Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


الشجن الثقافي 



زردشت محمد

الغريب

 

( إلى وليد هرمز في تجليات حلم نتواصل في روعته دون وصاية)  

- 1 -

مدينة الطين "قامشلوكي"، تتجرد من غبارها شتاء وحرها أيضاً؛ ارتباك الريح بالغيوم المثقلة السوداء, تجر حوافها إلى بقعة الجغرافيا النائية في زاوية الخرائط. و"قدوربك" يتمطى عربون مودة, لملمة أجساد تتناسل في بيوت عشوائية, لها شكل التجاويف المحمية، من البدء للأحوال المرتقبة. كهوف على شكل أكثر تقدماً، تلم العشيرة المنبطحة في زقوم معطيات تتكاثف شكلاً,  ينتفخ في بطون لا تراها إلا مرتفعة، وأثداء حبلى تنز الحليب من فم لآخر، ودون استراحات ولو قصيرة, أطفال متدرجين بهياكل على شكل مدرجات حسب الطول، حين يصطفون أمام الكاميرا (بالأبيض والأسود) في الشارع، ويدون اسم العائلة وشجرة الاكتمال ما بعد الاثني عشر ـ الدزينة ـ تلو الأخرى. أحفاد وأحفاد يتشاجرون على مائدة الأرض، يغمسون الأيادي في منسف أكل, يلتف حوله أكثر من حلقة. الصغار في الصف الأول، وأكبرهم في الثاني.. وهكذا, تتدافع الأجساد بعضها في بعض، بحثاًً عن لقمة طيبة في ذلك السائل الجهنمي الذي تدور فيه قطعة لحم تطفو أحياناً وتغوص، و إشارات الغضب من الوجوه تتناقل بلكمات خفيفة,  وبضربات من أكواعهم والذراع في الرسغ والبطن والخاصرة.  هكذا تحمل الخليقة ميزات العشيرة الأولى, من العائلة المستترة برداء الصيف في أغلال تصفها مؤنة شتاء عصي.

 لتبدأ البداية, من قراءة الأنساب إلى حرقة المتجمد الشمالي والجنوبي، مبعثرين عن عناق يشتد في وطء البحث عن الملاذ، ومدونين صورة الخبر اليقين على ناطحات الحلم في زاوية منفاهم.

ـ الأقدار تُذهَبْ في التمسك  الإصرار؟

وصايا المسنين، في انكسار شهوات المتابعة، ودموع خفية في أحداق تميط اللثام عن هزائم مرة.  حاولوا ضمن توليفاتهم (رغم صعوبة الحياة) أن يتشبثوا بأرض تحمل كفاف مجاعات واستلاب, من الآغا المحلي، إلى الزعامات الآستانية، إلى الحكومات الجمهورية، بعد نزوح الإفرنج. وهم في مقصلة التشرد عن فلذات أكباد، يحملون حقائب النزيف إلى بلاد الثلج, بعيداً عن عصا العسكر، وقتل حلمهم في زنزانة العتمة إلى أجل غير معلوم.

قليل جداً منهم، كان يستطيع أن يودع حفيده، أو أن يتحمل هذا الانقطاع الأبدي. فلا تزال صورة  "سفر برلك" مرتسمة في مخيلتهم الساطعة، وحروب، لم يكن لهم فيها شأن، يزجون بها إلى موت أكيد,  نادراً ما كان أحدهم يخرج منها. و إذا خرج سالماً,  فكان في الضياع والتشرد,  ولا يستطيع العودة إلى هذه الحومة التي انطلق منها. سنوات ضياع، نتذكرها ونحن صغار, عن ابن عم لجد أو خال أو أخ غير شقيق، بعد ثلاثين، أربعين عاماً، تتجمع هذه الفقاعة نحو عشائر تناثرت وتشتت في الأصقاع .

لا تزال المحنة, منكوبة في وجدان الخلية الحية من تاريخ مقاطرات الدم المتتابع, في ويلات نحو نكبات إلى فاجعة تلو الأخر . و بها يندمح الجد ـ الكهل ـ المسن، في صعوبة طيران الفراخ, عن شمس القرية المتدثرة بقمصان الإصرار إلى البعيد، البعيد.... فتخلق في الذات صمت المودع في جزع الموت!!.

