Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 



 

محمد عفيف الحسيني

عامودا

(ندماءُ شَرْمُوْلا)

 

إلى جدي الأول، الملك أوركيش الحزين، تحت أنقاض مملكته في "كري موزا"، الحزينة، القريبة من عامودا الحزينة، باسمها الضاحكِ ـ التعريبِ: تل المال.

 

الجزء الثاني

 

 

"لهفة الحلزون

لهفة القاتل

لهفة العاشق

لهفة الحق

لهفة محاريب المساجد

لهفة الكردي في رؤية عامودا.

لهفة مدينة بعيدة لمنفييها

لهفتكِ أيتها الغريبة في مدائحي

أيتها الغريبة من الجبل

أيتها الروح الذبيحة على آذان الفجر

حفنة من الصلوات مشدودة الى قلبي.

أيتها الغريبة في لهفة الحق وأعمدته المكسورة

ياغريبتي".

ـ الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. بصوت جهوري يرفع فاروق عقيرته، منتعلاً صندلاً، بقميص أبيض؛ أبيض مفتوح الصدر برياح الشيطان، تضرب حنانه الكثيف وحساسيته، في فجر من رذاذ المطر الزمهرير، ويقول: أعطني سيجارة. ويردف: "حلمتُ البارحة بأن آبار عامودا كلها قد سُدتْ".  هي نبوءة الزمن الكالح الآن، الذي يمر على عامودا.

آبار بحرية نهرية ارتوازية مجنونة؛ لكن من ورائها تقام فيلات لصوص المصارف الزراعية ومدراء مؤسسات فلكية، ومساعدو هؤلاء المدراء، وهواء المدراء. يسرق أحدهم مبلغا فلكياً، يسجن لساعات، ثم يرفرف مثل طائر الرخ فوق عامودا، ثم يستقيل، ثم يبني فيللا من العاج والمرمر وخشب الصندل وخشب الفقراء وخشب الكورد، وخشب لامع مجلوب من الحزب الواحد الأحد، مصبوغ بماء الشيطان المسروق. ثمت فقراء بعثيون أيضاً، أجالهم الله على آفة الفقر والحاجة، يرسلون بأبنائهم إلى بيروت، ليصبغوا فيللات لصوص آخرين ـ حيتان.

***

عامودا، ليست قرية، ليست مدينة، ليست مكاناً، ليست زماناً، ليست موازين، ولا مقادير، عامودا السديم والغياب والولاة واللحم النيء في الصباح، اللحم الفوار من فرن كامل!، بادارة جديدة، عامودا الزيتون المجلوب من عفرين، عامودا...، أستشيط جوعاً: لقد وصلت من كوردستان إلى القامشلي، بعد محنٍ لم تكن رخيمة أبداً، داعبتُ جراء الحدود، ووحل الحدود، وانتظار الحدود، قهوة وسجائر، وشجار خفيف مع المسؤول على الجهة الثانية من "فيش خابور"؛ آبَ كل عائد إلى جهته المعلومة، بقيتُ الوحيد في عراء الحدود، يجري الماء، وبضعة أشجار تجري، وتجري ألغاز مختومة ببطاقة كليمة صغيرة: أنني سأبقى ربما هذا اليوم، في هذا المكان العراء، مكان مثل قصائد كافافيس غامض وواضح في آن؛ مكان محاط بالشتاء والوحل. حدود الله على الأكراد القتلى.

في قامشلي.. سأستشيط جوعاً في رحلة من الفجر إلى المساء، ثمت شهر رمضان أيضاً، وثمت أيضاً أنني أريد أن أصل الى جهة شجيرات الشيخ عفيف في الافطار. سائق التاكسي، يوصل حاجياته الروحانية إلى البيت في الطريق من المركز الثقافي العربي الموحد، إلى عامودا، أطلب منه خبزاً فقط. في السيارة ألتهم الخبز مع برتقالة كانت موضوعة أمامي، لم تكن تفاحة آخين ولات، كانت برتقالة السفر. قرى.. قرى للجيران الغرباء القادمين من السدود، قرية خالتي "ثريا"، حسين رومي - بريفا - غزاليك - موزان - أم ربيع - باب الخير - رنكو- حاتمية - هرمي

شيخو - نجموك - ثورة - هيمو – قامشلو؛ وكذا عكساً.

***

عامودا ليست مدينة، هي اشارات شفاعات من الله لأبنائها القتلى في سينما عاموادا، وفي سجن الحسكة ـ لأتذكر فلمز فرج كورو وأبي علي ـ، وقتلاها الذين هاجروها منذ أمد بعيد؛ هاجروا السينما وتل شرمولا ـ هل وصل التعريب إلى اسم غامض مقدس مثل تل شرمولا؟

قتلى عامودا، والبناء الميت للبلدية، وللمحكمة، ومبنى مديرية الناحية، وثلاثة مبان لثلاثة رجال: البناء الترابي الأول، الذي انتقل إلى مبنى البريد، المبنى الأنيق؛ كنا من ذلك المبنى الفرنسي نرسل رسائلنا على طاولة الرخام، إلى الله، نطلب منه أن يحول هذا المبنى إلى عويل لنا، وإلى ألا تنهمر العناصر على رسائلنا البسيطة المرسلة إلى دجاحات خالاتنا، لكن.. تحول المبنى إلى مبنى جاف ووحشي. مبنى الرجل الآخر، على مدخل عامودا، حيث الميرا ولصوص الميرا وقمح الميرا وبيت الميرا وأعشاب الميرا وحراس الميرا الغائبين دائماً عن لصوص الميرا. البناء ـ الرجل الثالث، لم أهتدِ إليه.

بناء كتوم في كل أرجاء عامودا. البيوت تدل على ساكنيها. فقر شديد وغنى شديد. كنتُ الغريبَ في مدينتي. شعور رافقني وأنا أقرأ في غرفة أمي جبن الصباح وخط فاروق ـ إبن خالتي، أقرأ المدى المذبوح على شفرة أضواء الترك تتلألأ على تخوم عامودا، وعامودا تغرق في الظلام والوحل وانقطاع الكهرباء. كنتُ أقرأ العميان، وأقرأ السطور الناقصة الكئيبة لحنين جارف إلى أمكنتي، التي عشت في شوارعها  قبل مديات بعيدة: شارع الفاتورة، فلأستعد الزمن هناك: نحاس مرمي على باب دكان "حجي صبري" نحاسٌ أباريقُ، نحاسٌ جريحٌ، نحاسٌ مسروقٌ، نحاسٌ متألمٌ، نحاسٌ توريةٌ، ونحاسٌ من ديكة غوتنبورغ، تأتي عربة الحمال "صورو" تغالبني شقاوة أن أكون تحت عجلتيها، فأكون، اشارة جريحة على كاحلي إلى الآن. شارة شقاء، اشارة عامودا أنني كنتُ غريباً فيها؛ شممتُ فيها رائحة حريق السينما، وشممتُ فيها رائحة آبار فاروق المسدودة ـ هي آبار مياه، آبار طائشة في أحلامه. شممتُ ورأيتُ صوتي القديم على سجادة أمي، صوتي الضائع مع هباب المدفأة، الضائع مع شمس شاحبة ذلك اليوم، وأنا أجالس أمي، أجالس الشيخ عفيف، وهما ينظران إلي، فيدمعان، ليتذكرا ابنهما الصغير الآخر في هانوفر، ليتذكرا أيضاً طيش العقوق، وجلساء العقوق، والحنين إلى شمس ليست شاحبة، وليست مارقة، وليست عاقة لأبنائها الغائبين الكثيرين؛ عامودا كانت لي، ولم أكن لها. كنتُ أقرأوها بعين غريبة، كنت أتيه في شوارعها أحياناً، لا أهتدي إلا ماكان في الذكرى القديم الكردي، وليست شوارع بني العباس، وآل عباس، ولصوص العباس المعاصرين في المصارف والمؤسسات العباسية. شوارع بتدوين غير شريف على لوحات حديد شريفة وجميلة. لقد تم تدوين البناء والوحل والنهر والخبز الآلي وسيرة الموتى وأسماء الكلاب، وأسماء أغلفة أعمدة الكهرباء وأسماء الأبواق، باللغة العربية في مدينة كردية صافية. أمد لحفيد محمد طلب هلال بجوازي السويدي. أفرش هتكي له على مائدته العنصرية، أفرش كتفي اليسرى الكردية الجريحة على عويل مبنى عامودا، وخيال عامودا، وأنزف الرحيل من مهاباد إلى مهاباد، كما يدون سليمو في حلبجه. وكما أدون النزيف من عامودا إلى غوتنبورغ: أنيناً أنيناً كان الجرو ـ الذي جلبته من قرية خالتي "ثريا" ـ يتبعني في بيت ابنة عمي عايدا، الجرو الذي سميته شيرو، وسميت ظله شيرو، وسميت ذيله شيرو، ووبره وخطمه ونزقه وهو يعارك الهواء وملعب نيشان القديم بـ شيرو، الجرو الذي يعاركني لأنني سأغيب عنه كثيراً إلى حلب، حيث آخين ولات تنتظرني مثل تفاحة.

