Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


أدب التاريخ 


 

دلور ميقري

الصراعُ على الجزيرةِ

(مداخلة تاريخية في جدلٍ مستحيلٍ)

 

حكاية مكان

لعل أول المصادر الإسلامية، التي ورد فيها إسم "الجزيرة"، كان تاريخ "الواقدي"، المعروف بـ "فتوح الشام". وقد جرت فيه رواية تفاصيل استيلاء العرب على أقاليمِ وكُوَرِ العراقِ والشامِ. بورودنا مسالك الواقدي، يهمنا تقسيمَه إقليم الجزيرة إلى "ديارات"، انقطعت إليها معايش ثلاث من قبائل العرب: ديار مضر (الرقة)، ديار ربيعة (الموصل)، وديار بكر (آمد)(1). ثم جاء بعد الواقدي، من المؤرخين والجغرافيين والرحّالة، مَنْ جاء على ذكر هذا الإقليم، فوسَمَه بالديارات، تلك نفسها، وفي هذا الشأن، سأورد أولاً بدهية معروفة، وهي أنه في عشية الفتح الإسلامي، كانت جنائن الجزيرة، قد أُحيلتْ إلى جحيم، بما أضرم من نار النزاع الطويل المرير، بين الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية.

المتتبع لمؤلَّف "فتوح الشام"، حتى صفحاته الأخيرة، لايعثر فيه على أي ذكر لهاتين الجماعتين: أكراد، وسريان؛ ممن تناوش أخلافهم، من كتّاب وشعراء، بغية (إثبات) أحقية الإنتماء إلى فراديس الجزيرة.

ماأتمناه، هو ألا يُؤخذ هذا المفتتح على تأويله الظاهر. فاسقاط إسم هذين القومين من المرجع الأصلي، آنف الذكر، كان لصالح الديانة التي اعتنقوها، سواء أكانت زردشتية، أم نصرانية. ثمت مُشكل في هذه المسألة، قد لايحتمل ربما تأويلاً أحاديَّ الجانب: الأرمن.

إن ورود ذكر الأرمن في المصادر الإسلامية الأولى، وقبل ذلك في المصادر الرومانية والبيزنطية، يجعلنا نفترض، بأن الأقدمين عرفوا هذه الملّة، وميزوا إسمها، نظراً لإنتقالها دفعة واحدة إلى النصرانية. فماذا كان حال الأكراد والسريان؟ وقد رأينا كيف فَقَدَ خبرُهم خلال الفتح الإسلامي للشام والعراق.

نخلص من مسالك الواقدي، للعبور إلى هذه النتيجة: أن الأكراد والسريان في إقليم الجزيرة بالذات، كانوا شعباً واحداً، مزّقته النزاعات الدينية الدامية، إلى زردشتيين ونصارى ويهود وصابئة، وجوازنا في دخول إقليم هذا الإفتراض، هو مانعلمه عن إنتشار المسيحية (بطقسها النسطوري أولاً) ليس في الأقاليم التي صارت تُعرف فيما بعد باسم "كردستان" فقط، بل وفي أقاصي بلاد فارس، حتى الهند والمغول والصين(2). فاذا كان من غير المنطقي، كمثال أن يُدعى رجل صيني بـ "السرياني"، لأنه يدين بالمذهب النسطوري، فالأحرى أن يُقاس هذا المثال على الأكراد النساطرة واليعاقبة، ممن توطنوا على مرِّ العصور في إقليم الجزيرة.