 صامتاً يبقى الجد, في شرود نظرات حادة إلى البعيد, وكأن الجلبة من حوله طبول مراسيم لاستقبال جسد شاب, وحيد إلى حضن الكهل الذي انكسر عقده وما عاد له أن يخلف الراية، وما عاد له ظهر, يسند إليه في تناسل الإنسان لتكتمل الشجرة الباسقة.

-  قبّل الولد قبل خروجه، لا تكسر خاطره؟

هكذا تحاول الجدة, أن تقنع الجد.  ويبارك الفار إلى الغربة, ويشحنه بالرضاء وأن يدلق عليه

تعويضات المحبة.

-  يكسرون ظهري يا "خجي", وتريديني أن أضحك من الألم؟  الله معهم.. الله معهم!!!.

صوت المئبر في نشيج الكهل، وطن يتساقط بحجيرات الهجران. شباب ينعدم في زحمة العيش، وزركشة المعايير المنبهرة بصراع الحضارات,  وتأمين الغد, بين أصابع الثلج المندس في آمال تتلاطم بمتغيرات,  تقصم الشكل والمعنى وتحيل الأنفس إلى حالات جديدة, توقف حركتها الليزر والابتكارات.  ويخرج الداخل, منفصلاً عما كان في حجرات تغسل الدماغ، وحتى الشكل. كما كان "الملا" في حجيرته الطينية, المشبعة برائحة التيس المربوط في الزاوية. نزاول حفظ  كلمات الله, في دماغ تحاول الهروب بعيداً عن صوت المشبك ونحنحة التيس, وأحياناً كثيرة عن  عصاه الرفيعة اللدنة الحارقة لجلودنا المنغمسة بالغبار والعرق.

نشيج الكهل، في معماريته الهشة ولبنات الطين المدعمة بالتبن, تتراصف، والوحل المنتزع من تلال التاريخ "البدن" الموزعة في بقاعنا, لتدشين مدينة الطين "قامشلوكي". وكأنه تبادل منكوب, مابين إرث تهاوى وانطمر في الأعماق، ليتراكم على مخلفات فيها صورة الحقيقة المنكفئة بين ذرات التراب القديم، المتقادم في سواد يجعله مؤهلاً, ليشيد مدن الطين بمتانة تفوق التراب الأحمر الزراعي بما يحويه من بذور أعشاب برية تنمو والمطر الشتائي.

تواطؤ قدري, يمتاز بارتباطات التاريخ في تشييد قامات مندثرة والتراب، في باحة المدينة الطينية تنبثق عيون الأجداد من جدران البيوت المتناثرة، تفعل حنينها في اشتقاقات القادم بارتباط لا نستطيع محو ملامحه. ونشيج الكهل، يمازج هلع الاسمنت الوبائي، في تكشيرة الهازئ المحتل على أنقاض مدينة، تزيح التراب لتدك إسفين الحديد والاسمنت في منبت الحكايا المتلاحقة, المتواترة بإيقاع خفي يتوارث من دمغات جلودنا وأنفاسنا, برائحة الهياكل المتحولة إلى تراب مرمد نعرفه من لونه، ونكتشف بحدس جواني, أجزاء الأجداد لكل ذرة منه.

نشيج الكهل المتوقف في نظرته الشاردة، وهو يودع انقطاع النخب المتداعيه, في مورثات استيلاء حضارة الأثير, والصورة المرئية بفعل جان غرباء لتلوث فضاء الطهر، وتثير حصانة الصمت, في ابتعاد فلذات الأكباد إلى معارك الطموح وفي مساحات بعيدة... بعيدة وغريبة. ولا يمتلكون منها أبجدية الدخول أو بحثاً عن ماء يغلقون فيها عطش الارتحال الإجباري.ٍٍ

الالتفاف على العنق, لا يختلف عن حبل القنب أو سلاسل الحديد, وإن كانوا الآن يلمعونها بماء الذهب, ويضعون في أسفلها قلادة، تكون وسام العراء والتنازل عن الذات. والانغماس في صحبة, تموت فيه نغمة الصوت وتتغير مفاتيح الصراخ والانطلاق... إنها لعنة لغة الآخرين, تجر اللسان من عقدة الارتباط، إلى نطق أحرف وكلمات, تجرح الحنجرة وتسرطنها... لغة نكتب بها, ونؤول فيها إدغاماتنا التي لا تتوافق ومخرج الاحساس. فحتى كلمة الحب, تتماهى  تخرج كطقطقة البراميل المتساقطة على أرض صلدة.