***

الأنين الذي استيقظ ذلك الفجر من قرية "الغنامية"، قرية بشار العيسى فقط، أنين تل على مرور صديق لإبن التل. تل كبير يرقد على مصكوكات المنفى. الطريق شاحبة، والطريق إسفلت، والطريق من الغنامية تمر عبر رياح اللون التي أخذت بشاراً إلى الحسكة، ثم الشام، ثم دفعت به دفعاً قوياً إلى بيروت، ثم قبرص، ثم باريس. الغنامية بيدر كبير لقش فضة، تقول لي المعلمة الوكيلة الفقيرة في حافلة عامودا ـ حلب: كل يوم أذهب الى هناك، هي قرية ملونة، لكن كل أراضيها آلت إلى غرباء. أذهب إلى هناك الموسوم بعصمة الاصلاح الزراعي. اصلاح الأرض بتحويل ملكيتها إلى لصوص!

عامودا ليست مدينة، والدرباسية ليست مدينة، والأسلاك الطرية التي نصبها الترك ليست طرية، والألغام ليست طرية، والديكة الرومية الذاهلة على الحدود ليست طرية، وعامودا الطرية تنتسب إلى السيدا الكبير: الملا سعدالدين، السيد الكبير بحق علوم التسامح والوقار، وأخلاط أنني كنت أتمنى أن يكون أبي، مثلما الشيخ هو أبي، السيدا الكبير الهادىء في شارع أبي، أقبل يده المباركة بعجلة الدليل إلى أنني سأزوره، وأخالف وعدي، أخالف زيارتي لسيد كبير يطهو في حجرته العقوق على نار هادئة: يعرفني مباشرة، ويقول لي: محمدو، إبن الشيخ سألت عنك، لكنك كنت في حلبجه. السيدا الكبير، إبن السيدا الكبير، إبن الحجرات الفقهية إمارات الكرد في عامودا قبل أكثر من نصف قرن، إمارات اندثرت مع غزو الجراد الغريب وأبناء الجراد وبيض الجراد.

***

دخلتُ عليه هادئاً، كنت قد جلبت معي كتاباً له عن سطور الأيوبيين في قصيدة واحدة تتحدث عن برهة كردية من بحيرة وان، إلى القدس. كان الشيخ يتأمل آنذاك الألوان المدبوغة على المعنى الكثيف للفيف من أقرانه يتحوطون بنواميس الملا جزيري، مولاي الكبير الثاني والأول.

ـ سيدا، هذا عسل من كوردستان. أغادر غرفته، والأشجار تغادرني وعلبة البيسكويت، وكلس الغرفة المتآكل والعدسة المكبرة والأخضر ومذاق الأخضر وتورية العينين الصافيتين الكليلتين الخضراوين، وتغادرني جمرة شتاء عامودا؛ أذهب إلى أخيه الأكبر "الشيخ سليم" إمام علوم القانون، عمي الأكبر. أبوس يده المباركة، وهو يبتسم لي ابتسامة قديمة جداً، ربما ابتسامة الجد الأول ـ بافي كال ـ المدفون قبل ألف سنة في دياربكر، العم الذي عنده سأتذوق عسل سلالة الأكراد، وعصيان الأكراد في كراساته الألفبائية التي يدونها منذ أكثر من عشر سنوات، في تدوين أعلام الكرد على أرضيهم منذ زينفون إلى حلبجة، عبدالله كوران الشاعر الكبير من حلبجه.

***

أمام المرآة الكبيرة في غوتنبورغ، كانت ابنتي نوروز تنظر إلى ملامحها، فتتذكرني، فتخاطبني:

ـ اشتقتُ لك بابا.

أمام المرآة البرونز الصغيرة العتيقة في عامودا، كنتُ أنظر إلى ملامحي، فأتذكر نوروز، وأخاطبها:

ـ اشتقت لك يا ابنتي.

***

في عامودا يمر الشجن، وتمر عربات الخضراوت ويمر الجيران، فلاأعرف إلا القليل منهم. أتأمل تكبيرات يوم العيد الصغير بصوت المؤذن الشجي، الملا محمود، المتوفى حديثاً، لكن في شريط مسجل سيرن صوته الرخيم، فيبكي الكثير عليه، أراقب بدرية والسطرين الرقيقين من تحت نظارتها يسيلان على تذكرها بأنه صوت الملا الراحل قبل أيام، أراقبها وهي ترتجف في الصباح، تمد لفاروق بحنانها، وتقول له أنت ابني الغائب، يافاروق. فيرد عليها: لكن أين غرفتي في هذا الحوش؟! أراقب أيضاً كنيسة السريان القديمة التي كنت فيها الطالب الأول، الكنيسة المهدمة، التي كانت تتألق دائماً بالقرب من حنيني إلى عامودا، بالقرب من شقاوة أن أذهب إلى (أبونا) لأشد معه حبل الناقوس، فيرن صدى النحاس بخليطه مع صدى الخارصين، بخليطه مع صدى أبانا الذي في السموات، في مقدسية البياض على أمنا البتول. أرى الكنيسة متهدمة، وأيقوناتها ذهبت إلى كنائس أخرى في الجزيرة الكوردية، أيقونات صنعها بحرفته ـ حرفة الماهر الأول "برو"، أسأله أين ذهبت الأيقونات التي صنعتها ولونتها وعلقتها على جدران الكنيسة؟ يقول إلى القامشلي. أو ربما إلى ديريك. تصدح اثنا عشر من مساجد عامودا:

1- الجامع الكبير 2- جامع الأحناف 3- النصر 4- صلاح الدين 5- أبوبكر الصديق 6ـ الفاروقجامع شيخي دودا 8- جامع ملا دحو 9ـ جامع شيخ عبيد10ـ جامع قافور 11- جامع أوسو 12- جامع المقبرة في وسط قبور عامودا.

***

في عامودا يمر خيالي القديم، ويمر شبحي، أكون أنا في تلك الغرفة العجول في بيت الشيخ، أقرأ كل مساء غيابي إلى بيت الشاعر عبدالمقصد الحسيني. قبل عشرين سنة، اقتطع قطعة أرض وبالوحل والحجر والإسمنت تداعينا إلى أساسات البيت، بنينا قليلاً قليلاً من خيال البيت في قيامة العوز الأسود. كنت أتذكر تلك الأساسات الأولى لبيت سيكون متخماً تاليا بالكتب: آلاف الكتب، وآلاف الصحائف تركن في روح الشاعر السريالي الذي لايهدأ ثانية واحدة، وهو يمج التبغ بشهوانية، ويحرث هواء الليل ـ البرد بمشرط فولاذي، يتحدث قليلاً ولاأفهم منه هذا القليل، حديثه حديث طهاة الفجر وغضب الفجر ـ الفجر الذي أستيقظ في بيته، وأنا محشور بين الكتب، الفجر الصقيع، أذهب إلى الجرو سفير الأنين وحارس خطوي، أفك الشريط الرقيق عنه أفلته في عراء الفجر، تحت شجرة الصنوبر، وتحت رائحة القهوة وهيل القهوة، يتقافز إلى كرته، وإلى خياله وإلى بقايا طعام أجلبه له ـ سرقة من البراد، وإلى براثن الدجاج المجلوبة خصيصاً له؛ أشرب القهوة معه، وأنسل من بيت الشاعر إلى بيت الشيخ، في صباح ندي، مثل قياف أبحث عن أثري القديم، فلا أجده، لقد تغيرت المعالم بالكامل: مدينة من برزخ الحجر وخيال الحجر وكتف الحجر وعصمة الحجر، وخصيان الحجر ـ خاصية الأسرار. في منزل الشيخ الصباحي، سيكون إبن خالتي فاروق على الدرج الخفيف الصباحي بانتظاري، هذه المرة يحمل معه مرآة صغيرة دائرية نحاسية، كانت يده جريحة، وتنزف، ملامحه كسيرة والغضب يتفجر من عروقه: لقد جرحت نفسي، بدل أن أجرح اللصوص.

خمس عشرة سنة كثيرة في علوم غياب عن مدينته، علوم الغياب عن أصدقاء بعثرتهم المنافي والحياة والزمن، الزمن الذي ركد على صديقي القديم الشاعر زردشت محمد، وهو يأخذني في قامشلي، إلى الغرفة القديمة التي احتسينا فيها قبل عقدين من الزمن نبيذ الشعر وتدابير أن نكون أكراداً نكتب بالعربية في بيئة خراب! الغرفة التي طرحتُ فيها أزهاري قبل عشرين سنة، فوالده كان أحد سجناء الرأي لمدة تسع سنوات قضاها في رهافة الزنازين وحريرها، وقيل لي آنذاك أنه سيخرج غداً، في الغد، اشتريت باقة زهر إليه، ثم ذهبت إلى تلك الغرفة الملاصقة لذاكرتي، لم يفرج عنه ذلك اليوم المعلوم، إنما بعد أحد عشر شهراً، رميتُ بالزهر على الكتب، ورميتُ بالفضة على الغرفةـ ورميت بالزمن على الغرفة.

