القص


 

 

 

 

جلال سعيد

تهيؤات

 

في مساء مبلل بالغبار، ارتجفت روحه من برد زمن كان قد مضى، وضعه بعطف أم عظيمة في ثنايا لحاف من الدفء، أحسه أرستقراطياً، يتوسد على عرش مثل ملك توجته الأقدار ودعوات القديسين، ينوح بدمع، ويخشى أن يدخل العالم من جديد، يدرك جيداً الرداء الذي يمكن أن يدثر به نفسه، هذا الذي يستطيع أن ينجيه من برد قارس حاك جليده الأصدقا ، أو من حرقة شمس تذكي لهيبها هي.

لكنه، متردد يسأل اللوحة الموجودة على الطاولة المرسومة بإتقان وهي لكاهن: أستبيحك عذراً سيدي، إذ أيقظتك من سباتك؟ هل أستطيع أن أراهن بكل أشيائي في مقامرة من المتوقع أن أكون الرابح فيها؟

فجأة تمتليء الغرفة بالأبخرة، يخرج الكاهن من الصورة محتفظا بكبريائه ووقاره، يصلب نفسه بحركة سريعة ويجيبه:

- على الأغلب أنتم البشر! تستقون الشجون من نبع جميل، أو قد ترتشفونه من سماء مفتوحة بفعل أقاصيص كانت ترويها لكم جداتكم، لكن تبقى كل السفن مترعة على عتبات بؤسك، هذا البؤس الذي يستسيغ آهات تخرج من أودية القلوب.. هذا البؤس الذي يرافق شيب رؤوسكم ويثور كما بركان هائج يترنح على صدى صرخاتكم.

أخذ يفرك عينيه ويضرب بيده على رأسه، لعله يستفيق من ذلك الكابوس، لكن لا جدوى، فالجواب أشعل لفافات الكلام المتخم في رأسه, صار يبكي بحرقة شديدة, التجأ إلى حرارة الشاي الذي كان أمامه، ربما يبعث الدفء المفتقد, تتصاعد الأبخرة في الخارج، تسترق أرق داخله المنهك, يحس حالة اندماج غريب مع الثلج الكثيف, خرج من كان يكلمه من الصورة, هكذا صدق الحدث, دخل عليه من دون استئذان الصليب الذي يشغل مساحة ليست بقليلة من صدره, لحيته الرثة الطويلة تكاد تصل الأرض, تفوح منه طقوس الكنيسة وصلواتها.

قال له، وقد بدت عليه علامات الغضب: لا تخف، سكاكيني لازالت صدئة، لم تبرح غمدها قط، حتى أسناني هذه التي كنت اظنها ترهب الكثيرين غير مشحوذة، محاولاً في الوقت نفسه إظهار أسنانه التي بدت كحبات الأرز بيضاء ومتراصة، وكأنها أسنان طفل في السابعة. وضع يده على كتف "جوان" واستأنف كلامه:

- لاشك أن الساحة ستكون لك هذه المرة، الاستغراب الذي بدأ يلفك ترميه جانباً، اجتزنا نحن وفي هذا القرن عهد التهيؤات, أعترف لك بعدم قدرتي على احتراف الرحيل، لكن الآن لابد منه، مهما كان مخيفاً ومهما زين بجماجم وسواد ودماء. تقدم نحوه وقد وضع يديه في الأكمام الواسعة بعكس بعضها ضاما إياه إلى صدره.

قل لي: هل أنت جاهز مثلي للسفر معاً؟ نظر إليه باستغراب لازال يجهل ما حوله!

***

- إذاً، لا نستطيع أن نتأخر أكثر من ذلك. كثيرة هي الأشياء التي تنتظرنا, وكل مالنا سنتركه لأصدقاء ينهشون فيه بجوع كبير. قال كلامه ذاك وهم بالخروج.

