حفريات وترميم ونسج

إسماعيل حسن حسو

 

 

 

 

 

 

إثنينية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى أنطون مقدسي: مثقف حركة التحرر الوطني. نموذجاً.

 

 

 

 

 

 

المشهد، النقطة، السيارة،

الفاتحة، من رواية بعنوان:

صالة... متفرج... مشاهد...

الإثنينية:

يوم الإثنين ـ أول أيام التكوين ـ

مشهد يوم الإثنين، العدد ـ 2 ـ البسيط، ومقلوبه ـ د ـ الصوت/ الحرف "الدال" الذاهب إلى: مشهد يوم الثلاثاء...

في الترجيع.. الترجيع اللانهائي... الترجيع السباق...

سباق آخيل، مع السلحفاة...

ـ آخيل/ تجمع الذات، الملاك، المالك، المملوك، للتراب ـ الأرض ـ العبء.. عبء القول/ الفعل ـ

ما تلقنني به، من معلومات/ معارف... يناقض الواقع... منذ آلاف السنين

يناقض المتعارف عليه منذ... بدء التدوين، على ألواح الطين...

يناقض... مضاد للمعلومات/ المحفوظات، المخزنة في داخلي...

كمثال على ذلك:

 (آن ـ سين ـ قابيل/ هابيل- إيبور/ ابراهيم ـ ئيل ـ هرمس ـ نبُ خذ نصر)

أسألك... هل أنت واثق من معلوماتك؟... أم أنك تمتحنني؟...

ـ أنا لا أنقل... لا ألقن...

أنا لست شيخاً ألقنك.... كي تحفظ...

أنا أسرد... أروي لك،

شفاهاً... بالصوت الحي... شفاهاً... أروي... أسرد...

لكن.... لكن هذا موضوع... آخر...

مكانه ووقته، ليسا هنا...

......

في الترجيع/ الاستعادة...

ـ وفيه الخاتمة، بدلاً من المقدمة ـ

من خلال النافذة/ الشاشة:

السرير العسكري... عليه عسكري السرير/ المسارة القادمة...

الغرفة/ القاعة الواسعة الموحشة...

الأسطوانة، الدائرة، الإبرة... و

صوت ـ داخلي/ خارجي ـ مركب:

في يدك مئزر/ خرقة كاوا... وفي فمك، أيضاً، صرخة كاوا... جئت إلى أرض همزة/ ألف إبليس المطلق الكلي...

جئت إلى أرض الفساد والإفساد ملوحاً براية، نسجت من مئزر/ خرقة كاوا...

إنك تكتب ـ تقاتل ـ بشكل جيد جداً... أخلاقياً، أنت، حاد...

لكننا لا نستطيع تشجيع هكذا اتجاه على... في الكتابة/ "المعركة"...

في العودة...

ـ وفيها، الخاتمة، بدلاً من المقدمة ـ

تبتعد... عن رئيس المخفر... الحارس ـ تبتعد... تبتعد...

نبتعد... نخرج...

الصالة الغرفة/ القاعة...

مبتعدين... عن رئيس المخفر/ الحارس... حتى يغيب الصوت...

ينجلي، الكادر/ المشهد،

عن حوش دار شرقية... مع صوت رقرقة الماء...

و.. شجرة تين وزيتون ورمان ودالية عنب معرشة فوق فسقية ماء مسدسة الشكل وإلى جانبها:

طاولة، ودفاتر، وأوراق، وقصاصات...

عن دفاتر.. أوراق.. قصاصات والده "سمءل العرشقيباري"، قال رام آن:

الإثنينية: شجرة، منها، يصنع باب.. باب يفضي إلى طريقين...

الإثنينية، دلتا... وجد الدال واللام ومقلوبهما اللام والدال بالتاء...

وجد... بالقلب والتقليب والإقلاب..

وجد الإثنين الذاهب إلى الثالث/ الثلاثاء دون أن ينسى أصله الواحد

الإثنينية: لسان ثعبان ـY ـ ... ياء القدرة.. قدرة الـ "مس" ومقلوبها "سم"

الإثنينية: مقلوب النيل.. أل/ تجمع النون ومقلوبه...

الإثنينية: سم ـ سومر ـ ومقلوبها ـ مس ـ مصر ـ الرائيتيان...

مصر: تجمع النون/ النيل.. ابنة/ ابن الماء.. مصر التي بقيت ـ وستبقى ـ جذر الفعل المسرة الحكمة و... سومر...

سومرالفراتان، اليوم، العدد، الصوت/ الحرف... جذر الكلمة.. الملحمة، الأختام، البصمة...

الإثنينية ـ ظاهراً ـ دلتا..Y.. لسان ثعبان...دلتا النيل... الفراتان...

باطناً ـ الإثنينية ـ ذات، ملاك، مالك، مملوك لصوت ـ آن ـ السماء، الأم، مشروع الحقيقة التي لا تطال...

الإثنينية: معرفة...

قدرة اتكاء...

وجد بالقلب،

والتقليب،

والإقلاب...

الإثنينية: عدد ـ 2 ـ بسيط.. ذاهب إلى عدد3 ـ مفرد، بسيط..

الإثنينية: أل/ تجمع... مفرد بصيغة الجمع... جمع بصيغة المفرد...

الإثنينية: حرف ـ دال ـ صوت، بسيط...

ذاهب إلى صوت ـ س ـ حرف بسيط...

الإثنينية: سفر... إسفار...

" دال" يوم الإثنين،              

ـ أول أيام التكوين ـ

ذاهب إلى يوم الثلاثاء ـ السين ـ الثلاثة... ثاني أيام التكوين،       

دون أن ينسى أصله الواحد

ـ الراء، الشمس، شمسه ـ

الأحد،

الذي/ التي، لا يدخل/ تدخل، في العدد...

....

الإثنينية: يا "كاوا"...

الإثنينية: يا "كاب"

الإثنينية: "كاف" و"واو" و"باء"...

الإثنينية: صوت/ صرخة الـ" كاف" من كاوا في وجه الـ "واو/ الآخر"...

"الإنسان ولد حراً كي يختار".

الإثنينية: نداء/ سؤال الـ" كاف" من كاب، لـ "واو/ باء ـ نسيم، روح ـ تجمع، الآخر"، يوم يوضع قلبه في الميزان، ويسأل:

ـ هات... قل...

في قولك/ فعلك

ـ وأنت في"كاب" سمائك الثانية

حالماً.. ساعياً إلى سم ـ ك ـ بصمتك، اسمك

ـ في سمائك الثالثة ـ

هات.. قل.. في أرض أي من الألفين/ الهمزتين خدمت... حرثت؟...

....

الإثنينية: ألف/ همزة الله الفضيلة ـ المفرد/ الجمع ـ ونقيضها ألف/ همزة إبليس الرذيلة ـ المفرد/ الجمع...

الإثنينية: "اتساع الرؤية... ضيق العبارة.."

الإثنينية: "عبدي" إذا رأيتني في الضدين رؤية واحدة فقد اصطفيتك لنفسي"...

الإثنينية/ الدال،..

اليوم،..

العدد،..

الاسم،..

الظاهر،..

الصوت/ الحرف

ـ في خيط هندسي شرقي ـ

بين معترضتين:

-1-

 

جبل وقلعة وسيناريو بألوان الأيقونة:

في العودة/ الإعادة…

ـ وفيها، الخاتمة، بدلاً من المقدمة ـ

من خلال النافذة/ الشاشة...

السرير العسكري.. عسكري السرير...

جرائد.. مجلات، كتب، مرآة مكسورة مثبتة في طرف السرير

النافذة... عبر النافذة:

فراغ الغرفة/ القاعة الموحشة، في وسطها أوساخ وأتربة ومزق أوراق وجرائد وأكياس نايلون وأشواك كنستها الريح وجمعتها في الزوايا...

سيدارة وبوط عسكري مهترئ...

الصحون الهوائية.. الأسلاك.. الكوابل..

صوت قرقعة وارتطام الأسلاك بظهر العربة..

جزء من سور القلعة..

القلعة..

الجبل..

الجبل

من الطرف الأيمن.. يمتد ويذهب بعيداً حتى يتلاشى ـ مدفوناً ـ خارج المدينة...، من الطرف الأيسر.. الجبل، وفي أعلاه، القلعة، يبدوان مندلقين "ككرش" رجل متخم.

في الصيف.. الأشواك والنباتات الجبلية النابتة بين الصخور، تغطي الجبل وأطرافه وتجعله رمادياً كئيباً...

ونظراً لكون جسم الجبل أرضاً غير نفوذ، فإن الأمطار، جارفة معها الصخور والطين، تندلق من أعالي الجبل وتغدو ـ طوال فصل الشتاء ـ إطاراً للبيوت وساكنيها. الأوساخ والأقذار وفضلات الطعام المعبأة بأكياس الورق والنايلون، والمقذوفة من داخل القلعة، تتكفل بها الريح وتبعثرها ـ على مدى أيام العام ـ فوق أسطحة وباحات البيوت...

يسقط، من الأعلى، كيس، تتناثر محتوياته فوق رؤوس أسرة تسهر في باحة الدار/ الحوش فيحدث ـ بعد ذلك ـ أن الأسرة تجمع الأوساخ والفضلات وهي تتأفف، وأقصى ما تفعله، أحياناً، وبصمت، لعن القلعة وساكنيها.