ـ هنا كنا نجلس. يقول لي زردشت. في غرفة تعج هي أيضاً بالكتب والشعر والأعمال الفنية من عمله، وتعج أيضاً بالعقارب القديمة. يقرأ لي زردشت نصاً مهدىً لي، ولزمن تلك الزهور وللفضة في تلك الغرفة المهجورة، التي كانت تضج بأرواحنا قبل ألف سنة، قبل مليون سنة.

***

هاتف مغيب، علي أن أسلم على مدينة أخرى. هي اللاذقية، المدينة الأولى التي فكرنا بطباعة عمل شعري فيها آنذاك، عمل مشترك: محمدنور الحسيني، زردشت محمد، وأنا، عمل شعري ـ للعوسج، لطين الطفولة، الآن أتساءل: ماهو العوسج؟ أهو الشوك القزلباشي الحار ينبت على تخوم قرى الله في جزيرة الله؟ ـ بقواسم البدايات، ولم نفلح في أخذ الموافقة. الرفض أولاً، ثم الموافقة مع شرط حذف أية إشارات كردية في النصوص، فلم نطبع. هاتف مغيب إلى اللاذقية، صديق آخر من أصدقاء القراءة والثقافة العميقة: بسام يوسف، أيضاً كان في حرير الزنازين وزئبقها لمدة تسع سنوات، باص ميديا ـ حلب، أمر ثانية بالتل الكبير لقرية صديقي بشار العيسى ـ قرية الغنامية، ألم يكن لها إسم آخر؟ أنزل في اختناق حلب وتلوث حلب وكاراج حلب السقيم، سوياً نذهب إلى اللاذقية: الشاعرة آخين ولات، وأنا الغريب في مدائحها لي. نصل فجراً.

رذاذ كثافة من ماء البحر يهمي علينا. لكن في طرطوس، في منزل الشاعر الصيني بالعربية: أحمد جان عثمان، من إحدى استراحات الكباب المغشوش والسَّلطة المغشوشة والقطة الصغيرة الأصلية، أشتري لها لحماً في ذهول صاحب الاستراحة، أذهب إلى الدالية، تقفز القطة الصغيرة بين يدي مثل كرة، وهي ـ القطة ـ الممتلئة كباباً مزوراً، تأخذ شرائح اللحم، تتوارى خلف أيكة التورية ـ تورية اللحم النيء الطازج الرهيف جداَ، أراقبها وهي تموء والباص يغادر، أرى عينيها تراقب فردوس اللحم. أشتري من الاستراحة شريطا غنائيا لـ زكريا عبدالله، الذي يغني، كما يغنيه لقمان ديركي ذلك المساء المشوش الغارق في أزقة الشام، الشريط سنسمعه في بيت الشاعر الصيني الرقيق في فجر طرطوس، الذي يجفل من هدوء الناس، الذين سيشرقون على الشرفة، شروق شاعران كرديان يمتحنان عواء الغياب في بلد غريب. قرأت رولا حسن الشاعرة الكسيرة الرقيقة العذبة أيضاً شعراً أنيناً:

رولا جسن

شجرة خرنوب

 بفستانك

المشجر بدانتيل العرائش

تبدين مشغولة

بسموات مفتوحة

أنت التي

أسندها إليها

طفولة ذكرياتنا

وفي ليالي الشتاء الطويلة

المزدحمة بالضجر

اقتسمنا رغيف الحنين

نحن الذين كبرنا

تحت فيء نظراتك

نعرف أي نوافذ مضيئة

فتحتِ

في عتمة أيامنا.

آخين ولات

ظلال

ثمة ظلٌّ يتسع ويطول

ثمة ألوانٌ تتفجر من يدٍ بيضاء

تمتدّ من الزاوية الخضراء

ثمة ظلّ واحدٌ فقط

لامرأةٍ ورجل

في الشرفة العالية جدّاً .

 

أحمد جان عثمان

العابر

عابراً كما النَّيْزك، زائلاً كالشفق...

وهذا العالم العتيق العتيق

كما لو أنه تبغٌ معتَّق

أشقُّ زاويةَ السَّماء

وألفُّه بها

أنا الأليف الغريب

المأخوذ بتبْغِهِ أكثَر من الموت.

 

أسير في شوارع أتخيّلها

حيث القصائدُ تتساقط من فميَ الخريفيّ

مع نثار التبْغ

تلتقطها النجومُ بأياديها النحيلة

ذاتَ حصّةٍ لي من اللَّيل،

هي حياتي كلّها

هي موتي كلّه.

محمد عفيف الحسيني

شيخ محمدي كري موزا

إبنتي

إبنة أحمد كايا

ابنة يلماز كوناي

إبنة سليم بركات

إبنة ياشار كمال

إبنة جليلي جليل

إبنة بشار العيسى

إبنة عارف

إبنة شيخ عفيف

إبنة شيخ محمدي موزا

إبنة قاضي محمد

إبنة محمدنور

إبنة هجار

إبنة حامد بدرخان

إبنة جلادت

إبنة روشن خانم

إبنة شرفخان بدليسي

إبنة بافي كال

إبنة اللون والموسيقا والشعر والحياة والجينز والفلفل الحار

إبنة الصحائف

أيتها الغريبة

أيتها الغريبة

ياابنة الفجر المرتعش  بين يدي

إبنة المدائح.

إبنة مدائحي أيتها الغريبة.

الشاعر الصيني الذي احتسينا عنده أمرَ طرده، بعد أسابيع قليلة: جاء من الصين، درس اللغة العربية في الشآم، كتب بالعربية في الشآم، تزوج سورية، ثم عاد إلى الصين، ثم عاد إلى طرطوس، ثم طرد من جنة طرطوس، وهو الآن على الحدود في عواء نحيل شاعري مع بنات آوى، يبحث عن انتساب آدمي في حدود ليست آدمية.

الشاعر الصيني أحمد جان عثمان، تحدث هاتفياً مع شيخ عامودا الكردي، باللغة العربية. تحدثا عن الخيال والنقوشات الفضية الصينية العائمة على بحيرة الطرد.

***

كان الشيخ يحوم مثل الفضة على مقبرة عامودا، فقد مات حديثاً، ولازالت نقوش روحه تطوف على الخيمة، وعلى قهوة الخيمة، وعلى لغة الخيمة؛ روحه الرقيقة كانت ترقد بسلام جانب والده الشيخ ـ صديق الأركيولوجي قبل عقود في جاغربازار ـ سندخل نحن أيضاً آمنين مقبرة عامودا. الكاميرا ستخشخش مثل بامياء جافة على طاولة جافة، كاميرا لتصوير أرواح الموتى على رخام الموتى. بحثتُ عن قبر أخوتي الثلاث، لم أهتدِ، بحثت عن ضيوف أخوتي ـ كنت أنا الضيف الزائر ـ لثلاثة في مجرة الموت: فاطمة، محمود، هناء، ثلاثة موتى لاأتذكر منهم إلا الشاعرية، أخذتهم ألياف الموت الخشنة قبل أزمان، ميقات بعيد. كانوا يحرثون في حياتهم شلل الأطفال، بأختام من الفضة، تنزف من أرواحهم مراتب الموت القريب. لم أهتدِ إليهم، لكن للحظة وأنا ألتفت إلى عظام الموتى، وعوسج الموتى، أبصر أخوتي الثلاثة، وهم يلوحون لي بشحوب، ويساءلونني بشحوب:

ـ Mihemedo me bîriya te kiriye ـ  لقد مر دهر ولم نرك، لقد اشتقنا لك؟!

عتب خفيف، يسيل من أكمام قبورهم المندثرة، عتب شقيقتين وأخ ميت، عتب يسيل من ثمرة ظهيرة عامودا الحامضة، ومن ميزان الله والملائكة، عتب يفوح من قبر شيخي موزا المنتحي في زاوية متواضعة، تحرسه سبعمائة ملاك وسبعون شجرة من أشجار الحناء، جدي الذي لم ألتق به أبدا، جدي باسْمٍ لي تيمناً باسمه، وشَبهاً أيضاً به، كما يقول لي الشيخ الأب، تحت تلك الشمس الشاحبة، وهو يسرد سيرة الغيوم التي تعبر كري موزان، حيث سيولد هناك، قريباً من مدفونات أوركيش العظيمة، سيولد هناك، حاملاً معه أختام أوركيش الحكيمة، إلى نزاعات نزاعات، قبائل قبائل، تتشاجر حول ثغاء ماعز، وتشحذ مثاقيل العنف وحديد الغضب، فيأتي الشيخ باقتدار حكمته، يحول المثاقيل العنف إلى طمأنينة وحلم، والحديد الغضب إلى حرير آمن، بين المتصارعين على ثغاء الماعز. هو شيخ محمدي موزا ـ لقبه ـ يرقد في زاويته الوديعة المتواضعة بجوار الشيخ المتوفى حديثاً، وهما يتبادلان علوم الأزل، وينجزان خواص الروح الكوردية في برهة غير كردية: استعراب أسماء كل شيء.