نشيج الكهل، في سكونه المتربع على دموع العائلة، وهي تودع الشباب دون جلبة. تصنت رباني, نحو قرابين مجانية تدفع إلى بلاد الغربة, في استئثار مروءة العيش أو بطش الانتماء المعمم في غبن الآخرين المنتهكين حرمة البقاء. وتواصل في بقعة مدينة الطين ورسم لعبة الطفولة, المكنسة بأيد غريبة، تقتل بذور حلم يتراكم من سفرين متناغمين، سفر التلال المشرعة دلالة، وسفر الكهل, بنشيج المياومة نحو شباب يغرق في ارتحالاته.

قلب في معصرة البناء، أرتال من فتك المحاور المتقلبة تستسلم لمجاعات الحروب الدامية، والرجل العثماني المريض, تنهشه تقسيمات السرطان وتضم الجسد في كيانات معزولة. وتسلم العزل, إلى الشوارب المفتولة بمكاسب الانفلات من مركز القرار, وتشكل مجموعات ضمن مجموعات, يبقى السيد في رهن بطل التجمع وهزيمة الطرابيش, نحو بؤرة الآستانة. لتسود العصابات, نحو امتحان القادمين الجدد وتكريس ما كان, ورفع القضية المؤجلة إلى أضابير المحفل الكوني, والإبقاء على رخاء البؤر في مصائد العزلة, لعزل المتوثبين نحو البقاء, ورسم حدود حق يؤسسه القضاء الأزلي, وتعود الأنفار لفك جريرة عزلتها.

قلب في معصرة, ُيدلل من ثقوب ينفخ فيه الكهل نشيجه، موارياً استعصاء العمر في كينونة المهاجر, التارك إسقاطات الفضيحة ومؤامرات الطوق المقدس, بعبث الدخلاء. والسطو المسيس,  بأمر الولي الأوحد، مستولياً على مرتع البدء.

 كان البدء، نقاط انعطاف التاريخ. يفقهه الكهل بعد انتهاك عزيمة الجسد، وتبيان صكوك العقل, المدعك بتجربة الولاء لحواشي النميمة, والارتزاق في سحر الجنان الموهومة بكتاب "الملالي"  لدعم حجة الاستقصاء, وحجل القرابين من ذي قربى في تشتت التخوم, وحصار العزل في خانات سهلة الانقراض . والأولى بالمقدس في إزاحة كل اللغات، بميزان العمل الصالح ومحاربة الكافرين . وكان المقدس طوق اللعنة ومحو كل الآثار.

 قلب الكهل، يعتصر.... كيف يودع جسده المترهل المنبثق في نهاية الظلمة، شبح الشباب المهاجر؟!!.   

- 2 -

ولأننا في الحكاية, عصب المعرفة والانتباج, ومحرك الغاروف في دوران "القلية" سند الشتاءات الثلجية الطريدة . واللحم القديد المملح, الممزوج ببرغل المؤونة بتفرعات من  (الدانوك) المسلوق, الممزوج بحامض اللبن المطبوخ (الميرية). والعدس المحفوظ في تحدبه الكامل, والمكسر والمغموس بلحم الضأن المملح, والبقر الربيط المندس في عباءة الشتاء القارس, ببخاره اللاهب للأعين قبل البطون, ومفردات الحديد المفروز في فيتامينه الضارب في فحولة الأحمال والعتالة, والركض في مواسم الحرث بأبغال وحمير مضربة عن الفع.

ولأننا في الحكاي , أزهار (العندكو) وشقائق النعمان  و(كليزار) المفعمين بطيب الأرض, ورائحة الابتداء في سلوة العاشق البري بأزهاره المحلقة على مرمى يديه. فكانت العاشقات جذلات, بما تقطف يد العاشق المهووس, في فلاة لا تضم سوى الالتفات نحو خيمة الطهر, الواسع بعشب الملائكة حين يرزقون بشمس هادئة, في بداية انفلات البرد نحو ربيع نذكره في مصبات الأجداد, وعيونهم المكحلة بحدأة النسور وشهوة الاندفاع, ليلقح بذور تفيض في احتلال قاموس الرجولة.