وهذا هاتف من ذوي الدواخل المشحونة، يهتف مستنكراً: "مسيحيون أكراد"؟! فأقول، نعم، والمقولة ليست من وضعي، بل حدثنا بها أهل الثقة من مؤرخين وجغرافيين ورحّالة، وعلى سبيل التمثيل، لاالحصر، نضع بين يدي القارىء، منتخبات تاريخية، يرد فيها ذكر المسيحيين الأكراد، في إقليم الجزيرة:

"فأما أجناس الأكراد وأنواعهم، منهم اليعاقبة، والجورقان، وهم نصارى، وديارهم مما يلي بلاد الموصل، وجبل الجودي"(3)

"مدينة نصيبين (حاضرة اليعاقبة)، فتمادى سيرنا إلى أول الظهر، ونحن على أهبة وحذر من إغارة الأكراد، الذين هم آفة هذه الجهات، من الموصل، إلى نصيبين، إلى مدينة "دنيصر"(4)

"الهكّاري (موطن النساطرة)، قبيلة من الأكراد، لها معاقل وحصون وقرى في بلاد الموصل"(5)

"سنجار (موطن اليزيديين)، مدينة كبيرة، كثيرة الفاكهة والأشجار والعيون، وأهل سنجار أكراد لهم شجاعة وكرم"(6)

" ثمة شعب كردي مسيحي، يقطن في جبال الموصل"(7)

" في عهد شابور الثاني (القرن الرابع الميلادي)، كانت كردستان وخوزستان ولورستان، تعجّ بالنصارى"(8)

"إن النساطرة (الآشوريين الحاليين)، في الأصل، على مايظهر، أكراد اعتنقوا الديانة المسيحية"(9)

أوابد الزمان

في معراجه المتخيل، إلى فردوس الله، يجتمع المعري مع أبي البشر "آدم"، ويصغي إلى قوله: "انما كنتُ أتكلم بالعربية، وأنا في الجنة، فلما هبطتُ إلى الأرض، نقل لساني إلى السريانية، فلم أنطق بغيرها، إلى أن هلكتُ  (10)

كان المعتقد قديماً، ولايزال، أن جبل قاسيون في دمشق، يحتوي على المغارات المقدسة التي إحتبتْ آدم وأهله، وعلى مقربة من العاصمة السورية، ثمت قرى جبلية، مافتئت السريانية (بأصلها الآرامي)، لغة سكانها، وكانت الآرامية قد اكتسبت قداسة ضافية، بما أن السيد المسيح تكلّم بها.

من اتكائنا على مفرش هذا المدخل، ننهض، لنرى ماكانه تاريخياً، حال الآراميين، فقد أنشأوا منذ الألف الأولى قبل الميلاد، عدداً من الدويلات في سوريا، أشهرها دولة دمشق، وهي التي يشير إليها العهد القديم باسم "آرام"(11). تقدم الآراميون بعدئذ إلى شمال مابين النهرين (الجزيرة) ليصطدموا بالسكان المحليين، الذين سبق، وعرفهم الآشوريون باسم "كاردو"(12)، ولم يكن بلامعنى أن يوسمَ آرام مابين النهرين بـ "بيت كاردو"، والذي حـرّف العربُ المسلمون نُطْقَه إلى "باقردي"، حينما جعلوا هذا الإقليم رستاقاً(13)

ويخبرنا التاريخ أيضاً، أن الآشوريين إنتزعوا الجزيرة من الحثيين، الذين ورثوه بدورهم من قوم جبلي، يدعون بالهوريين، ممن شغلوا العالم القديم خلال منتصف الألف الثانية قبل الميلاد. وقد تمكن هؤلاء الجبليون من تكوين إمبراطورية هوري ـ ميتاني، التي صارت من النفوذ والهيبة، أنها قسّمت سوريا الطبيعية مع المصريين، وتوّجت معاهدة الصلح بينهما بسلسلة من المصاهرات الملكية(14). ثمت أوابد عديدة، تشهد على رقي هذه الإمبراطورية، من قصور ومعابد ومنحوتات وخزفيات وأختام، ذخرت بها أرجاء إقليم الجزيرة، وغيرها من المراكز المكتشفة(15). ثم إنبثقت مؤخراً من دياجيرها، العاصمة الإمبراطورية "أوركيش"، بفضل التنقيبات الأثرية في تل موزان، قرب عامودا (محافظة الحسكة السورية)(16)

