Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


اصدارات كردية 


 

 

إبراهيم حاج عبدي

"أينما ذهبت" للشاعر طه خليل:

خيبة الكردي في متاهة هذا العالم

 

في لغة مصاغة من ألم وحرقة، يلج الشاعر الكردي السوري طه خليل محراب القصيدة منصاعاً إلى نداء داخلي صادر عن روح معطوبة، معلناً ولادة ديوانه الثالث "أينما ذهبت" (دمشق، دار الينابيع ـ 2004) بعد مرور عشر سنوات على صدور ديوانه الثاني "ملك أعمى" وأكثر من عقدين ونصف على صدور باكورة أعماله الشعرية "قبل فوات الأحزان" الصادرة عام 1988.

لا يحيل عنوان ديوانه الجديد "أينما ذهبت" على معنى محدد، وإن انطوى على معاني الرحيل والسفر على أجنحة المجهول، لكن المعنى يبقى غير مكتمل، بيد أن القصيدة تشي بمعان ودلالات كثيرة تنطوي على مسافات قاحلة وطويلة قطعها الشاعر محاولاً العثور على ضالته، وتقليص متاهات الغياب وتهدئة الحنين الذي يغلي في داخله، حنين إلى امرأة مشتهاة، إلى وطن غائب، إلى "طفولة منقضية"، إلى "شارع مغرد ومنزل مضاء" بتعبير محمود درويش، وترويض الخوف الذي يرافق خطواته أينما حل، بعد أن "نكثت بعهودها زنبقة المكان" وضاعت في متاهة العمر تلك التي كانت تقول له ذات ربيع: "أنت رجلي الأخضر... وشجيرتي السمراء".

فالسفر الطويل على دروب هذا العالم، لا يحمل أي بعد سياحي أو ترفيهي، بقدر ما يجلب للمسافر الأوجاع والمخاطر كما كان الحال لدى الجواهري الذي خاطب نفسه التواقة إلى الترحال "أرح ركابك من أين ومن عثر / كفاك جيلان محمولاً على خطر"؛ وطه خليل بدوره لم ينعم يوماً بالاستقرار حيث "الأرق شراعه والقنوط رفيقه العزيز"، متنقلاً بين مدينته الأولى قامشلي، مروراً بدمشق وصولاً إلى المدن والعواصم الأوربية، حيث الملاذ الوحيد الذي يحميه من القمع والاضطهاد والإلغاء، وهو في هذا الترحال الدائم، و أينما ذهب "يحمل على كتفه الحائط الذي عليه صورة الحبيبة" الأنثى المشتهاة الغافية في مكان بعيد، والتي لم يعثر عليها الشاعر العاثر الحظ "أنا حجر / رماه عابرون / في الحديقة الخلفية للذي كان بيتنا / حجر وحيد... موحش / يتفتت من العزلة / ومن اسمه المهمل".

يقدم طه خليل قصيدته النثرية في لبوس البساطة، محتفيا بالحياة والأماني المؤجلة، إذ يقدم مرثيات أشبه بالبكاء على الأطلال الدارسة "كيف جفت وريقات المدى على حين غفلة/... أنهاري تعبت في يديك / وأنا في هذا الخراب صدى" وهي نبرة تكاد تطغى على قصائد المجموعة المتفاوتة الحجم التي تخيم عليها الكابة والحزن ويلوح في سطورها طعم الفراق المر والنوستالجيا التي لا سبيل إلى الشفاء منها، نبرة خافتة تستبطن الذات التي خبرت تجارب كثيرة وأخفقت في العثور على أي شيء سوى قصيدة هشة تمثل عزاء وسلوى.

فالشاعر ينصرف عن الشواغل والقضايا الكبيرة رغم انتمائه إلى قوم هم الكرد الذين طغى على كتابات مبدعيه الهم الوطني حتى غدت هذه ـ لا النواحي الجمالية والفنية ـ مقياساً ومعياراً يحكم نظرة الناقد ـ القارئ الكردي حين يقارب نتاجاً أدبياً إبداعياً كتبه أحد أبناء بني جلدته، لا بل ثمة نقاد يرون ضرورة أن يكتب الكردي بلغته الأم، فحسب، لا بالعربية متجاهلين الظروف التي دفعت الكردي إلى الكتابة بالعربية أو التركية أو الفارسية، ومن هنا نجد بأن حتى أولئك الذين يثبتون جدارة في الكتابة بإحدى هذه اللغات، لا يسلمون من هذا التقييم الفج، وربما كان سليم بركات أبلغ مثال على ما نقول، فهو ليس مرحب به لدى النخبة السياسية الكردية، وأولئك النقاد وحتى القراء ذوو الرؤية الضيقة، ولم يشفع له أسلوبه الجميل ولغته العربية الناصعة في اعتراف لا ينتظره حتماً، وهنا ينبغي الإشارة إلى أنه ورغم ضرورة أن يتناول المبدع الكردي هموم شعبه ومعاناتهم وتاريخهم، شريطة ألا يكون ذلك على حساب النواحي الجمالية والإبداعية، بحيث يتحول النص الإبداعي إلى نوع من البروباغندا المفرغة من أي إبداع أو فن، خصوصاً وأن هذه الأدلجة ـ إذا جاز التعبير ـ شكلت مدخلاً سهلاً لأنصاف الشعراء لأن ينسبوا لأنفسهم صفة "شاعر" بمجرد التغني في قصيدة رديئة بكردستان أو بزعيم كردي!.