من خلال نوافذ وباحات البيوت الطينية الراكعة تحت، وعلى أطراف قاعدته، يبدو ـ الجبل ـ بارتفاعه الشديد المفاجئ، كجدار... كسد عال أقيم ليفصل بين البيوت وساكنيها..، وبين الماء والخضرة والأشجار القائمة في الطرف الآخر منه...

في العودة/ الإعادة...

من خلال النافذة... الشاشة:

السرير... العسكري.. الجرائد.. الكتب.. المرآة.. الفراغ... فراغ القاعة.. الأوساخ.. المزق.. المكان المهمل.. السيدارة.. البوط.. صوت قرقعة، ارتطام الأسلاك..بظهر العربة..

الصحون..

الكوابل..

القلعة...

القلعة

لمغارة القائمة في أسفل القلعة، اسمها "مغارة الدم"... شهدت ـ هكذا يقولون ـ أول قتيل في الحياة... شهدت قابيل "الراعي" وهو يدفن ـ بعدما قتل أخاه هابيل "المزارع"... ويقولون ـ أيضاً ـ شهدت مبيت أهل الكهف فيها.." ثم يربطون تشييد القلعة بالملك الذي جاء ولم يشاهد سوى الهياكل العظمية.

في رواية أخرى يقولون:

سكنها الجيش الإنكشاري التركي، ومن ثم آوت الجنرال "غورو" وضباطه وجنوده... وقد عمل هؤلاء جميعاً، من خلال، وبوساطة القلعة، على ترويض أهالي المدينة طوال فترة بقائهم...

أيضاً، يقال عن القلعة بأنها جديدة... بنيت بعد الاستقلال.

من أنشأها؟ من هم الذين مروا عليها؟ ماالأحداث التي شهدتها؟ ما هو عمر القلعة.. بالضبط أو تقريباً؟ عن ذلك كله، ما من جواب يقيني لدى ساكني البيوت الطينية.

الناظر، من أحد أطراف القلعة، يستطيع أن يرى، "جزءاً من البحر وجزءاً من الغابة وأن يسمع ـ في الليل ـ هدير الأمواج".

كثافة الأسلاك المحيطة بالقلعة، غرابة طريقة الإحاطة... تولد في رأس الناظر إليها التساؤل... السور العجيب في علوه، والذي لا تتخلله أية فتحة ـ ولو لبضعة سنتمترات ـ ومن فوقه الكوابل والهوائيات والصحون الحديدية، ذات اللون الإسمنتي المتعددة الأحجام والملتفتة إلى كل الاتجاهات... كل ذلك، يدفع المتسائل إلى التخمين والاعتقاد بأن أشياء جد كبيرة، تجري في القلعة، خلف ذلك السور...

بصمتها... بسكونها... بخندقها.. بالأسلاك الشائكة المرتفعة من حولها إلى أكثر من ثلاثة أمتار.. بسورها، الأشبه بسور الصين، والصاعد، عالياً، عشرات الأمتار... بالشكل الجليل الذي تظهر فيه ـ في ساعات الفجر الأولى وفي ساعات الغروب ـ عندما تبدو على شكل فم مفتوح له أضراس ولسان كانت القلعة، تسكن كيان الناظر إليها، تلك الرهبة التي تنتاب الإنسان في لحظات مواجهة المجهول.

في العودة/ الإعادة…ـ وفيها، الخاتمة، بدلاً من المقدمة ـ

من خلال النافذة… الشاشة:

الجبل... القلعة.. العربة... الدفاتر ـ الأوراق.. القصاصات.. الصالة.. المتفرج… والصوت… صوت "سم ءل العرشقيباري":

السناريو.. كتابة أولى.. السيناريو.. مأخوذ عن كتاب من إصدار مؤسسة فرانكلين الأمريكية. ترجم الكتاب إلى ـ لغة الضاد ـ العربية "الحاج علي الصغير"..

يقال بأنه كان رئيساً لإحدى الدول... وفي رواية أخرى ملكاً... لكنه ـ عموماً ـ مواطن، ذهب إلى أمريكا، مهاجراً، عام(1856) ومعه ثلاثة، وفي رواية أخرى ثلاثون جملاً، والمهمة التي قام بها "الحاج..."، آنذاك هي مساعدة الجيش الأمريكي على استخدام الجمال في عمليات النقل عبر الصحراء بين "تكساس" و"سان دييجو" بكاليفورنيا.

في هذه الأيام تخلده لوحة تذكارية على قبره، نقشت عليها العبارة التالية:

"معاون أمين لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية طوال ثلاثين عاماً".

….

أثناء العودة…

صوت ـ رام آن ـ خارجي:

في اللغة السامية الثالثة… لغة الرغبات المآرب… الرغبة المأرب…

في التدوين على "اللوحين"… الألواح… في سرديات….

السرديات… الراعي قابيل صار مزارعاً…

والمزارع… هابيل المزارع… صار راعياً… ثم… حسب العهد القديم… صيغت الحكاية… الرواية…

فيما بعد… الراعي قابيل… فيما بعد… آل إلى: "كاب/ أل"… تجمع" ياكاب التاجر المرابي…"

والمزارع…

هابيل المزارع… فيما بعد، آل إلى"الألف/ الهمزة" و"السين"…" إيسُ… الملاك المالك المملوك للسين…"

إيسُ جاءت… في المدونات… في سرديات العهد القديم: عيسو… المزارع.. المغدور بالمكر…

في لغة الرغبات الماكرة… الألف/ الهمزة من الله الفضيلة… قبل هدية الراعي… ورفض هدية المزارع…

لكن…

وأنت ـ بمكر ـ تدون…/ تحبر… وتعلم بأن ما تدونه/ تحبره كذب… لكنك ـ دون أن تدري ـ تدون الحقيقة… تدون الكذب/ الرغبة… فتدون مكرهاً ـ دون أن تدري ـ رغبة الحق/ الحقيقة…

… لوحه… ثم.. نقطة، ترسم خطاً ـ مع صوت خارجي ـ سؤالاً:

للمرة الثانية، أسأل: "هل أنت واثق من معلوماتك؟… أم أنك تمتحنني؟"

….

ـ أنا لا أنقل عن لوح ميت… لا ألقن…/… لست شيخاً ألقنك… كي تحفظ…

أنا أسرد.. أروي لك../ شفاهاً.. بالصوت الحي… شفاهاً.. اروي.. أسرد..

لكن.. لكن هذا موضوع نقطة، صوت/ حرف آخر… عالجه باللغة اللصيقة الثانية..

موضوع آخر مكانه ووقته ليسا هنا…

السيناريو

أربعة رجال داخل قلعة قائمة على قمة جبل... لكل منهم فهمه الخاص للحياة.. ليس فهماً خاصاً كون عن طريق الاختيار الحر، لكن.. كل واحد منهم، هكذا رسموا... كتبوا له، وها هو ينفذ الدور كما رسموه له.. أيامهم، بشكل طبيعي عادي تكرُّ كما.. حبات المسبحة.

 الأربعة، حيواتهم، رغم اختلافها.. تتفق في نقطة واحدة:

... حيواتهم، مجتمعة، لها نكهة... جوهر واحد هو: الشلل.. الموت المعنوي... ظاهرياً لا يبدو من سلوك أحد منهم على الأقل، أي شيء يشير إلى أنهم يشعرون بشيء ما غير عادي... مفروض عليهم، بينما، في الواقع، القلعة تلفهم بحصار محكم.. تطوقهم بحصار يشبه حصار السجون لساكنيها...

علي... صالح... خالد... عبد الله.

الرجال الأربعة، هؤلاء، بالإمكان تلخيصهم في أربعة أشياء.... تلخيص كل واحد منهم في شيء...

علي...

"المخرج/ المنفذ، التفت إلى واحد من شباب أربعة يجلسون حول طاولة. الشاب لا يتجاوز العشرين.. ملامحه قروية.. توجه إليه بالكلام":

علي.. ستكون إنساناً أمياً لا يعرف القراءة والكتابة، ويمكن تلخيصك في كلمة "معدة" مثلاً.. كرش.. بطن..

همك الوحيد يجب أن ينحصر في الطعام.. في ما يملأ المعدة.. في الأكل وكل ما يتصل بالأكل.. غرفتك دائماً ستكون مليئة بكل لوازم الطعام. في أغلب الأحيان، سنراك وبين يديك شيء، يمت إلى الطعام بصلة. فيما بعد سيتضح بأن السبب في توفر لوازم الطعام عندك، ليس بطنك فقط، وإنما رغبتك في ألا تحتاج الآخرين. بين فترة وأخرى ستطلب من عبد الله أو غيره، أن يصلي، وستذكره بأن من يسمع الغناء سيصب في أذنيه ـ يوم القيامة ـ رصاص مذاب، ولكنك ستنسى ما طلبت بمجرد سماعك لصوت تحبه..

كونك "كرش. بطن" لا يمنع من أن تتحدث ـ كالآخرين ـ" بالسياسة" صحيح أنك لا تفهم.. ولكن، يجب أن تتحدث. والمحرض على تحدثك "بالسياسة" يجب أن يكون المبدأ التالي:

"الجميع يتحدثون بالسياسة فلم لا أتحدث ـ أيضاً ـ أنا؟"

الأمور التي لا تفهمها.. تسأل عنها بحذر تفقده بعد لحظات. الآراء التي سمعتها من الآخرين ستطرحها على أساس أنها آراؤك... وآراؤك هذه ستطرحها بشكل يقيني.. مطلق.. تطرحها بلهجة تنم على إنها صحيحة ولا تحتاج إلى نقاش...