ـ هل من إسم جديد ـ معرب لأوركيش؟ أساءل نفسي الآن.

تمتد القبور على مساحة كبيرة، يختلط الشهداء ـ شهداء طيش السينما، وتقترب من النهر، الجاف الكئيب الزبل، النهر بترياق قراءة مائه القديم من قبل ترياق الترك السم. قبور قبور طرية، خلاياها لازالت تحصي الحياة؛ الموت المخيّط بالمرض ومتاع الفقر:

ـ لماذا في عامودا كل هذه المستشفيات والصيدليات والأدوية الوطنية وأمصال الموتى؟

مسشتفيات مرموقة بحجرها، ومرموقة في نزفها لعظام المرضى، مرموقة أيضاً بتدفئة مَنْي أصحابها، في كل جهاتها القليلة ستعمي البصر باعلاناتها العمياء.

ـ أريد أن أذهب الى الطبيب. يقول إبن خالتي. أشعر بأن خصيتي مثل خصية كبش. تتورمان كل يوم.

نخرج سوياً إلى أعشاب عامودا وشجن عامودا. أحادثه عن ضوء النساء، فيقول: أريد إمرأة أنكحها طيلة الوقت، لكن في آبار عامودا الوقحة. يخرج من جيب سترته البيضاء صورة فتاة جميلة، صورة تالفة أنيقة شجية رخيمة لأنثى في خياله الكبير. هي زوجتي. لم يقل لي من هي. أدار ظهره إلى مقبرة عامودا، فتبعته طائعاَ بهدوء جدي الشيخ ـ شيخ محمدي موزا.


قبر رشيد كورد


قبر زهير احمد حسين احد ضحايا سينما عامودا


قبر الجد


قبر عبد الصمد احد ضحايا سينما عامودا

لقد تاهت مقابر شهداء سينما عامودا بين متاهة من الشواهد. لكن، بيسر شديد توصلنا إلى ضريح العارف الكبير "رشيد كورد"، كنتُ مع أولاد عمومتي وخالي الصغير، بطريرك الأعشاب الأدوية، مقامه في غرفته، يدون مقام كل عشبة في القوارير، أعشاب مجلوبة من براري عامودا وقحط عامودا، يخلط الأعشاب الأدوية بمقادير من عظام الأعشاب وروح الأعشاب، لجميع الأمراض، ماعدا مرض الفقر المزمن له ولثلاثة أرباع المدينة. كان هذا الخال يبحث عن عشبة ما، بين فسحات القبور، هي عشبة والده ـ جدي الذي توفي مبكراً. كنا أولاد عمومة، ولم يكن الخال الصغير معنا ـ، فقد تخيلته، وهو يوسم خطواتنا الحذرة ألا ندوس سترات الراقدين تحت تراب كري شرمولا الخفيف. سنوات كثيرة من غيابي عن المقبرة، سنوات تجرح حنجرتي على المسيل القديم للمقبرة. كانت أشجار الزيزفون تمتد من المقبرة القديمة إلى الجديدة، أشجار زيزفون، زهرها صغير وعطرعا فاجر؛ أشجار تمنح خيالها للقادم إليها من مسافة خمسمائة مترـ ولي أنا القادم من آلاف كيلومترات. الأشجار كانت ميتة، ونحن نخرج من بيت العم الكبير


العم الكبير

 البيت الذي نقشت عليه علوم كثيرة من القانون إلى العسل الصافي، إلى استقراء المعاني، عالم قانوني كبير، وصاحب اشارات ولغة التوريات الفكاهة الشديدة. عالم كبير يعيش بين الآلاف من الكتب والمخطوطات، بيت يزاحمك وينافسك بالكتب والعلم والفكاهة والسبّحة الكهرمان الأصلية القديمة، المهداة للعم الكبير من والد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي تخلى عن كرديته، ومقام الجزيرة ـ جزيرا بوتا؛ سبّحة كهرمان، سبّحة ذكية من والده إلى عمي الكبير قبل أكثر من ستين عاماً، عندما كان العم طالباً نجيباً عنده، فأهداه الكهرمان، علوم الكهرمان البارقة بين أصابع عمي، علوم كهرمان فكرتُ للحظة بأن أضعها ـ السبحة ـ في جيب بنطالي الجينز الزعران، أعني أسرقها بلغة العوام، علوم الكهرمان البارقة على شجيرات الزيزفون المختفية، ليس من زهر صغير أصفر، ذلك اليوم في تلك الظهيرة؛ ليس من أثر لرائحة مجرات الآدميين، في عبورهم برزخ الحياة، إلى برزخ الموت، تحت تلك الشجيرات المنوّرة القديمة. عبرنا أثر الشجيرات، ربما كانت عشر شجيرات آنذاك، عبرنا خيالها وزهرها وأسرارها بعيون الدهشة، وطباع البشر الأحياء، يزورون موتاهم.

ملاط على القبور، جص على القبور، رخام على القبور، شوك أيضاً وحنين وصلوات وشجن ولون وخرق خضراء، مزق من خرق، كلام مقتضب لموتى يتبادلون أنخاب الحياة. على القبور نقوش، حيلة، وملائكة، هي نفسها ملائكة قبور غوتنبورغ، تنتقل بخفة إلى عامودا؛ ملائكة غوتنبورغ هي نفسها ملائكة عامودا، شاحبة ومليئة بروح الموتى. وهي نفسها ملائكة حلبجة، ملائكة غوتنبورغ الشجية الهادئة، ذلك الفجر في مقبرة نائية، أنيقة مثل الماء والزهور ـ ربما زهر الزيزفون ـ والحمام واللون الأزرق ـ أزرق حيلة لون. قبور غوتنبورغ تشبه زيزفوناً غير مبتور في ذاكرتي وذاكرة التدوين الرقيق مثل خيط سبّحة عمي الكبير، التي لم أسرقها. سبّحة الكهرمان اليقين، العلوم العتيقة المعضل. سبحة كانت تتلألأ في ذاكرتي، لكنها  كانت في يد السيدا الكبير الملا سعدالدين. عندما انحنيتُ لأقبل يده، سحبها بشدة، فارتطم الكهرمان بلحيتي، كهرمان عتيق أصيل، وليس كهرمان الابن الضال، ابن العقوق والتخلي عن النسب المقدس، في تلك الجزيرة الرائعة ـ جزيرة بوتا، تحتوي على ضريح قطب كبير: الملا جزيري.

ديسا ز نو به حال دل       ساقي وه رين جاما زجاج

وتحتوي الجزيرة على اثنين مارقين عاشقين: مم وزين.

يشدو الزيزفون المائل القديم، ونحن نراجع علوماً لانفهمها، لأنها ليست لغتنا، نراجعها بقسوة وفظاظة، تحت تلك الشجيرات، شجرة شجرة، كانت الظلال تمنحنا لغة سحرية أن نكون الأوائل في لغة ليست لنا، وفي زيزفون خاطف يميل بقنزعته على عظامنا في عبورنا الهادىء والطائش منها الشجيرات إلى مقبرة عامودا:

ـ لماذا نذهب إلى القبور؟.

يساءلني ابن خالتي. فأقول له:

ـ لأبصر جدك وجدي الميت. فقد اشتاق لي ولك.

قبره، قبر المتواضع كما في حياته وفي موته. مزق خضراء عليه، مزق تقترب بشحوبها ونسيانها وشجنها من مزق "مم و زين". مزق خضراء، بيضاء، بنية بلون التل القريب: كري شرمولا. لكن، لم نكن متأكدين أن هذا القبر هو قبر الجد؟. لم يكن الخال معنا، كان الخال ـ الابن يطهو أعشاباً للمرض المزمن في عامودا ـ مرض الغياب، لم تكن الملائكة معنا، ولم يكن الزيزفون معنا؛ كان يرافقنا مذاق الموت: الكل أهلٌ، والكل تطحن عظامهم من البرد والشوق إلى الحياة، الحياة خاصية السماء الصافية تراقبنا، ونحن نمر عبر التراب، نميل بأعناقنا إلى "كري شرمولا: فلا نذهب إليه؛ تل محاط بالمخابرات.