إن الشاعر في هذا الديوان مسكون بهواجس أخرى، إذ ينصرف عما يعكر صفو الإصغاء إلى نداءات روحه الكسيرة، يلملم رماد أيامه ككردي يعيش معاناة مزدوجة على الصعيد الحياتي الشخصي وعلى الصعيد السياسي، لكنه يهمل هذا الجانب الأخير، أو بمعنى أدق هو يبتعد عن التقريرية والمباشرة، فالحديث عن معاناته الشخصية كفرد لا وطن له ولا استقرار، يحيلنا وبشكل غير مباشر إلى معاناة الكردي الذي عاش تاريخاً تراجيدياً، فكان أسيراً للجغرافيا وضحية للتاريخ، إذ يجد نفسه في النهاية خاسراً وسط التوازنات الدولية والمصالح السياسية والعنصريات التي لا تقبل أي طارئ أو مختلف له خصوصية مغايرة، وهو يختصر بإيجاز واقع الكردي في قصيدة عنوانها (أكراد) يقول فيها: " يكرهون ذات الأشياء معاً / ذات الأشخاص / ذات الدول / ويكرهون بعضهم كثيراً".

يخيل للقارئ وهو يقرأ هذه القصائد، أن الكتابة هي ملاذ الشاعر الوحيد، وان البياض هي المساحة الوحيدة المتبقية التي تتيح له فسحة للبوح والمكاشفة: "كلما وسعت الدنيا عليّ... ضاقت" وهو يعي بأن واقعه مرير، ولا يملك حياله سوى أن يقتات من مداد العمر يخط به على دفاتر الأمل هواجسه، هذيانه وأوجاعه: "هذه البلاد مخيفة بدونك.. / ترتجف من البرد والوحشة والغرباء / هذه البلاد ناقصة / ولا هلال يزين أعالي الأرض هنا / ولا شمس توقظ عصافير الحدائق / أو زهور الصبايا"، غير أن الجروح الغائرة لا تندمل بالكلمات.

يتكئ الشاعر في بعض القصائد على التراث الشفاهي الكردي المفعم بالأمثولة والدلالات والعبر، وقد استلهم شعراء كثر من ينابيع هذا التراث الغني والثر، وهو يستهل الديوان بأغنية كردية قديمة تقول: "العين التي تلمح عيشانا علي مرة.. / لن تعمى ../ لن يصيبها رمد.."، وهو لا يستحضر هذا التراث التراجيدي المليء بالخيبات والانكسارات والوجع، إلا ليسقطه على واقعه المعيش الذي يندر فيه الفرح، فالشاعر لا يني يبحث عن إجابات مرغوبة لا تأتي إلا ناقصة لأسئلة صادقة، يطرحها على نفسه، عله يتطهر من هذا الحنين العالق بدمه، ومن الأحلام التي أثقلت كيانه بخسارات متتالية مستمرة كما لو أن زمنه "عشب ترعاه أيل المساء".

تعج القصائد بمفردات وإحالات، لا يدرك معناها العميق إلا الكردي الهارب من استبداد الحكومات، فغامر بحياته في عرض البحار وعلى دروب التيه مستسلماً لسطوة السماسرة الذين لا يرق قلوبهم الخالية من الإنسانية إلا لبريق الدولار.. مفردات عن الرحيل والانتظار على أبواب السفارات والهيئات الدولية... عن قسوة الفراق والحنين إلى مرابع الطفولة والصبا: تذاكر سفر، محطات وقطارات، حدود ودول، أرصفة مهجورة ومنافٍ،أراض باردة وسماء داكنة، انتظار تعب واشتياق ممض ولهفة حرى لمعانقة الصباحات العصية على الإشراق في وطن مؤجل، لا يولد إلا في الأحلام، وها هو الشاعر بعد هذه الرحلة "السيزيفية" يعلن استسلامه بعد سنوات من الحروب والسجالات والطيران: "أرمي سيفي المعقوف وراء الباب / أركن الرمح في العتبة.. وأدع الريش يهبط.. /على هواه"، وكان حرياً بالشاعر أن يستعير إهداء كتبه عبد الرحمن منيف في مستهل إحدى رواياته يقول: "الى (....) ذكرى خيبات كثيرة مضت وأخرى على الطريق ستأتي".

 

 

 

 خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002