Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


سجالات نقدية


 

 
   محمود درويش    سليم بركات    

بين درويش وبركات.. عالم من الإبداع

 

نالين سليمان  

 

عندما قرأت عنوان قصيدة الشاعر الكبير محمود درويش ( ليس للكردي إلا الريح ) والعبارة المكتوبة تحته "إلى سليم بركات" تبادرت إلى ذهني على الفور عبارة ( حوار العمالقة ) لأن كاتب القصيدة والمعني بها هما ببساطة من العمالقة في اللغة، فيكفي أن تقرأ اسمي محمود درويش وسليم بركات في قصيدة واحدة حتى تحبس أنفاسك في انتظار احتفال مهيب للكلمة والسحر، و محمود درويش صاحب اللغة الشعرية والبصمة المتميزة والمعروف بشاعر المقاومة، الشاعر الذي حمل معه قضيته على مدار سنين من الزمن وقاتل من أجلها شعراً ونفياً وكفاحاً، وإذا أراد محمود درويش صاحب الباع الطويل في الثورة والكلم أن يتوجّه إلى شاعر كبير ومبدع مثل سليم بركات، فإن ذلك يفرض عليه استخدام لغة مبدعة تكون على مستوى إبداع سليم بركات... وهذا أمر حتمي...

ومحور الرؤية الشعرية في قصيدة ليس للكردي إلا الريح كما يبدو لنا قائم على رؤية الشاعر لشخص سليم بركات ولكنها  في الواقع تمثل أيضاً رؤيا للكردي المنفي خارج حدود الوطن مجسدة في شخص سليم بركات، والمحور في هذه الرؤية الشعرية المركبة يطرحه الشاعر بإتقان وحرفية بالغة إذ يرسم لنا صوراً فرعية شديدة الالتصاق بالصورة الأصلية ومتناسقة معها لتخدم طرح الرؤية، ويعتمد على أساليب أخرى  كإدخال الحوار في قصيدته، ولعل درويش من أروع من سخّر الحوار في القصائد وأستشهد على ذلك بقصيدته "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" والتي طرح فيها الحوار الصعب مع جندي إسرائيلي واستطاع أن ينتزع الإعجاب وأن تنال قصيدته اهتماماً كبيراً من الشرق والغرب فترجمت هذه القصيدة إلى لغات أخرى، وما أود الإشارة إليه هنا هو قدرته الفائقة في توظيف الحوار في الشعر ونجد ذلك في قصيدته ليس للكردي إلا الريح، كما أنه استخدم فيها الرمز والكلمات السهلة البسيطة المفخخة في نفس الوقت بأكبر المعاني وبأجمل صياغة، وسنأخذ مثلاً البيت الأول من القصيدة والمتكون من  كلمات بسيطة ولكن دلالاتها تحمل الكثير من المعاني، فقد وصف سليم بركات بالكردي ولم يستخدم صفات أخرى له كان يمكن له استخدامها للإشارة إليه، كأن يقول الشاعر أو صديقي أو أي كلمة أخرى تنطبق على بركات ولكنه آثر كلمة الكردي لتكون رمزاً يدل على كونه يرى في شخص سليم بركات الكردي يحمل في نفسه قوميته أكثر من أي شئ آخر، وأيضاً صور لنا خصوصية العلاقة بينه وبين سليم بركات في قوله حين أزوره، أما كلمة يتذكر في بداية القصيدة التي كان يمكن أن تحل محلها أي كلمة أخرى مثل يحلم أو يذكر ولكنه بقوله يتذكر يوضح بأن الغد ليس أمراً كثير الورود في حياة بركات، إنما الحديث عنه يحتاج إلى التذكر وكأن هذا التذكر مشروط بزيارة الشاعر ومع هذا فإنه يبعد الغد عنه بمكنسة الغبار وكأن الغد غبار يحط على دفتر الأيام، ورغم أن محمود درويش يتحدث هنا عن سليم بركات ولكن حديثه هذا ينطبق على كل المنفيين منا سواء كانوا منفيين طوعاً أو قسراً فإن كل واحد منا يهاب الحديث عن الغد المربوط بالخوف فمن فقد ملامسة تراب الوطن فإن غده مسكون بالهواجس، وهكذا نرى كيف أن الشاعر بحديثه عن سليم بركات يتحدث عن الكثيرين منا..

