Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


اصدارات كردية 


 

رحلة "الرسيس"، بين الانكسار والأمل

 

محمد نور الحسيني

بصدور مجموعته الجديدة "الرسيس يكون إبراهيم اليوسف أحد أغزر أبناء جيله من الشعر السوري الثمانيني، فقد صدر له قبل ذلك أربع مجموعات شعرية، وتأتي الخامسة لتوحي أكثر بتجربة الشاعر، وترفع الغطاء عن الحفريات الروحية التي يدأب عليها في سيرورته وصيرورته وكدحه ضمن نتوءات الحروف، وما يستطيل من بنائها البلاغي ورونقها اللغوي اللذين يهمان الشاعر في كتابه الأخير هذا بصورة جليّة، دون أن يعني ذلك التغاضي عن الموضوع، أو شدة استبداد جانب من التشكيل الشعري بجانب آخر، لكن يبدأ إحساس مع القارئ وينتهي بآخر قصيدة؛ وهو أن ثمّة دأباً جمالياً يحاول أن يهيمن ويستميل بعنق الكلام، لا لإلواء عنقه، إنما لجعله أكثر انقياداً للشاعر وأبلغ تأثيراً فيمن يقرأ، لا أقول إن الشاعر قد أبهظ كل قصيدة بمياسم بلاغية حاجبة، لكن الطابع الأيقوني يميز التوقيعات الجمالية، وهي لا تأتي نافرة شاخصة، بقدر ما تظهر في سياقها المناسب، الذي لا أبرئ الإيقاع التفعيلوي من التحكم في هذا السياق، وقلما نجا من ذلك من يكتب، وفي خبايا وعيه أن لازمة الشعر هي الموسيقا، لا الإيقاع، فالموسيقا تُفْرَض على القصيدة، بينما الإيقاع ينبع منها، والذي جعل قصائد الشاعر |اليوسف" تفلت من القيد الموسيقي، هو عدم انقياده للطابع الميلودرامي الذي يكاد يطغى على شعر شباب التفعيلة السورية، ليقصر عن شعر شيوخ وكهول التفعيلة ذاته: "عـلي الجندي، فايز خضور، نـزيه أبو عفش.."، فالجـيل الجديد خضع بشكل أو بآخر لنفس الآفاق التي ارتادها الرواد، وإذ يسعى الشــاعر "اليوسف" للتجديد ضمن التفعيلة ذاتها، فإن هذا يذكر بما قام به آخرون في مصـر والعراق والمـغرب  ولبنان: "عبد المنعم رمضان، هاشم شفيق، جودت فخر الدين" على سبيل المثال، لا الحصر، حتى أن شعراء من طراز سعدي يوسف ومحمود درويش أدركوا قبل فوات الأوان مأزق الوزن التفعيلوي الذي تفصل القصيدة على مقاسه، فكان شغلهما في الكتابات الأخيرة على إضمار الموسيقا لصالح الإيقاع، في إقرار غير معلن  بالاقتراب من قصيدة الحياة والنثر اليومي ومدح العادي والهامشي والتخفف من النبرة الرؤيوية المتـعالية، والأخذ بيد الشاعر من البرج العاجي نحو التراب والواقع.

فرغم أن الكلام "تدثّر في حكمة" لكنه يؤوب "كأثير" وهو "يميل إلى هدنة تستريح دوائرها في رياد الخزف ثمة رغبة واضحة في القصيدة الأولى مدائح الكلام (ص5 للانعتاق من كل ما يكبّل القصيدة من خارجها وثمة حلم للانطلاق: (للكلام/ لأطياره في مدار السطور/ محلِّقة..) وأمل بإشراك الآخر في الكتابة: (ياصديقة هيا املأي خافقي بالرجاء/ دفتري بالقصائد/ لاتعرف الوسن النحوي/ ولا "خدر" النأي عن منـزل اللغة الوافدة).

خلال هذه القصيدة تتكشف هواجس الشاعر.. كلَّ شاعر، في (تدليل) الكلام و(التغزل) به، فهو سدى عمله ولحمته، والمادة التي ينحت منها أو يغرف، فليس بمستغرب هذه الوقفة الاحتفالية، التي تؤكدها لمسات أخرى في ثنايا المجموعة، تحتفي بالحبر والقرطاس والبياض، وكل ذلك عدته: (لأمضي في نزهة من نزيف/ هل أعود لأشبه ما ستقول المرايا/ عن التأتآت التي تتوارى.... وهي تختصر النية في وجهتي/ تنتشي بالسكينة/ يقظى/  لها ما توغل خلف احتدام الدماء..).

