Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ملف خاص


 

دلور ميقري

دمشق، قامشلو، وربيعٌ آخرُ..

 

1

لن يأتيكَ الربيعُ، يختالُ ضاحكاً..، سيتضرَّجُ منه النوروز، أوانَ الزَّهرِ، بدم قومكَ على مذبح آذار الانقلابيّ، العروبيّ...، ستعصف ريحُ الحقد بالورود الزاهية الألوان ـ ريحٌ  أَحَديّةٌ لا فضاءَ لديها إلاّ لونها الأسود ـ تبتهها كخَطْفِ مناجلَ وتُخلّفها كدَرْسِ رمال.

ياغريباً ففدَيتُ تباريحَ أشجانه: أفي كل دورةٍ من الزمان لنا موعدٌ مع آذارٍ قاتلٍ، يجتمع في كل جارحةٍ منه دمُ الكرد ـ آذارٌ كابوسٌ، تهيم في دجاه الخُطى الخفيّةُ لأطياف ضحاياهم..؟

أين منّا، إذاً، طريقٌ يقينٌ إلى أَلَقِِ المعيّة الغابرة لأترابنا، رفقتنا، أخوتنا، بيوتنا، جنائننا، أزقتنا، جبلنا، نهرنا، غوطتنا، تربتنا، كي نُردد مع صوفيّنا الدمشقيّ "العفيف"، الموسوم بإسمه الحيّ المجاور لحيّنا الكرديّ: "يابائعَ الموتِ مُشتريه أنا...".


مقام الشيخ "العفيف"، الصوفي الدمشقي، في حي الأكراد

2

هي ذي مثابةٌ آذاريّة أخرى..

ليس لنا أن نسلو فيها، بطبيعة الحال، وضعَ الإسم في عين المسمّى: نوروز دمشق ـ 1986؛ ربيع القامشلي ـ 2004؛ لشقيقتيْن مولودتيْن من رحم واحد؛ تَقَادَمَ عهدُهُ الأسطوريّ، وفَرُطَ قرْبُهُ الزمنيّ بفاصل يُطابقُ الثمانية عشر عاماً؛ بينهما ماكان ثمّة مجازٌ أو حجابٌ، اللهمّ إلاّ الحضور الغائب للشقيقة "حلبجة" ذات الربيع السادس عشر من جرحها المفتوح.

3

نوروزُ دمشق، إذاً..

فجرٌ غامض أستعيدُه، نوعاً، مغسولاً بالندى ومضمّخاً بفوحٍ أليفٍ ليقظة جنينة الدار الكسلى؛ أصواتُ طبل وزرناية، تتحدر من الجبل الأكثر حيويّة؛ يرمشُ على عين مغارته السوداء أهدابَ شمسٍ صديقة ـ أصواتٌ تصدى بإيقاعٍ معيّد ولحنٍ شجنيّ، كأنما تقول لك: "ذُبْ طرباً، غِبْ سُكْراً..!".

هاهي جادّة أسد الدين شيركو، ترتجّ جوانبها بخطى المعيّدين؛ جَمْعٌ لُجَبٌ يموج بألوان شتّى، يتحرك ببطء، نحو صفّ من الحافلات المتناعسة، المتبديّة تحت أَلَقِ الصباح كعقْدٍ نضرٍ، في امتدادها من ساحة شمدين آغا، إلى مشفى ابن نفيس.

بَيْدَ أن عيناً أخرى، أكثر سواداً من الحقد، كانت ترصُدُ الجموعَ المتهيأة لتقلَّ الحافلات التي ستتوجه بهم إلى الغوطة ـ ضاحية دمشق الخضراء، المتحوّلة مساكبها المعدّة للنوروز إلى بركة من المياه إثر فتح السواقي عليها: هكذا ابتدأ الأمنُ حملته على الربيع الكرديّ بمقتضى القرار الفوقيّ: العلي القدير.. لتتدفقَ، من ثمّ على الحيّ سيارات "بيجو ستيشن"، البيضاء، ذات العلامات المرعبة، يندفعُ منها أربابُ القمع مستهلّين مهمّتهم بمصادرة أوراق سائقي الحافلات، ملتفتين بعدئذ نحو الجموع الذاهلة لوقع المفاجأة، بإرهابٍ مُعتادٍ يحاولُ إقرارَهم على الانصياع لذلّ القرار الشوفينيّ بمنع احتفالات النوروز ـ تلك الفسحة الضئيلة من الحرية التي كانت بالكاد مُتاحةً بَعْد لـ كرد سوريّة.

الجموعُ الواجمةُ تفيق رويداً من وَهْلة الصدمة؛ توقظها صيحةٌ كنفير القيامة: "هَرْ بجي نوروز..!"؛ تَمُورُ الجبالُ بصدى هديرٍ يُردد نَواطِقَ كل حرفٍ من تلك الصيحة؛ تعصفُ الحماسةُ حينما انبثقت من بين الجموع قامةُ فتى غُرٍّ، في يده عصا معقودٌ فيها شرائط ملوّنة بألوان علم الكرد، الحميمة؛ يلوّح بها كراية "كاوا" الحدّاد، المخلِّص ـ كبارقٍ خاطفٍ من سيف "فريدون"، زاهقُ الشرّ ودامغُهُ ـ كشارقٍ من نار نوروز، الخالدة.

