إعتذار 


 

 

 

 

سليم بركات

إعتذار سوري

 

أعتذر، كسوري، إلى شعب لبنان ـ أنا الذي لاصفة له غير صِفة الألم، السائد بفِقْهه كلَّ فِقْهٍ آخر. كبرتُ في زحام الإنشاء الدموي لـ "الرسالة الخالدة"، موزعةً على طُرق العقل وطُرُق الكلمات. منذ أربعين سنة أتنفَّس الإنشاء ذاته في خطاب الوعد بالحرية الخرابِ، والوحدةِ الخراب، والإشتراكية الخراب، إلاَّ في قسمتها الموقوفة على عائلة الحاكم، في سوريا ـ يوليس التائهة عن شعب سوريا ـ إيثاكا. وكان قَدَر لبنان الجار، بالحساب الذي أنضجه الشقاءُ لأقدار الجغرافيا، أن يشاركني ثلاثين من هذه الأربعين، مُعْتَقَلاً في محنة يعرف السوريُّ كيف تعتصر العظم وتهرِّىءُ الروحَ في خَلِّها.

أعتذر إلى شعب لبنان، الذي ساواه نظام بلدي بي، بتوزيع "عادل" لجرعات الألم، والخوف. أعتذر إلى شعب قُيِّضَ له أن يعيد ترتيب حلمه بالحرية على نحوٍ لم تعرفه طباع العرب. بيد أن نظام بلدي سَلَك بمُبْتَكَر الحرية اللبناني إلى حيلته: ترك لأهل لبنان مرارةَ القراءة في حجر الغيب المعلوم بألسنة المفقودين، والمُخْتَطَفين، والمغدوريْن؛ وألسنة منتظريْ فَقْدٍ، أو اختطافٍ، أو نَسْفٍ.

هي سُنن ابتكار "الشوق الخالد" ـ عن "الرسالة الخالدة" ـ نزوعَ "الحياة" إلى اختزال العقل في صورة مزرعة. وهاهو حاكم المزرعة، في طريقه إلى تحصين العائلة الوارثة الجديدة للسماء والأرض، يوزِّع على أهل لبنان أرقام النكبات محفوظةً في عُهدة المُؤْتَمنين على شأنه الغائب بعد خروجه: سلاح كثيرٌ ـ شهواتٌ إلى استعادة لبنان "معافى" في السُّخرة، مثله مثل أرض سوريا، التي أرهقتها "العافية" في سُخرة الشعار أربعين عاماً؛ شِعار المُنَاضَلة عن حُمى "جَمْع المَزارع" كجمع الفراشات.

لقد روَّع قلبي، كسوريٍّ استنجدَ بتحصيل عِلْمه الغرير في المدرسة، فلم يُنْجَدْ. لُقِّنْتُ أن لواء اسكندرونة فلذة من كبد سوريا، حتى انحلَّت "المزاعمُ" باتفاق حاكم بلدي مع تركيا، ذات الشأن في معاهداتها الأمنية مع إسرائيل، على اعتبار "الشأن الكردي المشبوه" أكثر هولاً من طلب أرض سليبة. وكذا دارت المسألة في أمر "عربستان"، التي أنفقَ السوريون، عَرَباً، وأشوريين، وكلداناً، وأرمنَ، وأكراداً، حركاتِ إعراب كثيرةً على لفظ أسماء عربية أُعيدت إلى أعجمية فارسَ ممنوعةً من الضمِّ، والجرِّ، والنصب. كما طَفَا "خليجُ فارس" عريقاً، من جديد، في تسوية التاريخ بصوغه اعترافاً ضد كتب المدرسة الملفَّقَة عروبةً عن عروبةٍ منكوبةٍ بمَزَارع أعْرابها.

لن "يُعكِّر" نظامُ بلدي مزاجَ تركيا، بعد الآن، بإسكندرونة من "نوافل" الجغرافيا، ولا"مزاج" إيران بأمر الأهواز. لكنه سيُبقي جرحَ الحدود مع لبنان نازفاً، وقد ركن إلى حلفائه يتدبَّرون مقادير النَّزْف بحسب الأحوال.

