من أني استطعت أن أبهج امرأتي وابني آزاد، ونوروز ابنتي، حين أخذت بكدّ ذلك اليوم ثلاثة كيلوات برتقال، كيلو ونصف تفاح، وكيلوين موز غير طازج، إلا أني كنت حزيناً، دائخاً وتائهاً، ما كنت رجلاً، غدت امرأتي رجلاً وأنا امرأة، عبثاً كانت تحاول أن تهيّجني لتطفئ النار التي بداخلها وتبرّده، لم تفلح.

اتركيني، كل ما تفعلينه غير مجدٍ... أدارت لي ظهرها بغضب، وراحت تتأفّف، قلت لها:

ـ إذا لم تصنعي نصباً للقائد، فأنت أمي وأختي...

لو كان بمقدورها لقامت في ذلك الليل وصنعت نصباً، ألم أقل لكم إنّ ديلبر كانت تحب الطين منذ طفولتها وتصنع منه أشكالاً؟ ما إن طلبت منها هذا حتى انفرجت أسارير وجهها، مثل عصفورٍ تحرّر من القفص، بارتياحٍ، وضعت رأسها لتنام .

لو كان "مايكل آنجلو" لما أنجز نُصب القائد بهذه الخفّة والروعة والجمال، عندما فكّت عينيّ المعصوبتين في حضرة النّصب، لم أصدقهما، قلت متسائلاً:

ـ من الذي صنع هذا أيتها المرأة؟

رائحة وصراع الأجساد!!

يعني أنت التي صنعته؟

والآن هل أنا امرأتك أم أختك وأمك؟

احتضنتها بحرارة، حتى امتلأتُ طيناً.

تذكرت نُصُب القادة، كل من خدم الشعوب والأوطان، أمثال نابليون، نلسون مانديلا، غاندي، وجورج واشنطن، وكيف أن شعوبهم قد نصبوا تماثيل لهم في ساحات المدن الكبرى والعواصم، يحنون لهم قاماتهم، وقد كتبوا نبذةً عن حياتهم على لوحةٍ،  وجُملاً في المديح، أنا أيضاً كتبت فوق تمثال القائد الطيني: "القادة يفتحون المدارس والجامعات، وأنت فتحت السجون والمعتقلات".

في استجوابي الأول له، قلت:

ـ أنتَ الآن رهن الاعتقال عندي، فهل هذا يرضيك؟ قل كم من الأبرياء قتلتهم في السجون وتحت التعذيب؟ لن أفعل ما فعلته أنت، لن أقتلك لأنني إنسان، إلا أني سآلتهمك، سأشنقك، لا لن أفعل هذا، لن أريّحك، ولن أتحامق مثلك وأتوحش، سأحرقك، سأكتب بسيخٍ ملتهب فوق جبينك: "أنا وحشٌ، لست إنساناً"

ومن الغضب الذي يأسرني في الأعماق، قمت، وتبولت عليه، بصقت في وجهه ثلاث مرات، وجلست قبالته.

لقد تعبتُ اليوم، غداً سنكمل.

تتساءلون الآن، ترى ماذا سيجري في الاستجواب الثاني؟، إلا أني لن أقول لكم ما فعلت، أنتم أيضاً تستطيعون أن تتدبروا تمثالاً له، وتستنطقوه، آمل ألا تعذبوه، حرام.

في اليوم التالي عندما ذهبت إلى الاسطبل الذي فيه تمثال القائد، لاستجوابه الثاني، رأيت العجائب، وكأني سقطتُ من شجرة، رأيت تمثالاً محطّماً ممتداً على الأرض مثل جيفةٍ نتنة، إبريق ماء، طشتاً كبيراً، ستة أو سبعة أمتار من القماش الأبيض، لوح صابون، وقرأت على صفحةٍ هذه الجملة: "خير ما يكرم الإنسانُ به الميتَ هو دفنه".

 

هولندا

 

 

 

 خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002