ولأننا في الحكاية, المسندة بقناديل (الكاز) الممسوخ, بسناج يرسم حكاية قهر يومي بلوحة الدخان, على معارج جدران الطين بالكلس المطفأ على بياضه الأسود, المتباين في درجاته. صوت الخالد من زفرات الآباء, في دفن عروق التعب والصراع في مخرج الهباب من الضوء المدبج, وبحات الاستخارة, في فراش الحليم ـ الكليم, الواسع في سجود الضهياء بأرض المكارم. وغفوة الأطفال سهواً، لينتزع حلمة الرضاعة, في إملاج الذكورة, ويركن قصب الاندفاع في دفن الرحم, بأرزاق المواليد. مولود, في لزق مواليد, ينعمون في سهي النوم, أرزاقهم في الأرض من المولى الكريم وإن جاد الجدري والطاعون  والكوليرا.

 ولأننا في الحكاية, فزع الجان بحلول السواد بعد نهار، نستيقظ مبكرين في حل الأنعام عن الأوتاد، ومن الزرائب, إلى فلاةٍ تفك السواد, شمس تحل في الأطراف من زعانفنا ذوات المحركات القائمة.  فضح النور للعشب, والأزهار وبعض الأشجار وما امتد من سهول القمح  والشعير, والعدس المقزمين المتمسكين في الأرض.

 ولأننا في الحكاية، بعثرات الفرار من الأغوات والملاكين, وشطوط عشق, مكحلة في أقاصيص الحلم بواقع الحصان الأبيض, بفارسه الرضيب في قذاله المهيب بالعاشقة المؤله . ومقذوفه وما كان عليه حتى كنا نحن, الأحفاد المهندمين في نقاط الانعطاف. لا نزال, في هزال شواخص الأعين القلقة, نهاب من خراب أعشاشنا في غفلة الراكبين, فهرس الليل والنهار بطرابيش الوراثة الأستانية، المجمدة من (مكة) في أشراف يسرقون, هدأة البر والتقوى وتكية الأولياء الصالحين, ليجروا ما تبقى لنا من حكاية, نحو ذمم الاستعباد ولغة الفصاحة التي لا نفقه, إلا إياها بعيدة عن ضمائرنا المتعبة في "سوارو" و"كروكو". ليدبجوا خزاعة الليل في كليمات البهائم, سفر النبوءة الناقصة. متناولين عرش الفظاعة,  من بني مروان إلى بني العباس إلى بني عثمان إلى بني الشرذمة. في حوقل من يستفيق على نار الأنعام, دس الفجور في العلاء وأنا وليكم الأوحد في التوحيد، فلا تخالفوني.

ولأننا في الحكاية شعب لا يمكن اجتثاثه، نزمل بترقية العبيد في انعتاقه, وكأن المكان وأد المطر في دعاء استسقاء,  ينزلق من لحية المخدر, بكارثة البخت في امتصاص الماء دون التراب. نحملق في سطور المعصية, أسماءنا المنقلبة في ثغور امتصت حليبنا المزرق في ثدي متورم, من كيمياء البداية. حين كنا, لم يكن للقادمين من التيوس البرية, سوى النطح. وصدقنا أخوة الحليب, في الجائز من الصُلب كما نسميه أخوة القلف (الكريف. لأنه من معاصي الرب, ولا يمكن أن يدنس المحرمات, في جُحر يؤمن عليه القادم, من زرع الطلي بسهول التكاثر.

ولأننا في الحكاية, مزاعم الطوفان بسليل المهارات, ومدننا المهيأة‘على أوتاد الأرباب المنعمين بصلاح. ما كنا في الأمن, إلا الأمن المؤله، حتى داهمنا السعاة في نزوحهم, باليتم والجوع, ليتخموا في قتل المحرم, وتفريق الحنون عن وليد النغي. وليتجولوا فيما بعد, بفتك الوجود.