قبّل "جوان" كل ما هو موجود: الطاولة، الصور المعلقة، طفولته المركونة في الزاوية. كان الكاهن مسرعاً جداً، بذل جوان قصارى جهده للحاق به، في خط صاعد إلى السماء المفتوحة، بدا جوان مشدوها وقد اختلطت في مخيلته الحقيقة بالواقع، الألم بالفرحة، الوهن بالارتياح، ظهر أمامه وهو يمضي في ملاحقته بعد فترة وجيزة من المتابعة، قصر محصن ذو أسوار وأضواء خافتة تحيطه، تجعل منه وكأنه مكان مأهول بالأشباح، وضريح أبيض بياض الثلج، الرهبة ملأته، كان يحاول عدم التصديق، يحاول فرك عينيه للاستيقاظ من كابوس، أخرج العرق من أسفل قدميه، أو يد أمه تحاول تهدئته بعد إيقاظه، وبينما كان يحاول الالتفات، بالفعل وضعت يد فوق كتفه, كم أحسها فرحة, لابد أنها أمه, لم يشعر بحنان اليد على كتفه، بقدر ما شعر بثقلها كحجر أو حمل ثقيل, لاح حينها أمام عينيه أشياء كثيرة، الكفن, غسل الأموات, ذلك الشعور الغريب الذي أحرق داخله عندما وقف على قبر عمه ذي السبعة والثلاثين عاماً، الذي مات فجأة في ألمانيا,  أشياء كثيرة، ولسرعة ما، محا من ذاكرته كل تلك التصورات، صوت الرجل الذي قابله أثناء الدخول إلى ذلك المكان وهو  يركض، يذكر أنه طلب منه حينها ثمن الدخول.

قال له: يجب أن تدفع لي هذا الحذاء الذي تنتعله ثمناً وإلا فلا مجال للدخول.

أجاب جوان وقد هاله الطلب وأفزعه: ماذا ؟ حذائي!! وعلى الرغم من ذلك اضطر  لإعطائه الحذاء؟!

قال وقد بدا عليه علامات الاستهجان والغضب: كل هذا الوقت وأنت واقف هنا، ولم تكلف نفسك بعد الانحناء والصلاة تضرعاً!

أجابه جوان وقد بدا عليه الاندهاش: ولماذا الانحناء، هل أفهم من ذلك أنه جزء من الثمن؟ لم يكد ينهي كلامه، حتى تفجر الحارس بالضحك، وكأن مساً من الجنون قد أصابه، حينها ارتعد جوان خوفاً وهو يلتفت يمنة ويسرة، حتى أجابه الحارس قائلاً: أيها المسكين أولا تعلم أنك في قبر للكلمات؟ ألا تعلم أن هذا القبر الذي أنت واقف أمامه هو قبر جدنا الصمت, وحذاري حذاري فالحقيقة قد تمد يدها كي تنتشلك من هنا, والحرب قائمة وكل يبحث عن ضحية، اخرج ياولدي من هنا.. اخرج  قبل أن يحصل لك مكروه, حينها تذكر جوان القديس فقد أضاعه في غمرة انشغاله بالحارس.

همّ جوان بالخروج راكضاً على غير هدى، علّه يدرك القديس والحيرة تلفه في كل بقعة يرتادها، كان الناس في المكان الجديد الذي وصل إليه، في حركة مشي عشوائية دون توقف، والزحمة كبيرة بشكل غير اعتيادي، دون أن يرتطم أحد بالآخر، فقد كانت الأجسام تمر عبر بعضها البعض. وبينما جوان يحاول استيعاب المشهد الغريب، لم يجد نفسه إلا وهو عند حانوت صغير، وبائع تجمع لديه الكثير من المارة على شكل غير منظم، وهناك، وحيث هو في إنهاك وارتباك، ارتطم رأس جوان بسلة كانت موجودة، عندما تقدم ليسأل البائع عن القديس، فإذا بالموجودين كلهم ينهالون عليه بالضرب المبرّح, كم كان خوفه كبيراً أمام ذلك الهجوم المفاجئ! وعلى أيدي أناس غريبي الأطوار, عندما حاول أن يتفقد واحدا تلو الآخر، وهو يتلوى من الضرب ويصرخ ويتضرع، دون أن يلتفت أحد لصراخه أوتضرعاته، وحده البائع أشفق عليه، وأخذه  من يده وأدخله حانوته الصغير، أقنعهم بلغته التي لم يفهمها جوان بأن يتركوه، ثم التفت إلى جوان وسأله، مدركاً الدهشة الممتزجة بالدموع في عينيه: أتدرك حجم العمل الذي قمت به؟

أجابه جوان بالنفي  بإيماءة من رأسه الذي أصبح كالطبل من شدة الضرب.

رد البائع دون استغراب: أدرك ذلك يا ولدي وأخذ يشير بيده إلى تلك السلال.

 ﺇنها سلال تحمل أرواحهم، إنهم يتخلون عنها بمجرد أن يحسوا أن قلوبهم قد اخضرت، وأوشكت على العطاء، وأنت لوثت هذه الأرواح الطاهرة بعد أن أوقعتها. أحس جوان أن الجنون سيقتله عندما أدرك أن البائع لم يكن سوى ذلك القديس الذي كان يلاحقه، عندها لم يجد بداً من الخروج والوقوف مع أولئك الناس حتى يأتيه الدور، فقد أحس أن قلبه ينبض بطريقة غريبة، ويسترسل حرقة في جسده.

قامشلو

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006