هي ذي صيحةٌ أخرى، بالعربية هذه المرّة: "إلى القصر الجمهوري ياشباب..!"؛ تُخلّف صمتاً مسكوناً برهبة الفكرة وجرأتها؛ صمتاً مالبث أن توارى إثر إلحاف آخرين بصيحاتٍ مماثلة؛ واتتها الجموعُ بزحفٍ حثيثٍ عبر الشارع الرئيس؛ قِبْلَتُهُ الحَرَمَ المقدّس لصاحب القرار، العليّ القدير.

المسيرةُ تُواصل تقدّمها خلَلَ الصالحيّة، شِبْه المقفرة بحكْم يوم الجمعة ـ يومٌ لاتُرام مُداومتُهُ، ملأَهُ الكردُ بغضبتهم العارمة، مخلّفين الذهول أينما تولّوا وصدىً من هتافهم: "بالروح، بالدّم، نفديك يانوروز..!" ـ هتافٌ يَلْتَبسُ معناهُ على شوام المدينة المتجمهرين بفضولٍ داهشٍ؛ فيظنُّ بعضهم أنّ "نوروز"، ماهو إلا إسمُ زعيم كرديّ ما؛ على العادة التي أصّلها فيهم حكمُ عبادة الفرد، المديد.

طرفةٌ، أو مأساةٌ، تُحيلنا إلى حقيقة تاريخية يجهلها الآن ساكنو العاصمة الأقدم في سجلّ البشر، ويذكرها بالمقابل مؤرخها من القرن التاسع عشر: "ومن أيام التنزّه العموميّة وقت النيروز ويبتدىء في 12 آذار، فيخرج الناس في أيامه باكراً إلى البراري والبساتين ويرجعون بعد الغروب بوقت قصير" ـ من كتاب: الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء، لـ نعمان أفندي قساطلي، طبعة بيروت 1878 ـ هُو إذاً تقليدٌ شعبيٌّ، بدأّهُ ورسّخه السلطان الكرديّ صلاح الدين في الشام ومصر، إلى أن أتى دعاةُ العروبة في ستينات القرن المنصرم، فتمّ إبطاله ثمّ استئصاله من الذاكرة.

4

أكثر من مفارقة شهدها نوروز دمشق؛ منها أنّ أصحاب الجسارة المشهودة، المعرّفين بـ "الزغرتيّة" في التعبير الكردي الشامي، هم من أجّج الغضب والاحتجاج؛ فيما تردد العديدُ من المثقفين والسياسيين وراح بعضهم يُقدّم رجلاً ويؤخّر أخرى، هامساً بضرورات الحكمة والتعقّل وعدم التطرف.. جسارةٌ رجوليّةٌ منزّهةٌ عن الإدّعاء، افتتحت المواجهة قدّام القصر بوابل من الحجارة التي تهاطلت على أفراد الحرس كغيثٍ يُبشّر بموسم الغضب الكرديّ، الآتي.. جسارةُ المرأة الكردية التي تجلَّتْ كخطيبة مفوّهة أو مفاوضة جريئة، مستلهمةً تقاليد بنات قومها في شدائد الأمور.. ولا يُنسى ذلك الموقف المؤثر، حينما تقدّمت الصفوفَ امرأةٌ مسنّةٌ، بزيّها الكرديّ الجميل وبعربيّتها الهجينة، فحاذت حواجز حراس القصر، غير مبالية بالإطلاقات الناريّة الكثيفة، هاتفةً مُجهشةً: "بدنا نوروز.. نوروز!".

5

هو ذا ربيعٌ آخر..

موسمُ الغضب الكرديّ، حلَّ حقاً. ومن غرائب الإتفاق أن يكون "وقت النيروز" الدمشقي في 12 آذار، هو اليوم نفسه الذي ستنطلق منه شرارة ربيع القامشلي.. وأن يكون شهيدُ نوروز دمشق، الفتى سليمان، من مواليد قرية "جرنكي" التابعة لمدينة الكرد؛ مدينة جكرخوين، محمّد شيخو، سليم بركات.. التي أبصرت عيونُ العالم، من خلال انتفاضتها، مأساةَ شعبٍ كاملٍ.. التي كانت ذلكَ الهلال، فنما بدراً كاملاً يضيء الآن ليلَ سورية؛ وكان شهداؤها نجوماً نهتدي بهم في هذا الليل:

أولئك هُمو، طوبى لهُمُ

"وربطنا على قلوبهم إذ قاموا"

للغرباء الشهداء، طوبى

المنازلُ تُرابِطُ، والطّواغيتُ تُطْوى.

السويد

 

 

 

 خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002