ولأننا في الحكاية, إلفة الإنسان في أحسن خلق. ليعطف على الأنعام, ويكون المأوى كلهم وصوت الاجترار. كانت البهائم, دليلنا نحو رائحة التكوين في منافسة العشق, للعشب في اندفاعه وحتى نبوغ الندى على سيقانه العارية, واستباحة العطر البري من الأزاهير.  كل على حدة, وممزوج بخبز التنور وقود محركات سيقاننا العارية.

 ولأننا في الحكاية, شعب لا يموت. كما إرم وعماد وهامان, وعربة السريان, والسوريان وغيرها من قصص الكهف القصي، نبلغ الحيرة في فهم اللغز المحير. وندون على كل ذرة من المادة, رغم تحولها من الهيدروجين والأوكسجين, لتشكل الماء وغيرها. العنصر الأولي  بروابطه الأساسية, لنكون الكربون الخالص, في تمثله الحقيقي للألماس. وللسيلكات في رمله الذهبي, قبل أن يتحول إلى آلاف المواد المدمجة. كنا في هدأة التكوين, حين ثار بركان الوجود, وتمسكنا ببقعة التكوين لنتشكل ضمن الظروف الطبيعية من الحقيقة, في الضغط والحرارة, وموادنا الأصلية.

ولأننا في الحكاية، نسترد إلى ما بعد الواقع, في فصول النميمة. إلا إننا حقيقيون في برعم الإنسانية, رغم كل التهويمات وكل الظروف التي حاولت محو تكويننا... بقينا... بقينا العنصر الحر, في التكوين ولهذا لم نندثر. والآخرون, المتشكلون من تفاعل العناصر المختلفة، وكونوا شكلا آخرَ, يمكنهم أن يحللوا ما هم عليه, ويكتشفوا حقيقة وجودنا في تكوينهم بكل براعة.  ولأننا في الحكاية، ونستفهم (رغم أن العالم في قريته المدمجة بصولجان العصا السحرية) عن لغز المندثرين, في نعيم هندسة متفرقات تكوين, أنهم تحللوا إلى فتات, وعاد بعض العناصر لأصله,  وتغيرت بناهم الهشة,  يتباكون ما عليه وما كانوا من نعيم وسؤود في زكاة الآخرين عليهم.

من نحن في الحكاية؟!!

هذا القطيع, من برعم اللواء الحامل لعصا الله, الضارب في الحقول المكتنزة بسنابل الحصاد وشرار الحريق, في انتشاء الفتوحات الفارهة, على ناس تشققت أياديهم وأجسادهم ليكونوا امتداد الرب, في صورهم. وليقولوا: ما كان على الطاغوت أن يتمثل,  وعلى الوادعين , وعيد الهاربين الجائعين, ليلقوا بطفولة الحلم في براثن المليك الصعلوك.

ولأننا في الحكاية، سندون شخوص الوقت في شخصيات الشر والخير. بجمع غفير, من المشاهدات, في شهود صامتين, يعلقون أصواتهم في هجيع الحقيقة, دون كومبارس وتقنيات الحداثة بنقل المشهد الحقيقي.

من "فرنيكو" وين الحبة يا حباب.... وثلته المتيقظة, في اصطياد عجول "عنتر" بخناجرهم اللامعة على خاصرتهم, فوق قمصانهم الطويلة, وعقالهم المجدل على حطاطة يعتمرونها في قيظ اللهب وحصيد "الكباب" من ضأن يهيمون في ثغوها ولا يفكهون إلا  "الحميس" منها.                                        