وإذ اعتبر البحّاثةُ الآشوريين والآراميين من الشعوب السامية، فلم ينسوا تصنيف الحثيين والميتانيين ضمن المجموعة اللغوية الهندو/أوربية. وهذا عالم الأثريات العراقي "طه باقر، يقول: "إن هؤلاء الهوريين، أقاموا دولة ميتاني، بعد أن توّحدوا مع المهاجرين الآريين.. ولعل القبائل الكردية من هذه الهجرة، أي من الميتانيين"(17). وما من ريب في أن البيئة الواحدة قد لعبت دوراً حاسماً في تفاعل وامتزاج هاتين المجموعتين (السامية والآرية)، حتى أن "أ. مورتغات" أشهر علماء الآثار، يؤكد: "وقد بلغ من شدة تأثير الهوريين في هذه المنطقة، درجة، استطاعوا معها فعلاً تطعيم الشعب الآشوري عرقياً"(18). وهذا الفيلسوف الألماني "هيغل" يقول أن الإمبراطورية الميدية، وحليفتها الكلدانية، اللتين ورثتا أملاك الآشوريين، هما من الناحية الإجتماعية، حصيلة للهجرتين الشعبيتين الكبيرتين: الهندية الأوربية والآرامية.(19)

مع الاجتياح الإغريقي للشرق الأدنى، انهارت حواضر الميديين والآراميين، فزال من الوجود إسم كل منهما، بزوال ملكه، وماكان من انحلال عناصرهم وإمتزاجها في البيئة المحلية لهذه المنطقة، التي صارت تسمى بـ "الجزيرة"، منذ بداية الفتح الإسلامي. وكان الميديون على أعتاب العالم الجديد الميلادي، قد صاروا يُعرفون في المصادر الإغريقية والرومانية بالكردوخ، أو بالزردشتيين، نسبة لعقيدتهم. فيما أطلق إسم السريان على بقايا الآراميين، ممن اعتنقوا الديانة المسيحية، بانشقاقه الكنسي السوري (مذهبي النساطرة واليعاقبة). ومما له مغزاه حقاً، أن تكونَ ألواح الآشوريين أول من ذكر الأكراد باسم "كاردو"، فيما أعطى الميديون إسم "سورا" لبلاد الشام، وهي التسمية التي حرّفها الإغريق إلى "سوريا"(20)

بين عقيدتين

شهد منتصف الألف الأول قبل الميلاد، نوراً بيّناً من ميديا القديمة، تحوّطت هالته رأس النبي "زردشت"، الذي إنفرد في أديم العالم القديم، بتعاليمَ طبعت ماجاء لاحقاً في متون الأديان السماوية الثلاثة(21)، وتوالف الإسلام في حينه مع أصحاب هذه الشريعة، فالتمست لهم إحدى الآيات القرآنية شرعية أهل الكتاب(22). وافق إنبثاق أنوار هذه العقيدة، انطفاء ذكر بابل، وانقراض المملكة الكلدانية، لُتعاد إلى الأذهان نبوءة العهد القديم "قسمتْ مملكتكَ، وأعطيت لميديا وفارس"(23). ولم يكد القرن الميلادي الأول، يحلّ، إلا وكان سكان شمال مابين النهرين (ميديا الغربية/الجزيرة) يقيمون على حدِّ عقيدتين رئيسيتين: الزردشتية والمسيحية، إلى جماعات متفرقة، دانت باليهودية، وعبادة "مردوك" البابلية، ثم رُئي "ميترا" إله الشمس، في مصاف الإله الرئيس للمجمع السماوي الزردشتي، مما أعطى هذه العقيدة دفعاً دافقاً، أوصلها إلى قلب أوربا، وبتبني بعض أباطرة روما للشمس الإله، وأصحاب التاريخ مجمعون على تأثير هذه العقيدة في المسيحية، ومن تجليات ذلك، توافق عيد ميلاد السيد المسيح، مع عيد ميترا، الشمس التي لاتُقهر، إلى طقوس العِمادة (24)، إلى تناول قربان الخبز والخمر، المرمّز إلى جسد المسيح ودمه، المستنسخة في مرآة الثور المقدّس "هوما". وفي المقابل، حاولت عقيدة "ماني" المصلح الميدي المنشقّ، ابتكاراً يقدم فاكهة المسيح على مائدة اللاهوت الزردشتي، فأحرقه الكهنة، وخلّدت محاولته طائفتا اليزيدية، والصابئة.

