الشجن الثقافي الكردي


 

 

 

 

 

طه خليل

 

بالنيابة عن آمد... نحو سليم بركات

العزيز سليم بركات

عندما خرجتَ من القامشلي في اوائل السبعينات، حملتَ معك ـ كما ارى ـ كونا كاملا مكتملا من الذاكرة الكردية التي تمدك لا تزال باوجاعها وحرائقها، وكنتَ الحامل لتلك الذاكرة والمتفهم لخفاياها، وجزئيات تشكلها، في دمشق وعندما وقعت قصائدك باسم الجزيري كنت تحت وطأة حب لم تبرأ منه بعد، وعندما كتبت دينوكا بريفا وديلام وديرانا كنت تعيد حكايا المهجرين من قراهم، وتبحث في رحلة التيه الكردي، التيه الذي طال وسيطول، ولن يجد الكرد (شيندلر) ليدون لهم قوائم ويوصلها فيما بعد الى سبيلبيرغ ليقول لهم في النهاية: اليكم بالجنوب!! لكنك كنت شيندلر(نا) على الدوام، وحسنا فعلت، وليس لابن انثى ان يأتي اليوم ليقول ان سليماً قد تقاعس عن أهله، والصارخون الطارئون والمعلنون انفسهم ابطالا لانتفاضات دموية، انما فضيحتهم في وجودهم وما مآخذهم عليك الا من ايحاءات اسيادهم، اباطرة الدم والزنازين، دعنا منهم، انهم من بقايا البغال المضيئة والتي لم تعد تضيء شيئا.

***

تعرف انني شاركت في الشغل مطولا على ما كتبته من شعر ونثر، وكانت التي اشاركها ذلك الشغل اكاديمية رصينة ودقيقة، وكنت حين اجنح معك كانت تعيدني من قروني الى مسائل اخرى لم تكن في ذهني من قبل، وكانت حين تبالغ في صرامتها كنت اسحبها من جدائلها وادفعها باتجاه المخيلة، وهكذا عملنا لسنوات، حتى اكملنا مسيرة شاقة وعذبة بين كتبك وسيرك وقصائدك، ورسائلك، وما كتب عنك كذلك.

يحق لي الآن ان أقول: انني أعرفك بقدر يجعلني ان اتحدث عنك مطولاً، وألج زوايا تظل للكثيرين غائمة معتمة، او انها من شدة وهجها تعمي اصحاب البصائر الضعيفة.

أعرف كذلك من هي برينا ومن هو الملا بيناف وكرزو وبيكس وكذلك سينم ، واعرف اسراب القطا التي كانت تعبر نحو الجنوب، ولعلي اقتربت كثيرا من الفلكيين في ثلاثاءاتك، او يخال الي ذلك في اضعف الحال، لا أشك البتة ان قصيدة مهاباد هي إحدى قمم الكتابة وكذلك قصيدة الحديد القبرصية، وكتابات أخرى كثيرة.

***

كنت في ديار بكر، لديار بكر مهرجان أدبي سنوي، هناك يلهجون باسمك ولم يقرأوا لك الا نتفا مما ترجمه أصدقاء يحبونك، واطلعت على بعض التراجم تلك، هناك لم أجد شيئا منك، وجدت جلدا متيبسا من كتاباتك، لايصلح الا ليكون قربة لخفق اللبن، هؤلاء اساؤوا اليك (عن حب) وغالبا ما نسيء في حبنا (نحن أحفاد الملا بيناف)، لكن أهالي ديار بكر يحبونك ويحبون اسمك دون ان يعرفوا تماما كيف تكتب، انهم يعرفون انك كاتب كردي مهم، ولكنهم يعطون جوائزهم لاشخاص آخرين، ويجمعون بين شيركو بيكس وآخر يدعى مامد اوزون، شيركو بيكس تعرفه بكل تأكيد، اما اوزون فلأنه يعرف اللعب معهم، وهم طيبون، يعرفون اللعبة لكنهم مرغمون ليقنعوا احفاد اتاتورك ان لهم كتابا يكتبون بلغتهم، وهنا لا علاقة للأمر بنوعية الكتابة او مستواها، شعب كامل ينهض فجأة ليجد ان لديه لغة وهناك من يكتب بها، ولابأس من اوزون مثلا.

سألني الكثيرون عنك، وحكيت لهم، وقرأت ما احتضر في ذهني من شعرك ونثرك بالكردية لهم، وكانوا يهزون رؤوسهم ويتساءلون: لماذا لا يكتب سليم بركات باللغة الكردية؟ ألا يعرفها؟ بلى، كنت أجيب، فمن المعيب ان لا يعرف كاتب مهم وشاعر كبير اللغة الكردية!! قالت عجوز كردية لي  ذات يوم بعد ان عرفت ان ضيفي الاسباني لا يعرف الكردية، وكان طويلا: كل هذا الطول ولا يعرف الكردية، يا له من مسكين!

قراء اللغة الكردية يزدادون يوميا في آمد وما حولها، ومن حق هؤلاء ان يقرأوا ما كتبته عنهم، وما تكتبه.

***

قال لي مقاتل من الكيريلا الكردية: بقي كتاب فقهاء الظلام معي في الجبل تسع سنوات، لم اتخل عنه في اشرس المعارك، وأصعب الظروف، وكان كل اصدقائه يسألونه عن الكتاب الذي يرافقه حتى وهو يتجه الى تنفيذ عملية عسكرية "كنت أحمله معي دوما، وكنت أقول في نفسي اذا ما استشهدت، سيأخذ الجنود الاتراك الكتاب، ولعلهم يترجمونه ليعرفوا لماذا نقاتلهم" كان ذلك قاسيا من صديقي الذي فقد رجله في احدى المعارك، ترك رجله ولم يترك فقهاء الظلام.

انتمي الى الجيل الذي جاء بعدك، كنتُ مع آخرين نناقش كتبك وقصائدك وحبك كذلك: محمد عفيف الحسيني، زردشت محمد، لقمان ديركي، وعبدالمقصد الحسيني، واصبنا بمرض اسمه سليم بركات، لم يشف منه بعضنا الا بشق الكتب، وآخرون لا يزالون يهزلون يوما بعد يوم.

***

أكتب باللغتين العربية والكردية، وما أكتبه بالكرديه كما أراه لا يقل عن كتابتي بالعربية، ورغم ذلك من الصعوبة ان تجد قصائدي الكردية مكانها بين القراء الاكراد كما تجد قصائدي المكتوبة بالعربية، فقط حين أكون هناك في آمد، وفي كل مرة أقول: لن أكتب بعد اليوم الا بالكردية، ولكنني ما ان أعود حتى انسى ما قلته، واستمر باللغتين.

أعرف ان المسألة أصعب من اتخاذ قرار، ولا تأتي الكتابة بقرارات ساخنة على نار المشاعر، وأعرف ان المسألة (على الاقل بالنسبة لي) ليست بأية لغة نكتب، بل هل نكتب بشكل جيد ام لا؟

والآن وقد عدت قبل ايام قليلة من دياربكر او آمد ولا تزال الحرارة تفعل فعلها، أكتب لك هذه الرسالة لأقول لك: انك حدث ثقافي كبير، وبمقدورك ان تعيد ترتيب الكثير مما يتبعثر، هلا كتبت قليلا بالكردية ايضا، انني انقل اليك ما يحلم به عشاق دياربكر هناك، هم ينتظرون ذلك منذ سنوات عديدة.

لن تستطع ترجمة في العالم ان توصلك اليهم كما أنت!!.

قامشلو

 

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006