يَتَذكّرُ الكرديُّ، حين أزوره، غَدَهُ...

فيُبٍِْعدُهُ بمُكنسة الغبارِ: إليكَ عنّي!

 وبأبيات أخرى ينقل درويش لنا فلسفة التبسيط عند سليم بركات حين يقول .. فالجبال هي الجبال ويشرب الفودكا أما حين يتحدث عن مفهوم الهوية عند سليم بركات فيقول ..

 هويتي لغتي .. أنا.. وأنا .

 أنا لغتي.. أنا المنفي في لغتي.

ولا يقصد بها الشاعر الهوية القومية حسب اعتقادي وإنما الهوية الشخصية أي التعبير عن شخصية بركات كما أن اللغة لا تعني اللغة التي يكتب بها، بل ما يكتبه سليم بركات من مواضيع وأفكار ومشاعر، ويشير إلى هويته القومية بالبيت الذي يليه..بتجسيد جميل مليء بالمشاعر والإنسانية...

وقلبي جمرة الكردي فوق جباله الزرقاء...

ويروي لنا الشاعر تصوّرات بركات عن مدنه في المنفى وكيف أن كل المدن والأماكن سواء، ولا يأبه بالمكان الذي يحط فيه رحاله ويسكن هناك، وقد يختار حتى الفراغ.. وينام دون أن يحلم بشيء منذ أن بدأ بالكتابة وينقل الفكرة العربية القديمة التي كانت تقول بأن لكل شاعر عظيم جني يخدم شعره وهو إذ يتحدث عن حلول الجن في كتابات بركات فإنه ينقل تأكيده على عظمة كتابات بركات، وبأن كلماته وكتاباته هي قوّته والأداة التي يحقق بها ما يريد دون الحاجة للحلم بتحقيقها، ومن ثم ينقل لنا الشاعر فلسفة سليم بركات للحلم إذ يرى أن الحالم إما موثّق بالأمس أو بالغد أما هو فمرتبط باللحظة الراهنة صفحة يسطر فيها ما يريد فعله...

نيقوسيا هوامِشُ في قصيدته،

ككل مدينةٍ أخرى. على درّاجةٍ

حمل الجهاتِ، وقال: اَسْكُنُ أَينما

وَقَعَتْ بيَ الجهةُ الأخيرة. هكذا

اختار الفراغَ ونام. لم يَحْلُمْ

بشيء مُنْذ حَلَّ الجِنُّ في كلماتِهِ،

[كلماتُهُ عضلاتُهُ.. عضلاتُهُ كلماتُه

فالحالمون يُقَدِّسون الأمس، أَوْ

يَرْشُون بوّابَ الغد الذهبيِّ...

لا غَدَ لي ولا أمس .. الهُنَيْهَةُ

ساحتي البيضاء.../

و يتنقل بنا الشاعر إلى العالم الذي يحيط ببركات ويعيش فيه، فيحدثنا عن نظافة منزله ويصفه بخيمة منسية لسيد القوم المبعثرين كالريش، وعندما يتحدث عن حاجات بيته يصف المخدّات بأنها مطرزة بإبرة خادم قهوة وتخيّلوا معي أي تطريز هذا!!! .. وكتبه غير مهندمة التجليد .. وكيف أن سكاكينه مرصودة لذبح الطير المباح والخنزير المحرم فيقول لنا لا قيود على ما يؤكل..

منزله نظيفٌ مثلُ عَين الديكِ...

منسيٌّ كخيمة سيّد القوم الذين

تبعثروا كالريش. سَجَّادٌ من الصوف

المجَعّد. مُعْجَمٌ مُتآكلٌ. كُتُبٌ مُجَلَّدةٌ

على عَجَلٍ. مخدّاتٌ مطرَّزَةٌ بإِبرة

خادم المقهى. سكاكينٌ مُجَلَّخةٌ لذبح

الطير و الخنزير. قيد للإباحيات.