تبع ذلك، أن اكتشفت الثقافة المحلية في النصرانية حصناً منيعاً في وجه الرومان الوثنيين، وهو الدور الذي لعبته سابقاً الزردشتية بشأن التحدي الهليني، المتمثل بسياسة خلفاء الإسكندر الكبير. إن المرجع القومي للزردشتية في موطنها الأول، ميديا القديمة، يُرجعه أرنولد توينبي، المؤرخ المعروف، إلى ردِّ الفعل المضاد للهيمنة الغربية بشكليها الهليني والروماني(25). وإذ عثرت المسيحية في صحراء الاضطهاد العام على نواضح مسبّلة في السياسة المتسامحة للأكاسرة الساسانيين الوارثين أملاك ميديا وشريعتها ـ فيمكن تفسير ذلك بمصالح الإمبراطورية التي اقتضتها مواجهة روما. حتى إذا ما دعا العاهل الروماني "قسطنطين" مجمع نيقيا المسكوني للإنعقاد في 325م، مُظهراً على الملأ تنصّره، كان ردُّ فعل الأكاسرة عنيفاً، دفع بموجبه النصارى المحليون ثمناً غالياً(26) وبدورهم، مااستنكف الرومان عن الانثيال بأنواع التنكيل على أتباع الزردشتية، وذلك خلال التوغل في أراضي الأكاسرة. منذ هذه الآونة، في الحقيقة، دبّ الانشقاق الكبير بين سكان شمال مابين النهرين (إقليم الجزيرة)، وأضحى الصراع السياسي المدوّل، مغلّفاً بالاعتبارات الدينية المحلية: فعلى كل من جانبي الحدود المضطربة المفترضة بين الإمبراطوريتين، صار يُنظر إلى أتباع الدين المعادي، كما لو أنهم "طابور خامس"(27)

ونحو نهايات القرن الخامس للميلاد، ولج في المعادلة حدثٌ خطيرٌ: القطيعة بين الكنيسة البيزنطية، وبين الكنيسة المحلية، بمذهبها النسطوري. ومالبثت هذه الأخيرة أن تكللت بالنصر في ميديا وفارس، ككنيسة وطنية. وإذ أشهرت بيزنطة على هذه الكنيسة حرباً عوّاناً، فان الأكاسرة إجمالاً، تساهلوا معها، وحتى اعترفوا بها كدينٍ ثانٍ، إلى جانب الزردشتية(28). ثم لحق بالانشقاق طائفةٌ أخرى شرقية، هي اليعقوبية، وقد كان تواجد أتباعه الرئيس في سوريا الطبيعية، مما جعلهم تحت رحمة البيزنطيين. ويبدو أن الحكمة إقتضت من دعاة هذه الطائفة، إتّباع سياسة غير متشددة في الصراع الديني المحتدم، حتى أن ملوك الغساسنة اليعاقبة، مافتئوا يحاربون ضمن الجند البيزنطي، إلى أن زال ملكهم إثر الفتح الإسلامي لبلاد الشام.(29)

نخلص مما سبق إلى نتيجة لاتقبل الدحض، وهي أن رد الفعل الوطني في غرب آسيا ـ وتحديداً شمال مابين النهرين ـ على مسألة التحدي القادم من الغرب، تمثّل أولاً بالزردشتية، وتالياً بالأرثوذكسية الشرقية (النسطورية واليعقوبية)، إلى أن حلّتْ على المنطقة أنوارُ الإسلام، لتسطعَ المسألةُ ببعد آخر.