السماء تختلط بهتك الموت الآخر: عبدالباسط، إبن العم الجليل؛ الشاب الجميل الأنيق، قتل في حادث باص بين حلب وعامودا، كان في الأربعين الجميل. كان أنيقاً، كان سيرافقني إلى حلب ـ إن كان حياً ـ، حيث آخين، كانت أصابعه أصابع الشعراء، لكن تحولت أصابعه إلى طحن مرير، في طريق طحن، في خيمة طحن. وفي موت طحن: هتكت عظامه في حادث سير، مات فيه كليلاً وحيداً، وهو الشفيف، سيستنجد بأمه ـ أمي سهيلة، في لفظة أخيرة. وسهيلة هي العمة الغائبة عنا جميعاً؛ سهيلة العمة الكبيرة، الغائبة الكبيرة - سهيلة الحسيني بنت عبدالحميد- ودرة تولد باب الخير 1940 - ماتت بسكتة قلبية- تاريخ الوفاة 3/11/1993


قبر سهيله بافي كال

كنت قبل عقدين أعض كعب رجليها ـ ومثل جرو، فتقول لي... اخرج من هنا، اذهب، وعض ذيلك. سهيلة العمة القديرة الغائبة الكبيرة، كانت تكتب الشعر على مرض قلبها، وتدون هذا الشعر على ظلال الخيمة الكسيرة في ملعب نيشان القديم، لم أكن إلا أن ابتسم بمرارة على قبرها: لأتذكرها كثيراً صافياً. كنتُ ابنها الأول والأخير، كانت تحبني إلى درجة الغضب، وأن ترمي علي بحنانها الفظ علي مثل عظمة، وأن تقول لي أنت إبني، لكنك ابن أيضاً للذي هناك، تشير إلى كلب شريد هناك. ثم تقول أعنيك ياوووول، فقط ولاأعني شيخك الكبير, شيخي الكبير القلق علي في عسل العيد وسكر العيد وأطفال العيد. نمتُ في بيت عمتي سهيلة ليلة العيد. وانسللتُ إلى بيتي، تجنبت المرور في شارع، يحرسه رجال، يحرسون ماذا في مدينة كليلة جريحة؟

تجنبتُ أيضاً حفريات البلدية الكليلة لماء كليل؛ إذن كيف سأعبر الطريق. برد بسيط يشبه عراة بين يدي الأمن. برد يشبه أن تكون مجرداً من جنسيتك. برد يشبه أن تكون مكتوم القيد، ليس لك اسم في سجلات النفوس وفي سجلات الله على أرض الكرد. وفي سجلات حمراء تدون أنك ( أجنبي)، أنك لست ابن محمد طلب هلال، وأنك لاتحفظ حماة الديار. النشيد العتيد لطلاب وحل عامودا، منذ حريق سينما عامودا، إلى حريق سجن الحسكة، من حريق روحي وأنا أعبر خيال أشجار الزيزفون، إلى خيال أشجار رشيد كرد، في قبره الكثير على الكرد وعلى آل الكرد وأدب الكرد وأصدقاء الكرد؛ هل للكورد أصدقاء؟ نعم...

ــ أصدقاء الكورد هم أنا. الكل يكذب علينا محمدو. يشير إلى سجلات النفوس الممتلئة بالحبر الأحمر والطبع الأحمر والخصية الحمراء لـ محمد طلب هلال ـ خصية الديك الملازم الأول في الأمن السياسي، وهو في رحيق اللون الأحمر.

يرددها فاروق طيلة شهرين لي.

***

تهتز عربات قطار غوتنبورغ، قريباً من بيتي. عربات تحمل الزيزفون والكهرمان والثلج والسويد وكوردستان قبل كل شيء آخر. عربات حديد ثقيل تنقلني من محطة غوتنبورغ البديعة، إلى حي السريان. حيث سيكون إسماعيل حسو، وهو ينقش على أيامه خشب الشرق وخصائص العيد الإيزدي المقدس: نبارك السماء ونبارك الأرض ومجاز القبو ـ مجاز الأم الغائبة والأب الغائب والزمن القديم بيننا، تتأمل آخين مع خاتون ـ زوجته، اللهب المتطاير من شتاء حي السريان، أمام روحي وهي تجادل روح إسماعيل حول ميزان الصداقة القديمة لنا؛ إسماعيل الصديق الأكثر هدوءا وألماً ممن كانوا أصدقائي، ربما أنا الأكثر القريب إليه. سنوات عجاف عشناها سوياً في حلب.

***

روحي تجادل الكتاب الأكراد في المقبرة، فصيح سيدا أحد هؤلاء: كتب شعراً رهيفاً مثل لهب نار، شعراً كورديا منبعاً؛ لكنه مات في العشرين، تفجر به بابور الكيروسين، وهو عائد من حقول الجزيرة، يحمي نفسه من شحم الحصادات بماء الكيروسين، فاحترق، فمات. لم نزر قبره، ذلك اليوم الزيزفون، لم نعرف أين يكتب الشعر بعد حريقه. لم أزر فصيح سيدا، وحريق فصيح سيدا الشاعر قبل عقدين. شاعر كان صديقي؛ الرقيق الحريق. كنت أفكر به على مقابر عامودا، وكنتُ أضع يدي في جيب الجينز الخلفي، أبحث عن قلمي التروبن الأسود الضائع، على مقبرة ضائعة، في مدينة ضائعة وكليمة.

لم أجد أية زهرة، أثر لزهرة، خيال لزهرة, ريش زهرة، مذاق زهرة، عظام زهرة, شهوة زهرة، أسرار زهرة، زيت زهرة، حزن زهرة، جدل زهرة مع زهرة... الزهور هي خسارتي على مقبرة عامودا. زهور متقطعة ميتة مثل حَمَام على بئر المقبرة.

ـ لقد جفت حتى بئر المقبرة، ياابن خالتي. جفت آبار كثيرة. لقد جف بئري أيضاً. يهمس في أذني، إبن خالتي الزهرة.

نمر عبر خيال زهيرات الزيزفون ـ العدم. نعبر الكهرمان إلى الخطوط المنحدرة في الأرض: أثر ماء موتانا، بعد المطر، أول قبور هي قبور الأم/ العمة الكبيرة: سهيلة بنت بافي كال، بجانبها إبنها عبدالباسط الذي استنجد بها، عندما كانت عظامه تطحن. والثالث قبر الأخ سلام، أحد عصافير سينما عامودا، خرق خضراء. مزق من غيوم خضراء ترفرف على الثلاثة المتجاورين، دحرجتِ الريحُ مذاق المرارة في حنجرة الإبن والأخ عبدالمقصد. تجف لحيته، وتجف حيلته وصبغ سترته الجلدية التي أخذها مني، ويجف لسانه وسرياليته، هو في حضرة أمه الكبيرة.. الكبيرة مثل مجابهة؛ مجابهة حي مع حي.

ـ أمي لم تمت. أراها كل يوم في حوشنا القديم، أرى طيفها النوراني ينتظرك محمدو. أراها قلقة عليك منذ نزيفك إلى السويد.

رحيل قلق. أمسد حجر قبرها، واسمها الغائب، وبافي كال، والتراب ـ المشكل. أدور في حضرتها مثل غريب ـ إبن. مثل خمس عشر سنة؛ ودعتها آنذاك بمرح، مثل جَدْي الفندق المذبوح في العيد، في كوردستان، وقلت لها سنلتقي بالتأكيد مرة ثانية، ولم نلتق بالتأكيد مرة ثانية. فقد ماتت.

يرن صدى ترتيل كنيسة السريان، كنيسة الأرثوكس، كنسية الأرمن. ثلاث كنائس تدق نواقيسها في عامودا، مائة كنيسة تدق نواقسيها في غوتنبورغ؛ هي ترتل للمؤذن الرخيم الذي مات حديثاً في عامودا. يصدح المؤذن الرخيم لحرائق سينما عامودا.

اثنا عشر مسجداً يصدح كذلك.

ـ موازين السماح، وليس غفلة القتل الأصول، تكبّر للقس الذي أعتقل في عامودا قبل عقدين من الزمن.

أمر بجانب الكنائس الثلاث، وأرى رؤية العرفان وهجرات العرفان المسيحيين في جهات الأرض الشاسعة.

وأرى القبور التي هي تحصيل الزمن العويل على سينما عامودا المحروقة، وأريد أن أصور بيسر، كما صور الهرمزي بيسر مقابر غوتنبورغ ـ هي نفسها الخشخشة الكاميرا على قبور عامودا والبصرة، فقد قذفت بنا أقدارنا ـ كلٍّ إلى تصوير حراثة النقش على قبر أهله، لكن، ينهرني أحد أولاد العمومة: ليس من الممكن بهكذا يسر، انتبه؛ مقبرة عامودا كانت ملآى بزوار كثيرين، وتصوير قبور السينما، فيه مافيه من هداية إلى طريق غير هادىء وغير رحيم، ومع ذلك خشخشت الكاميرا بيسر وبسر لبضعة شواهد بيضاء رخام، منها شاهدة إين عمي الآخر عبدالصمد، الآخر في النيران الملتبهة في روحه الطرية عام 1960.