ويربط بلاغة سليم بركات وكل ما يكتبه بمنزله فيصف باقات من الشوك توازي بلاغته وبأن شرفة بيته مشرّعة للاستعارة،وانظروا معي إلى روعة التوظيف التي سخّر فيها درويش المكان لخدمة فكرة أخرى هي إبداع بركات في اللغة فشرفة بيته وباقات الشوك ولم يقل الورد هي للاستعارة والبلاغة، وينقل ملامح عن كتاباته وكيف أنه يصيغ بها العجائب ويغير أدوار التاريخ بفكاهة أليمة تسلي الشاعر وحتى الجنود الساهرين..والحديث عن بيته صورة فرعية خلقها الشاعر ليؤكّد طرحه..

باقاتٌ من الشوك المُعَادِلِ للبلاغةِ.

شُرْفَةً مفتوحةٌ للاستعارة: هاهنا

يتبادَلُ الأتراك و الإغريقُ أدوارَ

الشتائم. تلك تَسْلِيتَي و تَسْلِيةُ

الجنود الساهرين على حدود فُكاهةٍ

سوداء/

ويعود بنا الشاعر مرة أخرى إلى استثنائية هذا المسافر ويؤكد مرة أخرى على عدم اختلاف الجهات والأماكن عنده، وكيف أنه لا يهتم بتفاصيل يفرضها المكان أو الطبيعة  من حوله، بل  يتحدى الذئب ويدعوه للقتال وهنا رمز آخر يستخدمه درويش ليشير إلى الجبارين والحكام الذين يتوجه إليهم بركات بالتحدي وحتى بالسباب، ويدعوهم إلى قرع الطبول حتى يستيقظ الأموات ( أي أنه سيكتب والجبابرة سيعترضون وسيكون هذا هو القرع ) لأن الكرد يقتربون من نيران الحقيقة ويحترقون بنيرانها، وهنا يطلعنا الشاعر على جرأة بركات وشجاعته وإلى ارتباطها بقوميته وشعبه.. وهذه صورة فرعية أخرى يبدع في الشاعر في رسمها...

ليس مسافراً هذا المسافرُ، كيفما اتَّفَقَ...

الشمالُ هو الجنوبُ، الشرقُ غَرْبٌ

في السراب. ولا حقائبَ للرياحِ،

ولا وظيفةَ للغبارِ. كأنه يُخفي

الحنينَ إلى سواهُ، فلا يغنّي... لا

يُغَني حين يدخُلُ ظِلُّه شَجَرَ الأكاسيا،

او يبلِّلُ شَعرَهُ مَطَرٌ خفيفٌ...

بل يُناجي الذئبَ، يسأَله النزالَ:

تعال يا ابن الكلب نَقْرَعْ طَبْلَ

هذا الليل حتى نوقظ الموتى. فانَّ

الكُرْدَ يقتربون من نار الحقيقة،

ثم يحترقون مثل فراشة الشُّعَراء.../

ولا يبتعد الشاعر عن براعة سليم بركات الأدبية واللغوية ويعود للحديث عنها، وكيف أنه يتحايل على الكلمات ويطوعها كيفما شاء ويضعها أينما أراد، فينتقم بذلك مما مورس ضده في أرض العرب كونه ليس عربياً وكيف كان نصيبه النفي والغياب، وهاهو ينتقم لذلك بإجادته للغتهم وصياغة أفكاره الكردية باللغة العربية، وأنه فعل ما فعل بأخوته وشوى وأحرق قلبه ... وأنه لن يحب الأرض أكثر أو أقل من القصيدة لأن الكردي ليس لديه إلا الريح ليسكنها ما دام بعيداً عن الوطن فيدمن الكردي الريح وينجو معها من قيود الأرض والأشياء لأن المنفي عن أرضه لا يرتبط بأرض أخرى …

يعرفُ ما يريد من المعاني. كُلُّها

عَبَثٌ. وللكلمات حيلَتُها لصيد نقيضها،

عبثاً. يفضّ بكارةَ الكلمات ثم يعيدها

بكراً إلى قاموسه. ويَسُوسُ خَيْلَ

الأبجدية كالخراف إلى مكيدته، ويحلقُ

عانَةَ اللُغةِ: انتقمتُ من الغياب.