أنوار الخلافة

قُدّر لمُلْك بيزنطة المتنصرة سموقاً بين الممالك، دام لألف عام، مكثت في منتصفها منطقة شمال مابين النهرين (الجزيرة)، كما لو أنها سدٌّ هشٌّ من حطب، تصله النار الموقدة من هذا الطرف، أو ذاك؛ ومازالت المنطقة متعايشة مع واقع سياسي/ديني، يلقاها كميدان حرب بين البيزنطيين والساسانيين. حتى آنس سعدُ نجمها، ماوافق من بزوغ نور الدعوة الإسلامية. عشية الفتح، كانت هذه الأرض سبخة، ينزّ منها نجيعُ الخصام والشقاق، فما تحفل، والحالة هذه، لمن تؤول الغلَبَةُ والسيادة؟ صاقب، إذاً حظُّ الفاتحين المسلمين في ضربتهم الخاطفة للشام والعراق، ما رتعت به أصقاعها من صروف أزمنة الفوضى، التي ذهبت أيضاً بمَنَعَةِ الحصون والأسوار.

ثم مالبثت الجزيرة أن أُلحقتْ، إثر مقاومة واهية من القوم الساهين بأوصال الخلافة، فاذا بها تستشعر تغييراً مبيناً عما عهدته من الأسياد السابقين؛ كان من أهم سجايا الفتح الإسلامي، ضمان حرية المعتقد، وصون حرمة المقدسات والممتلكات، سواء بسواء، للزردشتيين، أو للنصارى، وغيرهم من أهل الذمة، لولا أن ثقل الجزية على هذه الجماعات، جعل وضع فلاحيها وفقرائها صعباً، مما أجبر الكثير منهم على إعتناق الدين الجديد، وكذا فعل أشراف هذه الملل، إلا أن دافعهم كان الشغف بدوام الجاه والسيادة (30). وإذاً، فان التسامح والرحمة، كانا من سمات العقيدة الإسلامية، مقارنة بالتعسف الذي دمغ سيطرة بيزنطة بوجه خاص، إذ لم يكن في هذه الإمبراطورية من مواطن كامل الحقوق، سوى المسيحي المنتمي للكنيسة الرسمية. "فالوثنيون والهراطقة والمرتدون واليهود، منبوذون خارج الجماعة المدنية، وكل إختلاف ديني، يُردّ للحال إلى تمرد سياسي، وعصيان للقانون".(31)

اعتباراً من هذه الآونة الفاصلة بين تاريخين، إقترن إسم الأكراد بالسكان المسلمين في أقاليم الجزيرة والجبال والعراق العجمي، وهي الأقاليم التي شملتها تسمية "كردستان"، في حدود القرن الثالث للهجرة، أي منذ الفترة الجارية فيها سيطرة أولى الحكومات الكردية "الأسرة المروانية" 990 ـ 1096م،(32). أما ماكان من حال النصارى والزردشتيين (في شذراتهم اليزيدية)، فقد آثروا الإنكفاء إلى كنف الجبال/صديقة الأقليات، طلباً للأمان النفسي الذي تتطلّبه حياة جزر منعزلة في خضم بحر غالب. إنما على الأرجح، لاحظ ممثلو هذه الجماعات، وخاصة اليعاقبة والنساطرة، ما طرأ على سجل حياتهم من تغيير، فقد جاء الإسلام، كما يقرّ اليوم جميع المؤرخين، بالانفراج والسلام للطوائف الشرقية التي تفرّت من طغيان الكنيسة البيزنطية الرسمية(33)، وإذ لم يرَ الدينُ الجديدُ من داعٍ لأن يضعَ وديعته السياسية في أيدي هذه الطوائف الذمّية، إلا أنه تركهم وشأنهم يتكسّبون بكل حرية في مسالك التجارة والثقافة والعلوم، حتى إذا اتسقت حضارة الخلافة وحواضرها، بدأ النساطرة واليعاقبة بترجمة التراث اليوناني إلى العربية، وخاصة كلام الفلاسفة وأهل المنطق، مما أثرى الحياة الفكرية، وأسهم في نشوء بواكير فلسفية تجادل صميم العقيدة الإسلامية، كفرق المعتزلة والصوفية وأشباهها.(34).