الدقوريان الاب والابن

جنرالان من مجاهل غمامة عامودا، تنتصب قبة فوق ضريحهما: سعيد آغا الدقوري: (هذا قبر المجاهد سعيد آغا دقوري، قائد ثورة عامودا سنة 1937، ولد سنة 1897، توفي  27 شباط 1976) وابنه الدقوري الآخر، محمد: (هذا قبر الشهيد محمد سعيد آغا دقوري، شهيد كارثة عامودة سنة 1960، ولد سنة 1928، توفي 13 تشرين الثاني 1960)؛ الأول حارب الفرنسيين في عاموداـ الذي دونه بكثافة الروائي "سليم بركات"، والثاني منقذ حريق سينما عامودا ـ كهرمان الأطفال وهم في بساتين الله عام 1960. قبران في جلال المرور بهما وتصوير قبتهما المشتركة التي تظلل روحيهما الكثيفتين الكفيفتين في السجلات الرسمية. بالقرب من شجيرات غريبة تتحاور عند القباب:

ـ لقد جاء.

تقول الشجيرة الصغيرة المغبرة، للشجرة الكبيرة العقيق. فترد الشجرة الكبيرة العقيق على الشجيرة الصغيرة المغبرة:

ـ من الذي جاء؟ أهو صاحب الوسوسة الخفيفة؟ أهو العائد من حلبجه؟

ـ لقد جاء أوركيش الإبن.

تلال موزان، تضم قبوراً: بضعة قبور. في الجهة الجنوبية الغربية، على روح القرية، يرقد موتى التل، وهم يختلسون النظر إلى أجدادهم اللقى التوريات المدهشة.

كانت البئر التي سقت عطش الموتى قد جفت في مقبرة عامودا، كانت البئر تمتحن نهار ذلك اليوم شحوب موت جديد، وندم موت جديد، وامتحان جديد بين ملاكين من ملائكة السماء: تنزل من أعاليهما إلى روح الميت. أين قبر درسم؟

***

وُلد دِرسِمْ في القامشلي، ومات في غوتنبورغ، المدينة البحرية التي هاجر منها مليونٌ من الفقراء السويديين في غّرة القرن الفَكِه إلى أمريكا، مات دِرسِمْ ولما يكملِ العشرين عاماً، هاجر وهو في العاشرة من عمره، ووضع رأسه على حجره الذابل بعد حوالي عشر سنوات. الحجرُ الذي انتقل معه إلى مقبرة عامودا القاحلة، مرافقاً بجروح عميقة في رئتيه: نوبة الربو القاضية، ضربةٌ مستحكمةٌ من رمي غبار الطلع الظالم، دفعه ليقذفَ دمَ قلبه من أنفه، وفمه، وقطرتان اثنتان فقط تفجرتا من إذنه اليمنى، فاخترقتا المطرقةَ، وغشاء الطبل، وتساقطتا على مخدة المستشفى البيضاء. نفسها المخدة التي أسندتُ رأسي عليها ذات يوم، وأنا دائخ، وغائمٌ في بَنْج العمليات، وقَلَقِ الشفرات الطبية الحاذقة، لإجراء عملية في الأذن. لكنّ أذنَ الميت حياديةٌ، ولا تسمع أبداً سوى: القامشلي.


دِرسِمْ كمو

ـ دِرسِمْ، سنأخذك في تابوت إلى القامشلي

في حركة الموت، ينبت الريحانُ، النعناعُ، الفضةُ، الكََرَنْكْ، التُولِكْ، القِنيبرْ، البقدونسُ، الثومُ، اللبلابُ، الخسُّ المحـرّم، وردةُ العرب، زهرةُ جكرخوين، أشواكُ بكّو عَّوان، خصيتا القطّ، الجُلّنار، بَرْبَارْ، دوبلان، حَسْحَْسْوكْ، وقرون الشُُوُقِلْ الخضراء، الخضراء، لكن دِرْسِمْ كان أصفرَ وشاحباً، فتهادى في تابوته من غوتنبورغ إلى القامشلي، ومنها إلى عامودا، حيث هَمَدَ إلى جانب أمه، في الجهة الشرقية، من مقبرة عامودا: كتوماً، ومخضـرّاً قليلاً، مع أسود ياقة قميصه، متشبهاً بتمثال سينما عامودا الذي يتصاعدُ منه الدخان الآن. تمثالٌ منسيٌ، وأعزلُ، يراقب: المارةَ، منزلَ عِزّو مَعْكو، منارةَ الجامع، التوربيدو الذي احترق في سجن الحسكة، جيبَ بسم الله الذي مات، الغباَر، السياجَ، صوتَ آذان عبد القادر قبالاتي، الأصدقاءَ الذين هاجروا إلى أوربا. التمثالُ الكئيبُ، الكئيبُ جداً، فلا يتذكره أحدٌ، سوى تلك المرأة، التي فارتْ كدخّان من ذاكرة عام1970، وأصبحتْ الآن عجوزاً، متجعّدةً، ومتحسرةً على جارها ميرحاج، الكرديُّ من مهاباد، الأشقرُ، الخياط، المجيدُ، في شارع الفاتورة، الشارع السري في وجدان حجّي صبري، ونحاسه الشاذ، النحاس الأبدي ممزوجاً مع الحديد، ليتشّكلَ برونزُ غوتنبورغ البحريُّ، حيث تمدد فيها دِرسِمْ، وتمددتْ امرأة النحاس، وهي في انتظار عودة أبنائها، الذين اختنقوا في  الغازِ، والخردل، والنسيان، والهجران، أو هربوا من حبر السيد الكبير، صاحب موتورات الخشب في حماه. أو ذابوا برقتهم في الوجد، فشردوا، وتشردوا.

نقطتان من الدم الطازج، الحارّ، الشفيع، المسكوب على مخدةٍ مجهولةٍ في القسم المخصص للموتى، في مشفى Sahlgrenska القسم الأكثر رائحة في اليود والمعقمات، وصابون الشيخ الصومالي رشيد، الذي تأخر إلى اليوم التالي، ليغسلَ النقطتين الذابلتين، اللتين سالتا على مخدة كرديٍّ ميت من حبِر السيدِ، إلى حبري، وأنا أتذكر تمثال عامودا، فأسأل:

ـ ما عدد الأطفال في هذا النصب البرونزي، الذين يحملون علماً، غير علم كردستان،  ويتصاعد منهم الدخّانُ على الدوام؟؟.

 

غوتنبورغ،2000  

***

تل شرمولا، يقف مثل أسطورة، تلفه أكياس النايلون السوداء، ويغمره نباح بضعة جراء، يغمره الفوضى والنسيان والألم. تل يكتنز رائحة زهر الزيزفون قبل عقدين من زمن الغريب في مدينته الغريبة. زمن الغريبة في مدائحي.

***

عامودا تل أيضاً، انحدرت ـ المدينة من تل الكمالية، إلى طبع السهل المرن في القمح والشعير والزؤان واستقراء العدس ـ الشوربة، انحدرت عامودا من روحي إلى خيال، سري كاني، في اليوم الثاني من العيد، نذهب إليها، تتحكمنا أقدار باصات صغيرة تمرق مثل ألف شيطان، من عامودا ـ الدرباسية (المدينة الغافلة على موتاها منذ حريق أبنائها في سجن الحسكة)، مدينة لم تتغير أبداً، هي نفسها الصغيرة الملولة المستحوذة على بضعة أشبار قريبة من أسلاك الترك وآفة الترك ومحارس الترك، وجنود الترك الذي يحرسون خيال دجاجات الدرباسية وذرق هذه الدجاجات على خوذات هؤلاء الحراس.

موتوسيكلات الله أجمعين في سري كاني، وحل الله أجمعين في شوارع سري كاني، لغة بدوية مارقة في سري كاني، فوضى السماء والأرض هناك، شوارع بأبواق الموتوسيكلات الشيطانية المراهقة في شوارعها؛ زعيق يقتل روحي على الدراجات النارية: واحدة واحدة، تخفق عجلاتها بالقتل والأغاني الطائشة السوداء لمطربين ومطربات بدويات، ينحنين بآفة شحومهن واكتناز صدورهن على أغانيهن القبيحة، تنبع أصواتهن من الموتسيكلات الكراهية في سريي كاني.