فَعَلْتُ ما فعل الضبابُ بأخوتي.

و شَوَيْتُ قلبي كالطريدة. لن أكون

كما أريد. ولن احبَّ الأرض اكثر

أَو أَقلَّ من القصيدة. ليس

للكرديِّ إلا الريح تسكنُهُ و يسكُنُها.

و تُدْمِنُهُ و يُدْمنُها، لينجوَ من

صفات الأرض و الأشياء.../

 

ونلاحظ كيف أن درويش عبّر عن براعة بركات اللغوية بعبارات جريئة وقوية لينقل إلى القارئ العربي قبل الكردي له تصوراً عن تمكن بركات في اللغة فهو الذي يسوس الخيل الأبجدية إلى مكيدته كالخراف وهو الذي يفض بكارة الكلمات ويعيد إليها عذريتها أي أنه يعيد اكتشاف اللغة وعيد صياغتها حسب ما تشاء الإرادة البركاتية..

ويعود بنا الشاعر إلى حديث الكردي الذي يخاطب ابنه المجهول ويصفه بالحر ويوصي إلى هذا الابن المزعوم بأن لا يدفنه حين موته بل  يتركه للريح ..(فالرياح وصية الكردي للكردي في منفاه) ما أجمل هذه العبارة وما أقسى المعاني الحزينة التي تحملها، فالمنفي لا يحبذ فكرة الدفن الأرض الغريبة ويؤثر عليها البقاء للرياح تدفنه على طريقها أو تحمله معها

كان يخاطب المجهولَ: يا ابني الحُرّ!

يا كبش المتاه السرمديّ. إذا رأيتَ

أباك مشنوقاً فلا تُنْزِلْهُ عن حبل

السماء، ولا تُكَفِّنْهُ بقطن نشيدك

الرَّعَوِيِّ. لا تدفنه يا ابني، فالرياحُ

وصيَّةُ الكرديِّ للكرديِّ في منفاهُ

ويكمل معه الوصية بجنازته السرية ويحذره من لدغة الأمل الجريح، وبعدها يحرر ابنه المجهول من القيود واللعنات ...

أنت الآن حُرّ،

 يا ابن نفسِكَ، أنت حُرٌّ

من أبيك و لعنة الأسماء.../

وفي ختام القصيدة يعود الشاعر إلى لغة سليم بركات فيعرض حواراً له مع كردي آخر يخبره فيه سليم بأنه باللغة انتقم من الغياب وهذه الفكرة تحدثنا عنها سابقاً، فيرد عليه الكردي بأنه لن يمضي إلى الصحراء والصحراء رمز العروبة أي أنه لن يصبح عربياً، فيقول بركات ولا أنا وينظر نحو الريح موضع منفاه لأنه منفي فيها ولا يود إلى الصحراء وما فيها، وينهيان الحوار بعبارة ..عمت مساءً..

باللغة انتصَرْتَ على الهُوَيَّةِ،

قُلْتُ للكرديِّ، باللغة انتقمتَ

من الغيابِ

فقال: لن أَمضي إلى الصحراءِ

قُلْتُ: ولا أَنا...

ونظرت نحو الريح/

- عِمْتَ مساء

- عمت مساء!

 وبعد كل التفاصيل التي أوردناه أحب العودة مرة أخرى للإشارة والإشادة باللغة الجميلة التي صيغت بها هذه القصيدة، والروعة التي تكاتفت فيها الصور الشعرية الرئيسية منها والفرعية لتنقل لنا محور الرؤية الشعرية وكيف أن الرمز خدم أهداف واللغة كانت مطواعة بين يديه فنسج بها هذه القصيدة، وباختصار إنها قصيدة رائعة وبديعة قالها مبدع وقيلت في مبدع.

( ليس للكردي إلا الريح )

خاص بـ تيريز. كوم 
17/12/2003

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002