بداهة لا يمكن حصر العملية الإبداعية في تكون القصيدة في الشذرات الشعرية السالفة لكنها تشي ببعض من الهاجس والمخاض:

(أأعلمها حكمة الرزء/ ترفو سماء المعاني/ تباغت أشلاءها بالتغير/ المصوّب/ زفرة سادنه/ ترتوي في ربى الأقحوان..).

وضمن هذا السياق تأتي إفادات أبي العلا المعري ص27: "أكرر حبري كثيراً/ على عادة الحلم والماء..)، وقصيدة "الشاعر" ص31: (حوذي أوقات القصيدة لا ينام/ رباته درر الرؤى/ انتظمت بخيط في يديه/ هو سادر في أرجوانه.. حوذي أوقات القصيدة/ في الدواة/ وفي الأعالي.. في المسافات الجريحة/ في حدائقه الكثيرة/ مستو بأزيزه اليومي/ يقبل واضحاً/ هو في الجهات خطوطها/ وهو  الهواء.. ربما إن هذا المقطع الأخير من قصيدة "الشاعر" أكثر دلالة على هاجس إبراهيم اليوسف الشعري وما تعتوره من رغبات ومطامح وأشواق، ليكون الشعر المعادل الموضوعي لمسيرة روح الشاعر.. وبصمات احتراقه: (الرسيس ـ بدء الشيء)، لذلك ما تنفك القصائد، تتجه نحو المنابع، منابع الكلام، بدايات الذكريات "الحنين"، اصطلاءات الأشواق، مروق الأوقات، انحسار العمر ورحيل الأصدقاء: (لا مجال إذاً/ دورتي، ها هي الآن قد بدأت/ رحلة في الشفق/ والقصيدة تسرق أوقاتها بعد أن أسرجت شوقها.. سأجري إلى البهو في ولع الشعراء.. كي أرمم ما راح لي عنوة/ جسد حولت السنون .. مزق). ص37 .

القراءة المتمنعة للقصيدة السابقة تؤكد فكرة النوسان في الكتاب بين الانكسار والأمل والتردد بينهما، فالأول (الانكسار) برهان رهافة الشاعر والثاني (الأمل) مبرر استمراره ووجوده، ودونهما تسقط القصيدة في فخاخ التشيؤ؛ هذا النوسان حفظ الكتاب من أسر الذهنية، ووهب القصائد رواءها ونضارتها في مزيج من الحزن الشفيف: (سلام إليك/ إلى جسد أتعبته القصيدة/ ما يستبيحه الشجن/ سلام إلى جسد سيوازي انكساراتنا/ في السديم/ لتغد باسقة. ص43.

إن الشاعر لا يخفي جروحه، ولا يغلف انكساراته، ولا يخفي حيرته، لأن التصدعات عصية حيناً، لا يقوى إلا على البوح بها، إلا من تؤازره القصيدة وتنقذه من حيرته: (لا طريق إذا الصحو/ نادى الوجوه/ هنا، ها هنا/ حيث يكسرني عالمي/ حلماً.. حلماً/ ما الذي سأقوله؟ ص53 .

ونمضي في رحلة "الرسيس" ورغم تغير العناوين والمحطات، فلا يضير الكتاب إن لم يكن في صالحه، أن حالة قوية مفردة تسري كالنسخ في تضاعيف كل قصيدة، تجعلك ترفع العناوين، لتحظى بنص يمتد على مدار أكثر من تسعين صفحة، تتعب القوافلُ، قوافل الرؤى ولا يتعب الشاعر من محاولاته في إيصال رؤيته: (أن الأمل والألم من جذر قاموسي واحد).

(لا جسر/ حيث قوافلي تعبت، تدِّون خوفها، وتعبت من سهر/ على صفو القصيدة، دون بارقة، ودون محطة/ ألقي على ساحاتها هذا التآكل في الرؤى..)،

وبعد مسافة من اليأس يقول: (لست أخذل وردة كانت/ تلوح لي/ إذا ما صنعتها/ تبدي الرجاء..).

ويختتم المجموعة: (الآن، لا طلل لأبكي، لا دموعي تستبد ولا وجوم/ لا مراثٍ/ كل ما عندي ذهاب.. / بات يتبعه الإياب..)، فالشاعر واضح يعرف مساره وضيعه دون لبس.. في مجموعته الجديدة "الرسيس يكون إبراهيم اليوسف، قد أضاف إضافة جميلة إلى قصيدة التفعيلة السورية تحديداً، لعلها تسهم مع محاولات أخرى في انتشالها عن ميلودراميتها وتقريبها من أنفاس الناس والواقع والحياة وذلك ما سيمدُّها بِعُمُر..

 

* المؤلف: إبراهيم اليوسف.

* الكتاب: الرسيس ـ شعر

* سنة الإصدار: 2000

* الناشر: اتحاد الكتاب العرب - دمشق        

 

 

 خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002