كان من أقدار سوريا، وأقدار لبنان، أن تتكفَّل شراكةُ "العهد" بين آية الله الفارسي، ورجل البعث العربي، تنظيم كفالةٍ "مثيرة" الخصائص؛ كفالةٍ لَعُوبٍ في "زواج المتعة" بين المتعارِضات والمتنافرات: آيةُ الله يتهوَّل، ويهوِّل، ويستفظع خرائط العرب إنْ حملت إسم "الخليج العربي" سهواً، ورجل البعث يجر معه صخب "أمة عربية واحدة" إلى المنابر، إنَّما متضافريْن، متطابقيْنِ في طباع السياسة الواحدة بقَدَرها الواحد. منذ اختزال الدولة، في سوريا، إلى عائلة علوية، نَحَتِ العائلة، برادعِ الخوف من جسور الرمال مع العراق، إلى الإلتفاف من وراء الجار البعثي الآخر، المُخْتَزِل ـ بدوره ـ الدولةَ إلى عائلة سُنِّية، كي تستحصل سَنداً من دولة الفقيه بإيران. بعثان جرفا الطوائف إلى وعيدٍ أخرسَ ـ جمرٍ تحت رماد العروبة، بالتدبير الشقيِّ لمَلَكة التوريث. أسَّسا لخوف الجماعة القِلَّة. أمعنا تحصيناً لترفِ الخوفِ: "أفْزِعْ تَسُدْ" ـ شعارُ العين الحافظة خزائنَ "البيت" من عيون الكثرة المطحونيْن.

أعتذر إلى لبنان. ترك نظام بلدي لأهله مغاليق المتاهة في خروجه. خرج منه موصِداً عليه بقفل آخر: الجملة السياسية المحطَّمة عن سَبق تصميم، في اللعب بلسان حليفه "القَدريِّ" "حزب الله"، على المواثيق الموكل إليها شأنُ النُّقلة بلبنان إلى "قَدَره الداخلي". تعطيل على مقام التخصيص، وشلل على مقام التعميم، أوجبا تصنيف البلد رهينة بقدرة "حزب الله" على كفالة "العقاب" نيابةً.

"حزب الله" لايُعْقَد له، في شُرعة الإعراب، بحسب سماعي الإسم متداوَلاً، إلا التحوُّط الصارم من الخفْضِ والنصب، بإبقائه مرفوعاً أبداً. خروج على الإعراب معصوم بسلاح كثير، "يكفِّر" خروج اللغة في "النص اللبناني"، على الإنشاء الدموي لـ "عَقْد" المزرعة. صريحاً ذهب أمين الحزب إلى التبشير بالوفاء لنظام بلدي، وأضاف إلى وفائه الوقوف إلى جانب شعب سوريا أيضاً. فلْيُعْفِنا، نحن السوريين، من المُنَاضَلة عن "نعمة" المزرعة، التي نرفل فيها، وليُبْقِ تخصيص وفائه، وآصرةِ مناصرته، على نظام بلدي. يستطيع أمين "حزب الله" العثور، بسَند القانون الإنساني في علاقة الأعداء بالأعداء، على معتقَليه، واستعادة قتلاه. لكن ماذا في استطاعة أمين الحزب أن يخبر أمي العجوز، الكردية، التي تصوم دهرها، وتصلي خمساً، بالعربية، عن ابنين اختفيا في سجون الجار النصير منذ ستٍّ وعشرين سنة، بلا اقتدار على مراجعة شرطيٍّ، أو توكيل قانون شيطانيٍّ، في الاستعلام عن نأمة من خبر؟ أحرية الأرض أكثرُ نبلاً من حرية إنسان؟ أألم أمٍّ في "حزب الله" أكثرُ نبلاً من ألم أمٍّ سورية؟. نعرف، بالجَمال الشفيع لكتابة تاريخٍ راهنٍ، كيف أختُزلت "المقاومة"، و"التحرير" في مِلَّةٍ من مِلَلِ لبنان، ذهاباً بإعراب الهمِّ العربي إلى ضوابط من "عناية" فارس، تُبقي اللغة الوليدة للشريكين المنتظرين هبوبَ الصفقات المُنجية، إلهاماً في صناعة سياسة التعطيل بأرض لبنان. وفي الطريق إلى تثبيت الأمر، "القَدَريِّ"، ستوكَّل متفجرةٌ ركيكة التدبير، عن قصد، بشخصٍ من "حزب الله"، فلايُطاوَل، وأخرى فصيحة التدبير، عن قصدٍ عَرِم، بشخص جبران تويني فيُطاوَل، اجتذاباً لمعايير الأحكام إلى التساوي في "قِسْمة الغدر" بين حليفٍ لحاكم بلدي، ومعترضٍ عليه.

أعتذر كسوري.

أعتذر إلى شعب لبنان بوصفي شقاءَ أملٍ، أو يأساً من مصادفات الجغرافيا.

 

* تنشر بالاتفاق مع ملحق النهار.

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006