مثلاً...

في لجة الحديث عن يوغسلافيا والتيارات التي تتجاذبها.. مواقفها السياسية..

سياستها بين دول عدم الانحياز.. مواقفها "الاستقلالية" من الصراع بين الكتلتين.. وهل هي صحيحة أم خاطئة.. في ذروة حديث كهذا، ستلتقط كلمة "يوغسلافيا" وتقول لافتاً انتباه الآخرين إليك:

ـ "يوغسلافيا؟ إنها بلد تيتو.."....

هكذا ستلخص شعب يوغسلافيا في كلمة تيتو و"تيتو" في الشعب اليوغسلافي في أثناء ذلك.. لا تنسى أن يعلو وجهك تعبير ينم عن أنك جئتهم بالحلقة المفقودة.. الأحداث والأحاديث السياسية يجب أن تلخصها.. أن تجردها.. تحولها إلى ما يشبه الحكاية...

علي طبعاً ستكون لك اهتماماتك ومشاكلك الخاصة. هذه المشاكل والاهتمامات التي تعيش في داخلك ستتحدث بها... عنها.. دون أن تفصح عن نواياك الحقيقية وعندما تنكشف نواياك الخبيئة ومراميك ـ كالأطفال ـ تبتسم وتضحك باستسلام... شيء آخر.. أنت الوحيد الذي سينادي على عبد الله "عفدو"

هذا هو الدور المرسوم لك، ولكن... عليك ألا تنسى بأنك ـ في الجوهر ـ بطن.. كرش..

خالد:

"أو: كمشة عضلات... "بريانتين" وشوارب مشذبة" وشعر مسرح على طريقة فناني الثلاثينات"

كمشة عضلات، وجسم رياضي وهاجس:

كيف ستنمي هذه العضلات وهذا الصدر؟! مثلك الأعلى"ستيف ريفز"…

عدا ذلك ستنشغل بأمور أخرى:

"الموضة" ومراسلة إذاعات العالم ـ وخصوصاً "مونت كارلو" طالباً منها أغانيك المفضلة ومعدداً لها هواياتك وحبك لمنظري الشروق والغروب والفلسفة والسباحة والهوكي والسينما ومصارعة الثيران، ورغبتك في مراسلة ـ فقط ـ الجنس اللطيف المؤمن بالحوار الهادف... ستؤكد لهم على ذلك.

أيضاً ستصادق المجلات المصورة. وستجعل من نفسك الوجه الثاني لكل بطل فيلم تشاهده في السينما.

تلك هي حدودك، وعليك ألا تخرج منها وعنها.

صالح: لا ملامح محددة له..

اترك الباروكة جانباً وأصغ إلي...

هناك محوران ستتحرك عليهما...

الأول: إنك تشك في زوجتك...

والثاني، وهو الرئيسي: أنت، في تلك القلعة، عبارة عن "عين بصاصة" مبثوثة بينهم من أجل نقل كل ما يجري فيها ـ في القلعة ـ" إليهم".

المحور الأول:

إنك تشك بزوجتك ـ الجامعية ـ وبعدم إخلاصها لك.. لها عشيق ـ هكذا ستعتقد ـ وستعمل بكافة الوسائل من أجل ضبطها ـ وإياه ـ بالجرم المشهود.

..."اليوم لن آتي، عندي مبيت... سأنام في القلعة"، وفي منتصف الليل تباغتها وتفتح عليها الباب وبالعكس... دائماً ـ وفي أوقات غير محددة ـ تتسلل من القلعة إلى البيت وفي ذهنك "اليوم سأضبطها معه".

... أنت معجب بخالد. ولذلك... علاقتك به ستكون أقوى وأمتن من علاقتك بالآخرين. إنه ـ خالد ـ على علم بمشكلتك مع زوجتك ـ التي هي في الوقت نفسه ابنة عمك ـ وبين حين وآخر تحدثه عنها وعن شكك فيها. ذات مرة يزورك في البيت. تريه صوراً لك ولها قبل الزواج وبعده، فتنسى صورة لها بين يدي خالد، الذي بدوره يخفيها عنك... أيضاً ـ خالد ـ هو الوحيد الذي يعلم بأنك، في الليل، تتسلل من القلعة إلى البيت من أجل أن تباغتها مع عشيقها...

بالنسبة للقضية الأولى والأخيرة التي نذرت أو.. نذروك "هم" لأجلها..

القضية ـالمحور الثاني أكبر وأهم وهو الرئيسي..

أنت "عين".. عين مبثوثة بينهم من أجل نقل كل ما يجري في القلعة "إليهم" وهدفك هو "عبد الله" بالذات... رصد حركات عبد الله.. أقواله "عنهم"... تلاحق وتترصد أحاديثه.. عما كان يقوله منذ قليل.. تدخل أثناء غيابه ـ عربته ـ وتحاول سرقة كل ما يفيدهم أو تشعر بأن "هم" سيستفيدون منه.. نوعية قراءاته... إنها أوهام... يجب أن تنتبه بدقة لكل ما يقرأه.. في علاقتك معه يجب  ألا تشعره بأنك قادر على إيذائه وعلى إخفاء كل أثر له خلال لحظات.. فيما بعد، وتقديراً لخدماتك، سيصدر قرار بتسميتك أديباً.. فتصبح أديباً ولكن لا تنسى الرئيسي...

لا تنسى.. أنك "عين" موجودة بينهم و ـ فقط ـ لأجله هو... عليك أن تلاحقه كالظل.

المخرج/ المنفذ يلتفت إلى خالد..

لتفاصيل ومعلومات أوسع حول خالد.. انظر مشهد:

"صديقتي لا تفهم بالسياسة"

ثم… إلى صالح:

لمزيد من التفاصيل حول صالح انظر مشهد "موزاييك"، بعدما صدر قرار رسمي بتسميتك أديباً…

أيضاً، انظر مشهد "ببالي.. سمانا وبلدنا ببالي"…

ثم... إلى:        

عبد الله/ العفدي:

عبد الله: "ناعم الجسم والعظم.. نحيف.. وجهه يدعي الهدوء".

ها إنك ـ الآن ـ أمام الصورة بأبعادها.. بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة.

نعترف، منذ البداية، بأن الصورة ـ الواقع ليست كما تريد.. إنها محزنة... مؤلمة.. جارحة حتى العظم. ولتكن، الصورة ـ الواقع، كالشفرة في حنجرتك. و... لك، أن تحدد.. أن تختار طريقة تعاملك مع الصورة ـ الواقع ـ الشفرة..

لك أن تبلعها...

و.. لك، أن تخرجها...

لك أن تكون خارج الزمان والمكان... تدع النار جانباً، و... تترك العالم يموت من البرد...

لك، بعدما تؤمن لنفسك ـ بأي شكل كان ـ وضعاً مريحاً، أن تطالب الآخرين بالإيمان بالأجيال القادمة. تؤكد ـ لهم ـ على الآتي... على المستقبل والجنة التي تنتظرهم..

و... لك، أيضاً ـ فأنت حر فيما تختار ـ أن تجعل من قلبك ناراً ملتهبة تضعها على كفك وهاجسك الأوحد إيصال النار للآخرين... تجعل من قلبك الذي يعلو كفك، ناراً ملتهبة تضيء الطريق للذين تحبهم..، ولكن.. في اختيار كهذا ـ يجب أن تعلم بأنه سينكتب عليك أن تكتوي... أن تحترق بنار معرفتك... سأوضح لك أكثر:

في اختيار كهذا، عليك أن تعلم بأنك ـ وبينما النار، نار المعرفة في كفك ـ ستقف، في وسط الساحة، وحيداً.. باحثاُ عمن تحب.. تتلفت يميناً.. تتلفت يساراً.. لكن... ما من أحد... و... كلما ازداد حبك لهم... كلما ازدادت أذيتهم لك...

" العين بصيرة واليد قصيرة".

هذا المثل انكتب وقيل لأجلك...

واضح...؟

للمرة الأخيرة، الصورة الواقع الشفرة في حنجرتك و.. لك، أن تختار..

لك، أن تبتلعها...

لك، أن تخرجها...

...

في كلا الاختيارين جرح، ولكن...

"إنه دورك، وأبعد من ذلك... لن تذهب".

في العودة/ الإعادة...

- وفيها، الخاتمة، بدلاً من المقدمة-

من خلال النافذة... الشاشة:

الجبل.. القلعة.. العربة.. الدفاتر.. الأوراق.. القصاصات.. الصالة.. المتفرج... والصوت... صوت "سمءل العرشقيباري" : على خلفية من مطر... أحلام مطر يتكسر على لوح زجاجي... مطر، فيه، هموم مثلث السماء ومثلث الأرض... مطر يريد أن ينفذ... يروي... فلا ينفذ... ولا يروي...

"إنه دورك... وأبعد من ذلك ـ في هذا الفصل وحسب ـ لن تذهب"...

إنها الترجمة الحرفية لذلك السطر الأخير...

ما قيل لعبد الله، في الترجمة الأولى، أيضاً، قيل لصالح وعلي وخالد...

وما لم يصل لعبد الله في الترجمة الحرفية الثانية، أيضاً، لم يصل إلى الثلاثة الآخرين...