ـ نص فرنكيو ـ سيتبع لاحقا؟

ولأننا في الحكاية, بشغف الطفولة في حارة البشيرية والآشورية, المتلاصقة وقدور بك ملعبنا في الوئام, نتلاقح في التواصل الحقيقي, لأكراد (البشيريين) الذين لم يكن يفصلنا عنهم شيئاً، رغم اختلافنا الديني. وإن كان الآن,  يحاول الآخرون لصقهم بعمود السريان وتعريبهم إلى بني آرام  وغيرهم.  ولا نزال نحفظ, الأناجيل المكتوبة "للغرزانيين" و"البشيرين",  بلغة كردية صرفة,  وبأحرف عربية. حتى لا يبتعدوا عن الكنيسة التي انحلت في الأحرف ونسيت لغة الأم, وأصبح "شمعون دنحو" من جهابذة الدفاع, عن عنصر متحلل والتاريخ المفعم في الفظاعة, وبشكل تلمسناه في بكورتنا الأولية, عن مجلس ملة تزق السم في التلائم. ولكننا, لم نكن إلا في الالتحام,  نسطع  ونتواصل,  في رائحة بخور الكنيسة الآشورية التي تعلمنا فيها فك الأحرف الأولى,  العربية قراءة وكتابة في صفوف الطين.  وفي الباحة والفرصة, تلعلع كرديتنا مع أبناء عمومتنا البشيريين والغرزان. ونتلقف الآشورية, من صحبتنا في كلمات متداولة, تبدأ من السلام إلى مفردات الشقاوة.

ولأننا في الحكاية, الغامضة, المسترسلة بلغة ولهجة كردية صافية, من "الأرمن)" الذين يوقظون فينا إصغاء مدهش, نشنف روحنا إليهم قبل آذاننا. ونستغرب من حديثهم الكردي الخالص,  بين بعضهم البعض,  دون لغتهم "الأرمنية  ويفضلونها في يومياتهم الخصبة.

فمن أين نبدأ نقش الحكاية؟!!

ومن هنا, لنعلن عن وسام الشرف الأكبر "لديكران" المغني, الشاعر، الذي حفظ ما أمكن من تراثنا الكردي, وملاحم البطولات الحقيقية, المزركشة في صدح صوته الخالد فينا. ولا ننسى أن لهم الأسبقية, في البحث عن الحكاية الشفوية, المستمرة حتى هذه اللحظة.

وماذا عن الآشوريين, الذين نزحوا من العراق في الثلاثينات حين يذكر "مالك" عن الخيانة البريطانية العظمى للآشوريين.  لينزحوا إلى القامشلي والأغلب  في منطقة "تل تمر" والارتباط بنهر خابور في بساتين وكروم لا تزال تعبق بنبيذ مخمر. كان المذاق الأول لنا, في مناسبات دينية خاصة بهم, ونحن على مقاعد الدراسة الابتدائية, مع ورق العنب والحلاوية, العابقة برائحة البخور. الكنيسة المطهمة,  في ذاكرة تنضح برائحتها الأخاذة.

حينها, نتلاقح في وئام المفردات المتباينة. ونتماسك في شد متون رفقة, بصغار يحملقون بإعجاب,  بهذه التراكيب المختلفة,  والتي تنمي ذاكرتنا الصغيرة حينذاك بألوان الطيف الحقيقي. والذي رسخ فينا التآلف الجميل, النابع من عمق التواضع فينا, بين اختلافاتنا التي كانت ذخراً لتكاملنا الإنساني آنذاك. وخاصة, ابتعادنا عن مركز القرار,  لنشكل بين بعضنا البعض تاريخاً,  يفخر به أبناؤه على كافة القوميات والمذاهب.

ولأننا في الحكاية, ولا نزال معلقين بأفئدة التلاقح العفوي السليم، سنرسل أغانينا إلى الجميع ونرقص معهم, ولهم وإليهم, كما كانت حين نسمع عن حفلة عرس,  يحييها المغني الكبير "آرام" على آلة "الجمبش" ذات الأوتار الغليظة, بلهجته الأرمنية عن أغان كردية فصيحة بقصائد ذاكرة الشاعر العظيم "جكر خوين" وفلكلورنا الناصع إلى الآن.         

ولأننا في الحكاية، جزء في الكل. والكل المتخم من الجزء وحينها لم تكن أحقاد الماضي، والنسيان في تراكماته إلا التقدم نحو الحياة بمجاهدات، تتواكب فيها شكلاً جديداً من تمازج اللغات والأقوام ببعضها، ونكون اشتعال لقاء الحياة في مبسم عريض.

كيف جاءت الرسل، ومن أعطى امتيازات التفضيل؟! يبقى السؤال البدهي لعنجهية لا جواب عليه، وإن طال مكوث الحق في أدراج الضمائر المقتولة عبر التاريخ؟!!!.   

 

 

 خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002