كموالٍ طارئين على الدين الجديد، تحيّل بعض الأكراد في الترقي الذي تحلّه للمسلمين، مراتب الدولة، فما كان بلا مغزى أن يحل أجلُ الخلافة الأموية على يد قائد كردي، هو "أبو مسلم الخراساني"، وأن يتسلّق أقرباؤه من أسرتي البرمكي والفضل إلى كرسي الوزارة العباسية(35). وقد كثُرت المراجع الأصلية التي تحوي تفاصيل ما توارثه الكردُ من حكومات خلال العهود الإسلامية، وخاصة المرجع الكردي الضخم "شرفنامه"، لمؤلفه شرفخان البدليسي(36)، ولكن مساهماتهم الفكرية والثقافية كانت في الحقيقة أجلَّ موضعاً، ويمكن معاينة ذلك من أعلام المؤرخين والجغرافيين والأدباء والفقهاء والموسيقيين.. وبهذا الشأن يقول الباحث الفرنسي "جيرار شاليان": "إن اسهام الأكراد في الحضارة الإسلامية، وإن لم يكن الأعظم، فإنه لم يكن قليل الأهمية".(37)

الميراث الدموي

في الدور الثاني من العهد العباسي، حلّ جنس جديد في منطقة الشرق الأدنى: إنهم الأتراك، الذين ما عتموا أن ارتفعوا صُعُداً في مراتب الخلافة، حتى إستجازوا أخيراً دعوى ربوبيتها. إن تسمية "ترك" عُممتْ في الواقع على عديد من العناصر القومية المستجلبَة كمماليك مقاتلة من جهات آسيا القصية وشمال القوقاز. ذلك أن العرب باخلاد نخبتهم إلى رخاء العيش وطراوته، كانوا قد فقدوا روحهم القتالية، فاستناب هؤلاء المماليك شؤون العسكر، ومنها ارتضأوا إلى الوزارة، فالخلافة. ما أن إستهلَّ القرن العاشر للميلاد، إلا والرقعة الجغرافية البشرية للجنس التركي، تنبسط على سجادة العجم، من شمال إيران، إلى جنوب القوقاز، وبضمنها التتريك شبه التام لإقليم أذربيجان: "الذي كان سكانه مزيجاً من الإيرانيين والأكراد والأرمن والعرب".(38)

في تلك الآونة، كانت كردستان مصقولةً بما يشبه الإستقلال، بفضل أسر كردية، سنية المذهب، حظيت بنعمة ثقة بيت الخلافة في بغداد. وماانفكّت هذه الأسر الحاكمة عن رد شرور العنصر التركي الغازي، عن إقليم الجزيرة، لدرجة أن المستشرق "كلود كوهين"، يؤكد في معرض حديثه عن السلاجقة: "حلوا محلّ الأتراك الرحّل، الذين أبادهم الأكراد في أعالي بلاد الرافدين نتيجة لمزاحمتهم المزعجة" (39). على أنّ ثقل سلاجقة التركمان، صُيّر إلى كيليكيا، وتحديداً أنطاكية، حاضرة سوريا البيزنطية، فضلاً عن سلسلةٍ من الحصون المنيعة في الأناضول؛ وعلى عاتق هذا العنصر ذي المزاج الدموي، وقع عبء التصد&#