الترجمة خيانة... الترجمة قفا السجادة...

يتضح، في الترجمة الثانية، بأن الاستلاب لن يكون الوجه الثاني/ الدائم لعبد الله وعمره...

وبأن لعبد الله- كما للآخرين- مصيراً آخر... ومصائر أخرى...

نحن نعتقد... باتفاق مسبق بين مجموعة المؤلفين والمترجم/ المخرج ـ المنفذ، تعرض هذا السناريو/ الكتابة.. الفكرة.. الرغبة إلى حرف وتحريف وانحراف... أوصل... الأربعة... بمكر...

أم... نحن نعتقد بفكرة المؤامرة...؟

لنتساءل:

لماذا أسقط المترجم ـ المخرج ـ المنفذ... الذي فصل ويفصل نفسه ـ سنلمس ذلك فيما بعد ـ على قد قدم الكتاب الصادر عن مؤسسة فرانكلين الأمريكية...

لماذا أسقط جملة" في هذا الفصل وحسب"؟

لنتساءل:

أنت... هل ترضى لنفسك أن تكون "معدة... كرشاً..."؟؟ تبدأ حدود عالمك وتنتهي عند الطعام.. عند حشو البطن؟؟

وأنت... هل تقبل أن تكون كاتب تقارير؟ وأنت وأنت وأنت... هل تقبل بأن تكون كمشة عضلات وبريانتين وعادة سرية؟؟.

سأفصح..

هل توافقون على أن  تفقدوا إنسانيتكم؟!..

نياتكم الطيبة، دعوها جانباً، وتعالوا لنتساءل، وليكن السؤال على الشكل التالي:

"إذا كان من مصلحتهم ألا نعيش الحياة في شكلها الصحيح... إذا كان من مصلحتهم أن نفقد إنسانيتنا فكيف يكون ذلك، من مصلحتنا؟".

....

في العودة/ الإعادة... والصوت... صوت رام آن:

... إنه سؤال عادل الخالدي في رواية "الآن هنا... شرق المتوسط مرة أخرى"...

"هل تستحق الحياة أن تعاش إذا تحول الإنسان إلى دمية يعبث بها... والعابث بها ـ بسخرية وإذلال ـ لا يرى، فيها ومنها، إلا مؤخرة وأشياء أخرى؟"

وهو ـ السؤال ـ من الاستعارات.. الهوامش.. الكتابات التي جاءت ـ في وقت متأخر ـ ما بين السطور      

في الترجيع...

ـ وفيه، الخاتمة، بدلاً من المقدمة ـ

من خلال النافذة/ الشاشة:

السرير العسكري... عليه: عسكري السرير/ المسارة القادمة...

الغرفة/ القاعة، الواسعة، الموحشة...

الأسطوانة، الدائرة، الإبرة، وصوت داخلي:

أوقفني في الدلالة، وقال لي:

"المعرفة بلاء الخلق خصوصه وعمومه،

وفي الجهل نجاة الخلق خصوصه وعمومه".

-2-

الإثنينية/ الدلالة

ـ مثلث السماء، مثلث الأرض ـ

زخرف، خلقته، حركة الخيط ـ الهندسي ـ الشرقي...

علي: الربع الأول من الخيط، الزخرف، المشهد:

من الثانية عشرة إلا...

إلى الثانية عشرة.         

وقف بباب العربة. أمامه، على السرير الفردي العسكري، عبد الله بين يديه جريدة، إلى جانبه كتب ومسجلة ومرآة مغروزة في رأس "السرير".

الموسيقا... مصدرها المسجلة.

ـ أهلاً علي... تفضل.

ألقى الجريدة جانباً وأفسح له مكاناً...

* جئت أبشرك ـ قال علي زافاً البشرى بحرارة ـ والله لـ... أم "اليهود" أمريكا صارت معنا.

ـ من أين سمعت؟

* من الإذاعة..."عفد" أمريكا إسلام مثلنا؟، أردف... وقال غاندي اعتزلت السياسة؟!

- قدمت استقالتها.

* حلال عليها والله. اعتزلت بعز... البني آدم لازم يترك وهو معزز ومكرم.

سكت للحظات ثم التفت إلى المسجلة ـ الفاصل... هو اللحن المصاحب لمشهد محاصرة سبارتاكوس من قبل "كراس" وأعوانه.

أطفئ المسجلة يا... "واش هالموسيقا؟! مثل صوصوة الجرذون المحاصر في بيت المؤونة".

تلفت حوله. تناول كتاباً وقعت عيناه عليه. قلب بهدوء، ثم بسرعة: "ما بيه صور؟" القاه جانباً.

ـ المجنون مازال "حاطط" عقله بعقل الحجر والحديد؟

 * خالد؟ ما زال.. كم الساعة؟" نظر إلى الساعة في صدر العربة ـ تشير إلى الثانية عشرة إلا...-" أقوم. صار وقت الغدا...

***

للقلعة أربعة أبراج. من برج ما:

العربة. السور. الساحة ـ ساحة القلعة ـ أعمدة وكوابل وأسلاك قادمة من اتجاهات متعددة... مشدودة إلى أعمدة أخرى، ثم، متفرعة وذاهبة إلى اتجاهات شتى.

في أقصى اليسار، باب غرفة مفتوح على مصراعيه. على بعد قدمين من الباب سرير عسكري مقلوب على خاصرته. السرير في منتصف الباب. بفعل الشمس الحادة، ارتسمت قضبان السرير ـ المتصالبة ـ على ارضية القلعة بشكل بارز ونافر. في فيء سور القلعة جزء من مقعد خشبي. يتوسط ساحة القلعة، سلك، نشر عليه جوارب وقمصان وسراويل داخلية.

خرج علي من وراء العربة.. مشى عبر الساحة، باتجاه غرفته. استنشف السراويل...

***

غرفة علي من الداخل:

على الأرض، وتحت السرير، أكياس من الورق والنايلون معبأة.. قميص وبنطال فوق مشجب معلق في صدر الغرفة. فرشاة ومعجون وماكينة حلاقة للذقن. طنجرة.. في وسط الغرفة ثمة فردة حذاء عسكري.

.... دخل الغرفة، بإحدى قدميه طرد فردة الحذاء جانباً. تلفت حوله.. الطنجرة. أخرج- من داخل الطنجرة- صحناً. من بين الأكياس، جر- نحوه- كيساً كتانياً- الكيس مليء بالبرغل- أفرغ بعضاً منه بداخل الصحن وخرج..

***

وقعت عيناه على عبد الله ـ في أقصى القلعة.. في الفيء ـ جالساً على المقعد الخشبي.. معصوب العينين.. ظهره إلى الجدار.. توقف...

"أقول له يتغدى معي؟"

ميل الصحن يميناً ويساراً.

"يكفينا؟".

ارتد إلى غرفته.

إلى يمين عبد الله نافذة، وغرفة، بابها مخلوع. لا زجاج للنافذة. حطم... فقط في الأطراف، بقايا منه.

الغرفة فارغة... واسعة ـ فراغها يثير الوحشة في النفس ـ جاء صوت علي قوياً وحاسماً:

ـ "عفدو"... الليلة ستتغدى معي.

ـ ماذا ستغديني؟

ـ مجدرة وبجانبها سلطة خضرة، بشرط...

ـ شرطك؟.

ـ تكتب لي ديباجة حلوة على كيفك لرسالة أريد أبعثها للأهل ـ صوت علي اكتسب رنة رجاء طفل محبب للنفس ـ... صار لي أسبوع وأنا، يومياً، عم أشوف منامات ما "مليحة"... أريد أستخبر من الأهل عن حالة الزرع والغنم...

عبد الله، لعلي، بخبث:

ـ تستخبر عن الزرع والغنم أم عن مشروع زواجك؟.

ابتسم علي... بخجل واستسلام:

ـ عن الإثنين...

في الطرف الأيمن من عبد الله، السرير العسكري.. جالساً عليه علي وقد ظهرت خلفه الغرفة الفارغة.. في وسطها أوساخ وأوراق وأتربة وبقايا أعشاب شوكية جافة كنستها الريح أمامها وألقت بها في أرجاء الغرفة...

ـ فرط موضوع بنت عمك؟.

ـ من زمان.. في آخر مكتوب من والدي قال لي راح أسوق لك على واحدة من ضيعة أمك..

ـ على خير.. اتركها للمساء، عند السهرة...

ـ أقوم أحضر لك سلطة على كيفك...

***

خالد: الربع الثاني من الخيط، الزخرف، المشهد/ اليوم وهو ـ الربع ـ مقلوب/ إعادة الربع ـ المشهد/ اليوم ـالأول...

من الثانية عشرة إلا...

إلى الثانية عشرة.

جدار مغطى بالصور. أمام الجدار:

جذعان مقوسان.

أربع شفاه، لفمين منفرجين ببلاهة.

أربع أعين مشدوهة، لوجهين يأكلان مجلة.

ـ أثناء تقليب الصفحات.. تبدو:

صور عارية... رجال ونساء يتضاجعون فرادى ومثنى وجماعات.

عشرون إصبعاً تتلمس.. تتحسس أجساداً.. لحوماً تمارس طقوس الجماع بشبق.

جذعان مقوسان ـ أربع شفاه لفمين منفرجين ببلاهة ـ أربع أعين لوجهين يلتهمان مجلة.

الأول: خالد.

الثاني: صالح.

و... لكم أن تتصوروا وجهين جائعين جوعاً كافراً.