أزقة العيد في ثاني يوم العيد الصغير هي متاعنا: متاع أمي بدرية وإبن عمي عبدالمقصد، ندخل إلى بيت أختي الصغيرة وداد، بيت هدوء ورحمة مثل بحيرة هادئة، تنساب فيها ثلاث بطات بنعمة الذكاء، بطات ثلاث أولاد أختي الصغيرة. طلاب مجتهدون في علوم مدارسهم الكليمة، وفي علوم الفقر الكليم، ذكاء خارق أراه على عيونهم البارقة لخالهم البعيد؛ ثمت شجيرة من الياسيمن كانت تنمو وتتسلق روحي آنذاك، شجيرة من نعمة إلهية، شجيرة الذكاء.

في طهو عجول، على نار عجولة، سآلتقي بالشاعرة ديلان شوقي، في بيت أختي الثانية الكبرى: صفية، الأخت اللاذعة في تعليقاتها اللاذعة، الأخت الأم التي تسربت من روحها مجابهات الغياب على صيغة بكاء شجن كوردي أصيل، صباح اليوم التالي، وأنا أقول لها ربما لن نلتقي مرة ثانية، أرى في وجنتيها غيابي. أرى التقارير الكريهة مثل وحل سريي كاني. وموتوسيكلات سري كانيي وينابيع سري كاني الجافة القحط الخراب. أرى غياب زوجها إبن الملا السياسي، الذي رمت به مقادير المناشير الليلية طولاً وعرضاً على أبواب الجزيرة الكوردية وحوانيتها وأنبيائها ووحلها وعرفانها وخطوط نزيف أبنائها على مرآة حوش بيت أختي؛ أرى زوجها في بدايات التسعينات معتقلاً في صيدنايا لسنوات ـ السجن البعثي الحرير، حرير يندلق على أطفاله، الأب الضاحك المستعصي والمتصوف! لم أسمع إلى تصوفه السياسي؛ سمعتُ وجيب قلبه الخافق في شجن ذلك المساء الممتلىء بنعمة العيد الصغير في يومه الثاني؛ في مسائه  المدوّخ من الزائرين، يملأون باحة الدار وقلب الدار وشجيرة الدار: آدميون رهيفون يطوقهم الخال ـ الشرودَ بالشرودِ، ويطوقون الخال بمصكوكات منقوشة على مساء قلق وكثير على الخال. ضيوف الله في لامدينة الله، سري كاني. ضيوف.. آفة زوج أختي المعتقل قبل بضعة أشبار من السنوات في أشبار صيدنايا الحرير الخشن مثل نسّاخ خشن يدون بحبر خشن تقريراً خشناً. الأجانب ومكتومو القيد. كنت أتساءل: هل لازال سيدي محمد طلب هلال حياً؟ هو ليس سيدي، هو قصاب، هو ذبّاح لروح الكورد المذجونة في سجلات مذبوحة بقلم العروبة القوية ـ من صدام حسين، إلى شرفاء صدام حسين وكوبانات صدام حسين وشعراء صدام حسين وقمل صدام حسين، عاش صدام.. عاش عاش... بعثيون يرددون في خفاء عروبتهم: عاش عاش؛ وصدام يُسحب من جحره إلى صالونه القديم: وهو مقيد مشوش؛ ماذا فعل صدام بالأمة العربية الكبيرة من توجان الفيصل المناضلة إلى عبدالباري عطوان المناضل، إلى الصغار المناضلين في صفوف مؤسسات الحبوب في عامودا. إلى حشود غفيرة لتواقيع غفيرة ترفض التدخل الأمريكي. وماذا تريد إذن..؟ ماذا يريد الرعاع، الجمهور الغفير من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر؟؟ ماذا يريد صديقي سعدي يوسف في جريد القدس العربي، التي طردت صديقي جميل حتمل ـ مراسلها في باريس، في ذروة أزمة قلبه التي طوحت به إلى الموت؟.

***

في عفرين، في مقهى قريب من عفرين، كنا وآخين ندون برد الأوراق وزمهرير الأوراق وتفاهة الأوراق، في مقهى مشحون بشتاء وزيتون وطهرانية؛ يأتي صبيّان إلينا، صبيان مثل زهرتين من زهور كفر جنة في صباح مشرق؛ يحملان علبتين من السكاكر، يستضيفاننا، فنتساءل سوياً وبصوتين من حراثة الرسوم ـ أشجار الزيتون:

ـ لِمَ السكر؟

ـ لقد أخذوه من جحره، وهو يتأمل قمله. يتضاحك الصبيان الكرديان على الزعيم القاتل، النقاش القاتل؛ تبكي حَلا ، إبنته، وتقول لقد اشتقتُ لك بابا! وبابا يدخل بهو قصره مذهولاً مقيدا، خياله خيال القمل آنذاك.

***

ديلان شوقي شاعرة قلقة أبداً، سيمتلىء بيت أختي بالضيوف الكثيرين علي وعلى اليوم الثاني من العيد، ضيوف الله على قلبي العاشق، سأسمع زكريا عبدالله وهو يغني مثلما غنى له لقمان ديركي في الشام لـ آخين ولي، هل كان لقمان يغني لنفسه؟ نعم. كان يغني له فقط. ذلك المساء ـ الحيلة.

ديلان شوقي شاعرة حقيقية، شاعرة من تفصيلة ابتسامتها الموشاة بمخمل الانكسار، إلى مخمل الكتابة بالكردية في قساوة الكتابة بالكردية في قساوة النشر؛ لكن الأكثر في قساوة الفقر. في قساوة  النزوح من سري كانيي إلى الشآم؛ أساءلها ألم تذهبي إلى مهرجان كوردي خارج القطر السوري السعيد؟؛ أساءلها بلغة الجهل: مثلاً مهرجان دياربكر الكبير، فتجيب بحسم: لا. لماذا؟ أعيد سؤالي. لست من الوسط الثقافي الحرير. ثمت مهرجان كبير في دياربكر تداعى إليه أنصاف كتاب وأرباع كتاب، ولا كتاب كورد، تداعت إليه إيديولوجية الخطاب في شجن غير خطاب، في مدينة كوردية كبيرة ثقيلة قتالة مثل دياربكر، ذهب إليه الكثر الذين في طغيان الركاكة، مهرجان مطهو بعجلة أرواح غير مطهوة.

ديلان شوقي شاعرة. شاعرة مكتومة القيد. في سجلات محمد طلب هلال، وفي سجلات مهرجانات الأكراد الكبيرة المبعثرة من دياربكر إلى سري كاني، إلى مهرجانات الشعر الكوردي المشطورة مثل قثاء بين عفرين والقامشلي، وربما إلى غوتنبورغ.

أين الثقافة الكردية؟ يقول ابن خالتي لي، يهمس لي بخوف: أنا إبن بدرية. وبدرية هي أمي، وبدرية هي خالته. أداريه: نعم هي أمك أمي.... وحل في الطريق إلى بيت أختي صفية. وحل آخر الليل العصبي على دجاجة الجيران تسقط من الجدار، وهي تستمع إلى زكريا عبدالله، على شجيرة زيتون قزمة في بيت أختي. نوم قلق في بيت قلق، في شواء قلق، في خال قلق يغفو، فيحلم أن أمه بعيدة عنه، يجفل في حلمه، فيقوم، يتأمل الغرفة، فيرى أمه نائمة، تحلم بغريبها المسافر، وهو يدثرها ببطانية من ريش البط الاسكندنافي الدافىء. دفء يتسرب إلى روحي، وأنا أحضن ديلان الشاعرة، أودعها لنلتقي في الشآم، قبل نزيفي الثالث من عامودا إلى السويد. وسنلتقي في الشآم.

***

في الفجر أستنهض همة اللصوص، لأتسلل من حجرة النوم، إلى فضاء حوش صفية: الدجاجة الرسولة من الجيران تبيض تحت شجيرة الزيتون، أطهو قهوة، وأشم منها طباع السائقين العجولين من سريي كانيي إلى عامودا، ثمت في عامودا يشدو شعراء مستقدمون من أماكن أخرى، في المركز الثقافي العربي المتحد. شعراء يقرأون شعرهم لأكراد يجيدون لغتهم أكثر منهم.

فيللات من حجر الله الباذخ، أرى روحي على حجرها اللامع، لموظف مدير. راتبه راتبٌ عويلٌ؛ لكن يرتع في مراعي الجزيرة الكردية مثل ألف بقرة، يأكل القمح والشعير والعدس والشوفان وصوف النعاج وحليب النعاج وأمهات النعاج والديكة الطائشة بين قرى الأكراد من سري كانيي إلى ديريك.

ـ لقد جفت ينابيع سريي كاني كلها. سري كاني تجف أيضاً، مثل عامودا.

اعطني سيجارة. يقول فاروق، وهو يشطح لي في عودتنا إلى عامودا. رذاذ من عشب أزرق، سيأتي دهاقنة الصيف، سيجمعون الأرض شبراً شبراً، سيذبحون أرض الكورد شبراً شبراً من خصوبتها؟ أراضيهم بنعمة الخصوية، تذهب بنعمة الاشتراكية المشوهة إلى غرباء.