***

قذف خالد المجلة بقهر وانتفض من مكانه كالنابض. وقف بالباب. بقبضته ضرب الباب، بعنف وصرخ صرخة الباحث عن فريسة.

ملتفتاً إلى صالح:

ـ اليوم نازل؟.

ـ بعد ساعة... انتبه للأجهزة والشباب في غيابي..

***

في المقدمة، من الطرف الأيسر، صهريج.. أمام الصهريج قضيب حديدي يتوسط علبتين محشوتين بالبحص والاسمنت. خلف الضهريج، الفيء والمقعد الخشبي والغرفة الفارغة المجانبة لغرفة صالح. صوت الراديو خالد في منتصف الباب.. خالد يهجم على الحديد... يخرج علي من وراء الصهريج... في الطرف الأيمن من المقدمة، جانب من عربة خالد في وسطه نافذة مستطيلة بارزة. النافذة وزاوية الرؤيا تسمحان برؤية مساحة واسعة من داخل العربة... عبد الله يخرج من العربة.. خالد يترك الحديد... يتوجه إلى عبد الله.. يحاصره.. خالد، يسأل عبد الله عن جسمه... ومن بعد الإجابة.. خالد، يحمل عبد الله... يصعد به نحو الأعلى ويدور به في أرجاء القلعة.. العربات، الكوابل.. ثم.. الصهريج.. ثم.. خالد يضع رأسه تحت ماء الصهريج طويلاً.. ثم يختفي خلف العربة...

من خلال نافذة العربة يبدو خالد:

استرخى على السرير.. كفه تمسد بطنه.. تنزل ـ كفه- إلى ما تحت صرته ـ نقطة لقاء فخذيه ـ غير وضعيته.. انبطح على بطنه.. حدق في النافذة.. نهض. أحكم إغلاق باب العربة. أسدل، بينه وبين المتفرج ـ ستار النافذة الجلدي ـ الستار انسدل... مصدراً صوتاً كصوت الصفعة...

***

صالح: الربع الثالث من الخيط، الزخرف، المشهد/ اليوم... وهو- الربع- مقلوب/ إعادة الربع، المشهد الثاني:

من الثانية عشرة إلا...

إلى الثانية عشرة.

صالح والمرآة في يده. وجهه مليء بالبثور وحب الشباب... على خده الأيمن التقى بواحدة.. توقف عندها.. حاصرها بإصبعيه.. من الجذر، صاعداً نحو الأعلى، ضغط معتصراً.. أخرج القيح، ممتزجاً بالدم، من داخل الجلد عنوة. مسح رأس إصبعيه بطرف بنطاله العسكري ثم نظر، عبر النافذة، إلى ساحة القلعة. صوت الراديو

***

خالد ورأسه تحت صنبور الصهريج..

من المنعطف، ظهر علي وبين يديه صحن. تقدم بضع خطوات، ثم عاد ...

***

وضع المرآة جانباً. من الباكيت المرمي أمامه على الطاولة، سحب.. أشعل سيجارة. وجهه ينم عن أن ذهنه مشغول... يفكر، بوسيلة ما، لأمر ما... صوت الراديو.

نهض بحيوية.. وقف بالباب. إلى يمينه عبد الله في الفيء. مسنداً ظهره إلى الجدار..

ـ أحضر براد شاي؟.

سأله بمودة. رغبته في تهيئة البراد واضحة... ارتد... ملأ البراد بالماء ووضعه على السخانة الكهربائية... ثم تناول المرآة...

ـ الآن سيثبتها أمامه.. وبالملقط الذي سيخرجه من درج الطاولة، سيفتش عن الشعر في منخريه.. على كراسي خديه وحول أذنيه... إنه لن يجد شيئاً.. لأنه لا يهمل الشعر.. إنه، يومياً، يلاحقه ويجتثه من جذوره.

***

جدار غرفة صالح الذي تتوسطه النافذة المشرفة على ساحة القلعة، مغطى بصور فتيات عاريات في أوضاع مثيرة. الصور مزقت من مجلات.

من خلال النافذة: السراويل والجوارب والقمصان الداخلية، المنثورة على السلك، ساكنة بلا حراك.. صهريج الماء. لهيب حرارة يتصاعد من ساحة القلعة... خرج من الغرفة واتجه صوب الصهريج ـ وهذا فعل آخر، كنتف الشعر، سيتكرر في اليوم أكثر من عشر مرات.. سيغمر رأسه بالماء.. يجففه.. يسرحه ثم يربطه بالمنشفة ـ.. انتبه إلى قرقرة الماء في براد الشاي...

***

المذيع ـ من إذاعة صوت العرب ـ يتحدث عن نجاح المحاولات في تحييد أمريكا وكيف تحولت إلى صديق مخلص للعرب.. يتحدث عن الفوائد التي جنتها وستجنيها الأمة العربية من صداقة أمريكا..

من خلال الباب يظهر جزء من عبد الله وبالذات قدمه اليسرى وهي تدق أرض القلعة بانفعال وعصبية.

دخل صالح وبيده علبة شاي وكاسات.

خيط النمل الزاحف... يبدأ من الخارج، بمحاذاة الجدار، وينتهي بين، وحول، وتحت، وداخل، مجموعة صحون طعام ملقاة على الأرض خلف الباب...

بعضها قذر ـ يحوي طعاماً مرت عليه عدة أيام ـ وبعضها يحوي طعاماً للعشاء

صوت طنين الذباب مثير.

الذباب نشط ودائم الحركة والتنقل، بين ذرات السكر وبقايا الشاي المحلى، على ظهر الطاولة وحواف الكاسات.

ـ عبد الله الشاي اختمر. تعال اشرب...

صوت صالح.

بلا رغبة، دخل عبد الله، واستلقى على السرير العسكري.

خيط النمل...

ظهر الطاولة والكاسات والذباب... صوت الراديو... صوت طنين الذباب...

قال عبد الله: يلعن رب الذباب...

قال صالح، بعد ما رفع الكاسات عن ظهر الطاولة ومسحها بالإسفنج المبلل:

ـ ابن الحرام خالد شرب الشاي وترك الكاسات على الطاولة بوسخها.

تأفف عبد الله: يعني، اتهامه لصالح بالقذارة..

صالح يعي ذلك...

فاصل موسيقي من الراديو. أنامل عبد الله منسجمة مع الفاصل...

ـ تفضل.

صالح، صب الشاي ووضع الكأس أمام عبد الله.

فور انتهاء الفاصل، مد المذيع رأسه وابتدأ بتلاوة الحديث عن التكتيك الذي رسمه "الرئيس المؤمن" من أجل تحييد أمريكا. في الصراع العربي الإسرائيلي.

أحد ساعدي عبد الله تحت رأسه، والثاني، توقف عن نقر ظهر الطاولة وبقي معلقاً في الهواء...

امتلأ جو الغرفة بالصداقة التي أخذت تتوطد بين العرب وأمريكا... بنوايا أمريكا الطيبة.. بالنتائج المترتبة على الاتفاقيات التي عقدت والتي ستعقد مع أمريكا... بالاقتصاد، والمستقبل الآمن والذي سيزدهر عن طريق الانفتاح...

امتزج صوت طنين الذباب وحركته بصوت المذيع بخيط النمل الزاحف...

ساعد عبد الله المعلق بالهواء هوى على الطاولة.

ـ تطفئ الراديو أم أكسره لك؟.

* تسمع غنا...؟.

وقبل جواب عبد الله ـ الذي تكوم على نفسه وأعطى وجهه للحائط ـ وضع صالح شريطاً وضغط على مفتاح الصوت.

(أغنية شعبية بصوت مطرب شعبي قروي)

من خارج الغرفة جاء صوت علي:

ـ ارفعوا الصوت يا... الحريتاني زين الشباب "قربان دينه".

صالح نوس الصوت بطلب من عبد الله...

دخل علي زاعقاً في وجه صالح:

ـ ارفع الصوت يا...

رفع الصوت، ثم... لعبد الله:

ـ اسمع "عفدو" اسمع.. صوت مثل الذهب.

صالح سأل عبد الله:

* صوته حلو؟

عبد الله، دون أن يفتح عينيه، مجاملاً، هز رأسه بآلية.

علي... لعبد الله:

ـ هذا الحريتاني.

صالح زاد على ذلك:

* أبو حسن الحريتاني في حفلة "عين التل".

- طاق طاق طاق طاق...

صوت الرصاص انتزع عبد الله... وأعاده إلى داخل الغرفة...

الوجه، منه، يشير إلى أنه بوغت بصوت الرصاص.

اتسعت ابتسامة ـ فرحة علي لزخات الرصاص.

ـ اسمع "طق الفشك" اسمع...

علي مازال واقفاً في وسط الغرفة. تابع موجهاً كلامه لعبد الله:

ـ آخ لوتسمع حفلة "المشارقة"..."عفدو" مالك عليّ يمين.. في حفلة" المشارقة" طرق الفشك بيشتغل مثل المطر... الحريتاني "مهول".. عندي(17) "شريط" للحريتاني..

***

علي في الطرف الأيمن.. عند الباب. صالح في الطرف في الأيسر فوق كرسي خيزراني.. بينهما، في وسط الغرفة، طاولة خشبية بنية اللون عليها براد الشاي والكاسات وعلبة الدخان والكبريت والمرآة. خلف الطاولة، عبد الله مشدوهاً بحماسة علي، المتجددة، للمطرب.

صالح لعلي:

* الدرحشيني صوته أحلى...

علي لصالح:

ـ "اسكت يا.."وأنت اش فهمك بالغنا"... يازلمة الحريتاني أقل من نقد عروس عن الحفلة ما بيقبل".

***

جذع صالح مندفع للأمام ورأسه، على كتفيه، يتحدى..

علي، جانبياً كتفه الداخلي أعلى من كتفه الخارجي. كلاهما، في مواجهة بعضهما، لا يذكرانك إلا بديكين متناحرين في وسط حلبة.

في الوسط، منهما، عبد الله برأس غائص بين الكتفين...

على الرغم من أن المشهد ليس جديداً عليه ـ فقد شاهده أكثر من مرة ـ فإن دهشة الطفل مرتسمة على وجهه.. في عينيه..

صالح، لعلي، بتحد:

* أنت سمعت أغنية "الدرحشيني" (حبيبي راكب على البسكليت)؟.

ـ سمعتها.. "بس ما فيها طرق فشك"...

ـ تراجع علي عن هجوميته السابقة، واتضح أنه يحب الدرحشيني ـ وهو مطرب شعبي ـ وبالأخص، يحب أغنيته هذه بقوة، ولو كان الند.. غير صالح لدافع عن الأغنية بضراوة، ولكن....

تابع علي مبرراً حبه للحريتاني وبلهجة تسامح مع الدرحشيني:

ـ الدرحشيني سرسري بيشرب خمر... و...

ـ الوجه الثاني لجملة علي الأخيرة هو:

"الحريتاني ذهب للحج ثلاث مرات وما ذاق الخمر طوال حياته ولا يغني في حفلة تضم ولو مستمعة واحدة، بينما الدرحشيني..".

علي. صالح. في الوسط، منهما، عبد الله.

مع إغلاقة عبد الله لعينيه، يزحف، من الأطراف الأربعة، سواد يحجبهم ـ ثلاثتهم ـ عنا.

***

"عبد الله/ عفدو": الهمزة، الملاك المالك المملوك لرؤيا الماء...

 ـ الربع الأخير من الخيط الزخرف، المشهد/ اليوم الأول...، وهو ـ الربع ـ مقلوب، إعادة أخيرة للزخرف ـ المشهد،... كاملاً...

من الثانية عشرة إلا...

إلى الثانية عشرة.

أطفأ الراديو بحركة نزقة، مقهورة:

ـ المذيع، كان يتحدث، بإسهاب، عن التطور الحاسم الذي طرأ على مواقف أمريكا من قضية الشرق الأوسط والنزاع العربي الإسرائيلي... تأكيداً على ذلك، كان يستشهد بخطب وتصريحات...

ـ ضغط على مفتاح الصوت في المسجلة.

***

تمثال الحرية الأمريكي بوجه لطيف ووديع يتحرك في/ إلى كل الاتجاهات..

بخطوط منحنية.. حنونة. يتحرك بأشكال منكسرة.. ملتوية.. يتحرك... ينسج كما المكوك في خيوط السدة واللحمة ـ

يبدل مواقعه من اليمين إلى اليسار إلى الوسط.. يغير.. يحسن أماكنه، من زوايا سيئة إلى زوايا يرى فيها بشكل أحسن وأجمل.

صوت: ...."وأذل من الذليل يغيظ... ذل من يغبط الذليل بعيشه"

بعضهم، وبوجه ذليل لا حياء فيه، ينتقل من طاولة إلى طاولة، من كرسي إلى كرسي مستجدياً

ـ من أولاد الحلال ـ غصن الزيتون...

عبد الله على سرير عسكري فردي، وإبهامه بين أسنانه، من عل، يشاهد...

.. يراقب شيئاً ما، سيشغله ويؤرقه طويلاً:

فوق رأس عبد الله مقتطفات/ كتابات بخطوط "كوفي المصاحف... كوفي فاطمي.. ثلث..":

".. ونفخت فيه من روحي.."

"إذا لم تشهد ما لا ينقال، تشتت بما ينقال"

"فعل القلب أصل لفعل البدن فانظر ماذا تغرس وانظر الغرس ماذا يثمر.."

"الخط الجميل ـ الجمال ـ يزيد الحق وضوحاً"..

".. من الماء كل شيء حي..."

التمثال... في مواقع متعددة، في أقصى اليمين. في أقصى الشمال. في أعماق الوسط. التمثال مصحوباً بالصوت... بالاستجداء.. وجهاً لوجه، التمثال والصوت:

ـ غصن زيتون... كرمى لله يا طيبين يا أولاد الحلال...

صوت: .."وأذل من الذليل يغيظ.."

الحركة المصحوبة بالصوت المتوجه إلى التمثال، حيثما كان، تومئ إلى أن الصوت يستجدي التمثال..

صوت قرقعة وارتطام الأسلاك بظهر العربة، يشبه صوت صفعات.

عبد الله على السرير.. وإبهامه بين فكيه، من عل، يراقب.. يشاهد.. يرى.. ومع ما يرى يرحل بعيداً...

***

مكان ما من جسم إنساني، فيه، تغوص شفرة حادة. ترسم خطاً، يغدو ضفتين، من بينهما، ينبجس دم حار.

***

نفض عنه كل المرئيات.. نظر إلى الساعة ـ تشير إلى الثانية عشرة إلا... ـ التفت جانباً... تناول الجريدة المطوية... توقف وأمعن النظر في مقطع كان قد قرأه أكثر من مرة ووضع تحته عدة خطوط:

"... والاتجاه إلى نوع من السينما يعتمد على تتبع إيقاع الحياة الإنسانية في الواقع اليومي ليستخرج دلالته الإجتماعية وليصل إلى عملية إدراك شامل... فكلنا نعيش في سجن هو سجن الزمن والذي هو مجموع سلوكنا اليومي... احتكاكاتنا بالآخرين وتأملنا لما حولنا وعزلتنا و...".

صوت..

رفع رأسه.

علي يقف بباب العربة.

ـ أهلاً علي.. تفضل..

***

من الخلف، علي جالساً على طرف السرير، عند قدمي عبد الله...

عبد الله، وبجانبه جرائد ومجلات وبضعة كتب وراديو ـ مسجلة، ومرآة مكسورة مجزأة، ومثبتة في طرف السرير.. منه إلى اليمين: نافذة، بيضاء، مستطيلة ـ  تليها صورة ملونة لفتاة ثوبها قصير وقد خرجت لتوها من البحر... شعرها أسود فحمي. صدرها، تحت الثوب، متحرر من كل شيء. الخلفية.. سماء زرقاء... إلى الأسفل جبال وأشجار خضراء.. إلى الأسفل رمل الشاطئ ثم طبقة رقيقة من مياه لازوردية و: عريشة من قش... بجانب الصورة صورة أخرى لفتاة تقف في نافذة مطلة على البحر أعطت ظهرها للمتفرج.. تنتظر...

خلف عبد الله لمبات ضوء صغيرة وأزرار ومفاتيح لجهاز ـ سلكي/ لا سلكي روسي

الفاصل الموسيقي عند مقطع.. سبارتاكوس وحيداً وقد حوصر بـ "كراس" وأعوانه...

علي يتحدث وعبد الله يصغي.

طنين الذباب ودبق حرارة شمس الظهيرة...

انبترت الموسيقا إثر حركة من علي ـ بعد حوار قصير ـ نهض... خرج من باب العربة.

***

العريشة... الشاطئ الرملي.. طبقة الماء اللازوردية ـ ناتج لقاح السماء الزرقاء للشجر الأخضر...

صوت نوارس.. صوت تهالك أمواج على شاطئ.. شعر الفتاة... مساحة لحمها الأبيض الواقع بين الكتف وجذر النهد... ينحدر... يتوقف عند نهاية الثوب... عري الفخذين.. يصعد إلى المساحة البيضاء.. إلى الشعر.. يرفعه ـ بين أصابعه ـ عالياً.. يفرده، فيتحول إلى زراق بحر.. يغطي وجهه به.. يجد نفسه سمكة في أعماق بحر أزرق يميل إلى الخضرة.. يتلفت.. تتلفت... تهز ذيلها، ثم ترحل بعيداً إلى الأعماق.. إلى حيث الزرقة الخالصة...

وقبل أن يغيب ـ تغيب.. يتلفت ـ تتلفت... يجد نفسه في المساحة ـ العالم الأزرق المائل للخضرة.. وحيداً.. يشعر ـ تشعر بالوحدة.

... تهز ذيلها.. يرتد ـ ترتد حتى تغدو شعراً أسود... يبتعد، بوجهه، عنه... المرآة، ووجهه ـ من خلال المرآة المحطمة، المثبتة في طرف السرير ـ مجزأ.. مهشم.. مشمئز من رائحة يعرف مصدرها جيداً... إنها رائحة الاسمنت المحروق تحاصر وتجثم على صدر القلعة..

تنفس بصوت مسموع. القرف، من الرائحة، على محياه.

تناول الجريدة.. قذف الجريدة.. تحرك..

حركته اعتباطية، عصبية.. عاد إلى وضعه السابق.. ضيقه وبرمه من القميص الداخلي الذي يلبسه، منذ فترة غير قصيرة، واضح.

***

سلحفاة مقلوبة على ظهرها... تحاول أن تستعيد توازنها.. أقدامها الأربعة تسبح في الهواء...