تلال مركونة على جانبي الطرقات في الجزيرة، تلال تنزف السيرة الغامضة لتاريخها المسروق: لقى وخرز وبناء وممالك وأميرات وأسلاف للكورد وقلادات ومصكوكات وسيوف وخناجر وجنود وشعراء وخيال ومسالك ومقادير وتوابل ودفقة من مني قديم: رعشة قبل ألف ألف سنة، أبواق حسابات، غزلان ممزقة بحجر الصوان، أصوات مبحوحة بلغة مبحوحة، ألوان، قدرات مهرة في أخلاط البرونز، برونز مسروق، عقيق، أختام أختام أختام دائرية الشكل من الحجر مثقوبة، أختام أوركيش ترقد مطمئنة أسفل هذه التلال، تنام مطمئنة قبل ثلاثة آلاف من الزمن، لتستيقظ، لتكون في جهالة السرقة. أي أثر سيتركه لي فاروق إبن خالتي؟. أقول له اجلب لي فص خاتم من هذه التلال. يرد علي بعصبية: التلال أيضاً تجف مثل جلود العجول المعروضة لشمس عامودا. العجول قرابين الله الذبيحة.

***

كان الشيخ يفرد لي كتاباً قديما، غلافه غلاف جلد غزال شرود، وأوراقه أوراق الريحان، ومتنه متن الأبدية. كان قرآنا متوارثاً من جدي: شيخ محمدي موزا. القرآن القديم في بيتنا القديم، ألق القديم من الجد، إلى الحفيد الغريب. الألق الذي سيتحول إلى مسالك العلوم والطمأنينة عند صاحب عامودا: سيدي الملا سعدالدين. لم أزره أبداً، وبقيتُ في ندم ذلك. كنتُ عجولا مثل عجل عجول، ومابين بيت الشيخ وبيته مائة ذراع. لم أزره؛ كنتُ في الارباك ـ طباعي، وأنا أبوس يده، فيسحبها، ثم أقبله، فتتبارك لحيتي بلحيته الصهباء مثل فجر حليب مقدس، في سري كاني، وأنا أستيقظ وتحت لساني مذاق آخين ولات. وبين جوانحي تخفق مرآة نوروز: لقد اشتقت لك بابا.

تدب ابنة أختي مثل كرة من الشجن، إلي، تدب إبنة أختي الثانية مثل كرة ثانية من الشجن إلي، تتسللان من أميهما إلى الحوش الصباحي، وأنا فوق السطح أراقب المدينة المثلومة الجافة، وأسمع هدير موتوسيكلات تافهة في الصباح، تأتي الصغيرتان إلي، تتنافسان على الكمنجات البرتقالية المرمية على طفولتهن البراءة، تتنافسان على الدجاجة الساهية من حائط الجيران، إلى باحة بيت أختي، الدجاجة التي دخلت المطبخ وهي تقوقىء، وكأنها ستبيض بيضة ذهباً، إلفة المكان، أحمل الدجاجة وأرميها إلى قنها في بيت الجيران، تنظر إليّ، وتتضاحك لي، ثم تذرق. ثم تغيب الدجاجة في صباح سري كانيي. دجاجة بلون الكمنجات. دجاجة الله في بيت أختي.

ـ أحب دجاجتي هذه. بحركة عصبية في الظهيرة، يخرج كل شيء من جيوبه الكثيرة، مائة جيب. أقول له وهل أنت ديك؟، يغمض عينيه، ويرد علي: أنت مثلي شيطان ياابن خالتي. أنا لستُ ديكاً، أنا مدير المصرف الزراعي.

ترف سأعيشه، ترف الغريب في شوارع عامودا. مثل زنبور لدغه الخريف، فداخ، فتشوش، أريد أن أذهب إلى طفولتي في عامودا، وصبابتي، ومراهقتي، أتقصد المرور في شارع ما، عشت فيه تفتح الذكورة، بين هواء ملهم على سطح الدار آنذاك، أبصرها، بل أبصر خيالها القديم، وهي تهف. أرمي بخيالي على إبن عمتي المتوفاة سهيلة.

كنتُ أعمى في عامودا.

كنتُ في ترفٍ الوحل الذي أحبه، يطال الوحل، اشارات الوحل إلى بنطالي الجينز، وإلى بنطالي المخمل البني، فأفرح بهذا الوحل المبارك، هو تكويني البدائي (البدايات)، البدء الذي انهار في وطأة الفقر والتقارير، الناسخ المنسوخ من سيرة لم أستطع أن أتممها آنذاك، سيرة الرهافة المستحوذة على الحب والفقر.

كنتُ في ترف الغريب، وكليم الغريب: أن أتيه في مدينة صغيرة، هي مدينتي:

يونس الحكيم، جميل داري، عبدالباسط سيدا، عبدالرحمن عفيف، رديني إسماعيل، فريد ملا، ديدار عبدالقادر، محمدنور الحسيني، معصوم كوسا، علاء الدين أحمد، عبدالقادر محمد، طراد خليل، أحمد حسو، بشار العيسى، سليم بركات، مروان عثمان: المعتقل آنذاك، وليد شويش، زيزو ـ الذي استشهد في بيروت في الاجتياح ـ، عبدالقادر موسى، أحمد عمر، لقمان ديركي، زهير شانباز، سعيد ريزاني، عبدالسلام نعمان، أحمد عمر، ملا محمد سليم الضرير ـ الذي توفي منذ شهر، تنكزار ماريني، هوشنك بروكا، سليمي بيجوك، باقي حسيني، مرفان كلش، رحيمو، خلات أحمد، رشيد حسو، حسين بن حمزة، كجا كرد، آزاد ديركي: الذي استشهد في كوردستان، قبل سنوات، محمد ملا أحمد، سامي ملا نامي، جكرخوين: الذي مات منفياً في ستوكهولم، ودفن في حوش منزله القديم في قامشلو، سحر سليمان، مزكين كمو، لقمان ديركي، محمد عبدو نجاري، عمر حمدي (مالفا)، عزيز خمجفين، جنكو عثمان، خوشناف، زهير حسيب، رشيد حسو، ديلان شوقي، خليل عبدالقادر، طه خليل، عمر حسيب: المتوفي في حادث سير، فؤاد كمو، فاروق إسماعيل، جانا سيدا، برهان الحسيني، سعيد كاباري، صلاح أوسي، جان دوست، مروان علي، عبدالرحمن دريعي: المتوفي وصاحب شجن النايات، والمعلم الأول في الرسم في الجزيرة، قادو شيرين، كاميران حرسان، جوان شيخو: القتيل في الامارات، الموسيقي الطائش، عبدالحكيم الحسيني، أحمد الحسيني، بافي نازي، عبدالحليم يوسف، وأنا بأقداري العمياء ـ الغيابِ؛ رمت بهم الأقدار العماء إلى خارج بلداتهم وقراهم وكُوَرهم، من الجزيرة الكوردية إلى نزيف الغياب. أنا الغريب الكليم في عامودا. ذلك الليل المتأخر، أنزف روحي آخر الليل من بيت عبدالمقصد، إلى بيت الشيخ، أتجنب المرور بالقرب من أضواء كاشفة لئيمة، فأسقط في حفريات رئيس البلدية، حفريات كريمة. حفريات لئيمة. لغريب مثلي.

لم أكن غريباً. كنتُ أخاف منها فقط. أخاف من المركز الثقافي العربي المتحد في عامودا وفي القامشلي، وفي سري كانيي، وفي الدرباسية، وفي الحسكة، وفي ديريك وفي أحلامي، ببنائه الخاوي اللئيم. جميع مدراء المراكز الثقافية العربية المتحدة، أمراء وقادة على أميتهم الثقافية الجميلة، البهية، العذبة، الرقيقة، الشفيفة!. هل أقامت هذه المراكز الثقافية العربية المتحدة، مثلاً ندوة ما عن هذه الأسماء الغياب، لواحد فقط؟! وكلها أسماء لفنانين وشعراء وموسقيين ومجانين مبدعين. عويلهم هو عويل ابن خالتي فاروق، يغني لي أيضاً: آكر كه تي دلي من Agir ketye dile min ، يخرج من جيب سترته الخضراء صورة جماعية لكل هذه الأسماء ـ الغياب، على كري موزا، يتوسطنا الملك أوركيش، والملكة نفرتيتي. ونحن نحتضن بعضنا البعض بفتوة؛ صورة فتنة على كري موزا. ثمت في الأسفل دجاجة طائشة، تنقر إبهام الرجل اليمنى لنفرتيتي. يقول فاروق:
ـ هذه ليست دجاجة، بل ديك، وهو أنا هذا الديك.
فتنة صورة، ترف صورة. حلم صورة. ذبح صورة.



تنشر بالاتفاق مع التآخي

 

 

 

 

 خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002