و... عبث في عبث كل المحاولات...

جسد... طعام للديدان...

***

الصحون الهوائية.. الأسلاك.. الكوابل.. الأزرار. المفاتيح.

***

قبضته المشدودة البارزة العروق تنهال... تدق الرأس البارز للسرير.

صوت قرقعة وارتطام الأسلاك والكوابل بسطح العربة. قبضته المشدودة البارزة العروق ترتفع ببطء وببطء شديد تنهال... تدق رأس السرير.. تدق تدق تدق...

بغتة سحب قبضته الملسوعة.. اصطبغ رأس السرير بالدم... من المكان الذي كان يدق أطراف السرير خرج الدم ورسم خطاً على أطراف الكف.

***

خارجاً، عند خاصرة العربة، التقى خالد بعبد الله... زفر خالد زفرة من أنهكه التمرين...

* كم الساعة؟.

ـ الثانية عشرة إلا...

* تحسّن جسمي ها؟.

ـ طبعاً كله بفضل التمارين... جسمك صار مدهشاً...

"أتملقه؟... لا..."

أمامه، كان خالد قد حبس الدم في عروقه وشرايينه واستنفر كافة أعصاب وعضلات جسمه المتشنج المدهون بالزيت، واخذ يقوم بحركات استعراضية...

يعصر نفسه من أخمص قدميه حتى قمة رأسه ويأخذ وضعيات استعراضية متنوعة... يرقص عضلات ساعديه... صرته... معدته.

ـ برافو خالد، برافو... علي... صالح... تعالوا.. تعالوا وتفرجوا على خالد...

"ليس تملقاً... لكن..."

خالد يعصر نفسه أكثر وأكثر وينوع من الوضعيات التي يتخذها لاعبو كمال الأجسام وهم على المنصة...

يضاعف من ترقيص عضلات ساعديه وثدييه ومعدته...

"أحمق... ومعاشرة الحمقى أمر صعب... أهرب... قبل أن..."

***

خلال قضبان السرير العسكري المقلوب على خاصرته:

خالد وعبد الله.. والخلفية:

جزء من سور القلعة، جانب من العربة تتوسطه نافذة. خالد يرقص... فجأة، يتوقف.. يصرخ.. يقفز عالياً ـ عند وصوله للأرض ـ يقف مواجهاً عبد الله، بوضعية لاعبي الكاراتيه ـ وضعية اشتهر بها بروس لي ـ

.. عبد الله بصمت الخائف الحذر يراقبه... ولكن وفي خلال ثوان: قبضتا خالد، واحدة تلتف حول عنق عبد الله والثانية حول إحدى ساقيه. عبد الله ـ أفقياً ـ فوق رأس خالد.. عبد الله ـ خوفاً ـ يحاول أن يتشبث، أن يمسك بشيء ما في الهواء.. بينما خالد ـ مزمجراً ـ يدور ويركض، به، في ساحة القلعة...

الكابل/ الكوابل...

السلك/ الأسلاك...

السور/ الأسوار...

السرير/ الأسرة...

العربة/ العربات...

... أخيراً أنزله... نظر عبد الله إلى خالد طويلاً... ثم، بصمت وبكسل وتراخ وملل وانكسار واستسلام ابتعد... قاصداً المقعد الخشبي القائم في فيء جدار القلعة...

***

عبد الله على المقعد.. على يمينه يظهر السرير.. الغرفة.. قضبان السرير... الغرفة.. قضبان السرير المتصالبة، مرتسمة ـ بفعل الشمس الحادة ـ على أرضية القلعة بشكل بارز ونافر...

***

من أقصى القلعة، تقدم علي بضع خطوات... ثم ـ بعدما توقف قليلاً ـ ارتد... خالد ورأسه تحت صنبور الصهريج...

***

النافذة ذات الزجاج المكسور...

الغرفة الواسعة..

في وسطها، أوساخ وأتربة ومزق أوراق جرائد كنستها الريح وجمعتها في الزوايا...

في مكان مهمل: سيدارة، وبوط عسكري مهترئ...

فراغ الغرفة الموحش...

دخل علي... جلس على طرف السرير...

***

في وسط القلعة، السلك، وقد نشرت عليه بضعة سواعد وأقدام...

إلى الأعلى، الأسلاك والكوابل القادمة من اتجاهات متعددة، مشدودة إلى أعمدة أخرى، ثم، متفرعة وذاهبة إلى اتجاهات شتى...

صوت قرقعة الأسلاك والكوابل وارتطامها بظهر العربات...

بكسل وتراخ انزلقت، منذ قليل، عينا عبد الله، من على موجودات/ مرئيات ساحة القلعة...

***

باب غرفة صالح، والسرير، وعبد الله، و... الجدار...

وقف صالح بالباب:

ـ عندك شاي؟

ـ عندي...

تململ عبد الله...

منعه صالح...

ـ استرح... أنا سأحضرها...

وبقفزتين، كان صالح داخل عربة عبد الله...

"لقد سار كل شيء كما يريد..."

من داخل غرفة صالح، وعبر الراديو، جاء المذيع وطوق عبد الله...

ضمخه برائحة أمريكا الطيبة...

أمريكا الـ... الـ... الـ...

***

باب غرفة صالح، والسرير، وعبد الله معصوب العينين، ومسبل اليدين، مسنوداً إلى الجدار، والصوت ـ صوت المذيع ـ يجيء... يتدفق، من عربة خالد... من غرفة علي... صالح...

قفز من مكانه، وكأن أمراً ما قد استفزه...

وفي طريقه إلى العربة، ضرب برؤوس أصابع قدميه حجراً.. أحجاراً منزوعة من أرضية القلعة...

***

صالح رافعاً طرف الفراش والبطانيات، عن السرير... باحثاُ... وعبد الله واقفاً خارج العربة...

من خارج العربة ارتفع صوته صارخاً في وجه صالح:

ـ  "ابن الكلب... ما الذي تتوقع أن تجده داخل العربة؟...

عن ماذا تبحث؟ ألا تستحي... تخجل من نفسك؟...

اخرج... الله يلعنك... اخرج... قلت لك اخرج...

***

سلحفاة مقلوبة...

ديدان تقتات من جسد...

***

باب غرفة صالح، والسرير، وعبد الله معصوب العينين، ومسبل اليدين، ومسنوداً إلى الجدار، وصوت صالح:

ـ عبد الله الشاي اختمر، تعال اشرب...

***

باب غرفة صالح، والسرير، وعبد الله معصوب... ومسبل اليدين، ومسنوداً بظهره إلى الجدار والصوت:

صوت المذيع.. يجيء.. يتدفق من غرفة صالح، من غرفة علي... من عربة خالد... و

وخالد يسأل: تحسن جسمي ها؟...

وخالد يرقص عضلات ثدييه... معدته...

"مجنون.. ما الذي تجنيه من كل ذلك؟ ساعات وأيام وليال من أجل أن تسمع اسمك مقروناً بأغنية؟...

ساعات وأيام وليال لتسمع المذيعة تداعبك ببضع كلمات؟..."

***

خيم على سماء القلعة صوت/ لهاث شهوة حيوانية محمومة...

***

 قفز من مكانه ـ وكأن أمراً ما قد استفزه...

وفي طريقه إلى عربة خالد، ضرب، برؤوس أصابع قدميه، حجراً... أحجاراً...

فتح باب العربة ليقول له لقد شوهوك... سلبوك عمرك...

أفسدوك...

***

في وسط العربة: خالد، يضحك، وبيجاماه منزلة حتى الركبتين و... والبصاق يملأ كفه...

***

الغرفة الواسعة، الفارغة، الموحشة... والسرير العسكري، وعبد الله العفدي، معصوب... مسبل... مسنوداً إلى الجدار والأصوات الخارجية تروح وتجيء... تتدفق... تقترب وتبتعد... تبتعد و تقترب... كصوت صفارات سيارات الإطفاء...

المذيع ساخراً منه... يتلو عليه...

***

علي بين يديه عدة صحون يقول له وهو يرقص من حوله:

اتفضل، اتفضل، اتفضل...

***

خالد في وسط العربة، والبيجاما... والبصاق... والسؤال:

جسمي تحسّن ها؟ ثم... يرقص ثدييه... معدته

***

صالح، في داخل العربة، يفتش...

***

... الغرفة، الواسعة، الفارغة، الموحشة، والسرير العسكري، وعبد الله العفدي معصوب...

مسبل...

مسنوداً إلى الجدار...

والأصوات مجموعة في صوت خارجي:

صوت رصاص... طرق فشك...

اشتغل مثل المطر...

ابتسامة/ فرحة علي بزخات الرصاص المنهال ـ دون أن يدري ـ على عبد الله العفدي، الذي يفتح عينيه على صوت صالح الخارجي:

عبد الله الشاي اختمر... تعال اشرب...

الغرفة الواسعة الموحشة... السرير...

المعصوب... المسبل... المسنود... الجدار...

الصوت الخارجي: الرصاص...

المطر... المطر الرصاص... الجدار المسنود المعصوب المسبل...

السرير العسكري... عسكري السرير... الوحشة... الغرفة... الـ...

 

                                                                             دمشق 1976 /1977

السرير العسكري.. عليه.. عسكري السرير و...

الغرفة، الواسعة، الفارغة، الموحشة، و...

الأسطوانة، الدائرة، الإبرة، و...

الصوت الخارجي:

... "إنه يكتب بشكل جيد جداً... لكننا لا نستطيع تشجيع هكذا اتجاه على الكتابة..."..

... وكأن الإبرة علقت في خندق من خنادق الأسطوانة الدائرة...

الصوت/ الحرف... والإبرة تعيد وتكرر الكلمة" لكننا.. لكننا.. لكننا.."...

....

...الإهداء.. مقتطف... استعارة من كتاب...

لم أستطع قراءة اسمه...

في الورقة الأولى... بجانب الإهداء، توجد ـ بين قوسين ـ كتابة بخط يده: حارس البوابة الشرقية... رئيس المخفر"... وكتابة أخرى "عندما تسمح لنفسك بأن تشطب على الآخر فإنك تعطيه ـ الآخر ـ الحق في أن يشطب عليك"... الكتابة، مع الإحالة... من الواردات المتأخرة...

الإحالة... إحالة إلى المقطع الخامس... الأخير من الفصل الثاني من الكتاب... كتبها ـ كعادته ـ بالقلم الرصاص الناعم...

... في العودة ... وجدت أن المقطع يشير إلى:

انكسار أحلام وآمال حركة التحرر مع مثقفيها...

"حركة..." ابتدأت "بالتقدم"...

وانتهت بالمواقف الغيبية واللاعقلانية...

و...

انغلاق دائرتها ـ الحركة.. مع مثقفيها ـ و... تماهيها مع دائرة أنظمة ومثقفي الدول المحافظة"...

موقف الدلالة الذي جاء تحت" صوت داخلي":

"المعرفة بلاء الخلق خصوصه وعمومه..."

صوت الحارس... رئيس المخفر:

"... لكننا لا نستطيع تشجيع هكذا اتجاه على الكتابة"... مضغه ـ وبمرارة ـ على مدى أكثر من عشر سنوات...

ثم كان، ناتج التفاعل مع عبارة الموقف الميت/ المميت ـ "نقطة، صوت/ حرف الـ "الجيم"...

وضعها، النقطة..

 تحت عنوان:

"جيم جنة، جيم جحيم"

مضغ العبارة، الصوت، الموقف ـ متأملاً دون كسل ـ لمدة أكثر من عشر سنوات... ثم ـ الصوت/ الحرف.. وعلى أنغام الدف والشبيب ـ أطلقه، مع بقية حروف/ أصوات "أبجد هوز حطي... بدو سذج ملوك مدين... مالكي الرؤية، المعرفة، المطلقة، الكلية... مالكي الحقيقة، الواحدة، والتي أعطيت، ولمرة واحدة، لشعب ـ واحد ـ مختار...

....

عالج...

 أصوات/ حروف "أبجد هوز..." كل على حدة ـ دون أن يستنفذها... ـ مع ألحان ـ ظلال ـ معارف: "مدد يا سيدي.. يا شيخادي.. يا شيخي الهادي مدد"

... الراء... وحدة... خلية أصلية...

"الراء" صوت/ حرف مشترك بين مصر وسومر...

الرائيتان بمعنى الشمسيتان... عبدة الشمس...

في سرديات اللغة الثالثة جاءت تحت "رع"...

....

في اللغات يمكن استبدال الباء ـ عبد ـ بالفاء ـ عفد ـ... كما يمكن استبدال الواو ـ كاوا ـ بالباء ـ كاب ـ

عفدو التي جاءت بجانب عبد الله.. هي، من الإضافات المتأخرة...

"العين أصلها همزة"

بالترجيع... عفد ـ وباللغة اللصيقة الثانية ـ الملاك، المالك، المملوك لرؤيا الماء/ الروح، النسيم، الأثير...

"العفدي" نسخها بخط المصاحف، مع استعارة.. وضعها بجانب عبد الله:

كل شيء حي من الماء، فلئن تصرفت فيه فلتتصرفن فيما فيه"..

وكأنها كانت تلويحة... اقتراب.. مس.. تذكير الآخر/ الحارس.. استعادة لصوته...

"لكننا لا نستطيع..."

....

"هذا الموقف، النبذ، الاستبعاد المغلف برغبة الاستعباد...

هذا الحصار ـ حصار الآخر للآخر ـ كلف الإثنين ـ معاً- الكثير...كلف الآخر ـ مالك الحقيقة المطلقة... حقيقته... و.. كل ما عداها باطل ـ خسارته لتجمع بشري هائل كان يمكن ـ كما حدث على امتداد التاريخ ـ أن يقف معه... في قضاياه...

و... كلفه هو ـ الآخر الذي يجب محاصرته ـ خروجه من دائرة الرقص البشري العام...

... الدائرة، الحلقة، الرقصة العامة ـ مقاطعاً ـ الواقع الثقافي/ ثقافة الواقع... عائداً إلى حلقته ـ ـ الوثنية ـ الخاصة، مصراً على عدم الخروج منها...

خارجاً، من دائرة الرقص البشري العام...

عائداً إلى دائرة، حلقة، رقصة، ثقافة، فكر وثني

ـ إيزي امتلك الدال من الصوت/ الحرف الحجاب ـ

المسمى الباطن كما فهمه "ايبو ـ ايبور ـ الحكيم المصري الرائي/ الشمسي... "أو كما جاءت في سرديات مرويات اللغة... الثالثة "ابراهيم... الذي" ابتلي بأصوات/ حروف ـ فيما بعد ـ كلمات... فأتمهن"...

... إيبور... في اللغة اللصيقة الثانية، تعني: ابراهيم الرائي.. الشمسي...

... إيبو...  تصغير ابراهيم... والراء...

....

خارجاً، من دائرة الرقص البشري العام...

عائداً إلى الصوت/ الحرف الخاص بتجمع "نفّزي"..

تجمع.. نفر.. نفّر.. حتى كُفٍّر.. اتهم بعبادة الشيطان...

خارجاً...

عائداً إلى حلقة.. فكر "غير مفكر فيه".. مهمش.. مكبوت.. مغيب، مكراً...

من العهد الجديد، خارجاً...

... مقاطعاً... عائداً إلى العهد القديم.. و...

واضعاً حلقة/ رقصة الصوت/ الحرف "الدال" من ـ إيزدي ـ في مواجهة رقصة ـ الآخر الأجنبي ـ الصوت/ الحرف "الضاد"...

رقصة ايزي امتلك الباطن المسمى من النص "الدال"

ـ الحقيقة الكاملة، الواضحة، الكلية، المطلقة، غير موجودة عند أحد ـ

ووضعها في مواجهة رقصة ـ الآخر الأجنبي ـ "الضاد"

ـ كلي القدرة.. كلي المعرفة ـ

خرج... مقاطعاً ـ كما تحدث عنه أدونيس في كتابه الصوفية والسوريالية ـ عائداً إلى الكلمة، الرمز، الإشارة، الإيماء، الإيحاء...

خرج... مقاطعاً ـ معرفياً وجمالياً ـ و...

مبتعداً.. مفارقاً النص، الكتابة، الإسم/ الظاهر... اللغة الواقعية... المعرفة/ القلقلة... الاستعارة/ العنعنة، المسروقة ـ من بابل.. في بابل ـ بمكر

عائداً إلى...

"خامئر: الذات في حركتها ـ الهمزية/ الثعبانية ـ باتجاه أسرار المعرفة/ الفضيلة... ونقيضها: المعرفة/ الرذيلة...

... إل... أو:

"ئيل" ـ كما ورد في السرديات ـ خطأ...

حفرة، وقعت فيها التجمعات البشرية، من خلال مكر اللغة السامية الثالثة...

ئيل: تجمع بشري...

ونفّزي... كلمة مركبة من كلمتي:

نفر ـ ظاهراً ـ نسبة إلى العاصمة الدينية الثقافية للسومريين...

وايزي: نسبة إلى: إزدِ...

العرشقيباري: نسبة إلى قريته "عرشقيبار".. عربوها الآن وسموها "الهوى"...

صوتياً... ايزي... تأخذ إلى ايزيس... لكنها

كمحتوى معرفي، باطن، مسمى ـ

ايزي، في اللغة اللصيقة الثانية: تجمع عبء علوم ومعارف ذرتي المطر... الوحدتين.. الخليتين الأصليتين

"الألف ـ الهمزة" و"الزين"...

السين... نهاية ايزيس... كما أنها...

... نهاية هرمس المثلث... أو كما سماه في الأوراق/ الملخصات "هرم ـ منطقة/ فكر ـ السين"

... كما أنها ـ السين ـ نهاية مصر/ مس... و... عتبة سومر/ سم ـ مقلوب مس ـ

...الصاد أصلها سين...

في السرديات ـ الخطأ ـ عن الإغريقية/ اليونانية القديمة، جاء: أن السين تعد لاحقة

ـ ظل ـ توصل بأسماء الأعلام والآلهة... بينما هي، في الشرق الرائي/ الشمسي...

وقبل أورفيوس ـ ظل اللحن/ المعرفة ـ بآلاف السنين، كانت، السين ـ كصوت/ حرف ـ في اللغة، اللصيقة، الثانية...

لغة مصر وسومر قبل الاختلاف/ الفراق...

كانت، السين، جذر الأقوال/ الأفعال، الحزم الثلاثة، الثلاثون كلمة، فصل، حكمة، دستور، وضع ليكون، كما جاءت لدى االحكيم المصري "أمينموبي". مسرة ـ للضمير الإنساني ـ