الشعر 


 

 

 

 

 

كذال أحمد

نواظير الانوثة

 

الترجمة عن الكردية: عباس البدري

 

سماء أبنوسية،

أرض أشد أبنوسية..

بينهما ممر ناصع البياض مثل خط من الحليب!

اَسراب من الطيور المهاجرة البائسة تعبره

وهي تشيع "مواكب الأعراس"*

فيما الدموع تواسى العيون المبللة!!

في مكان ما من لوحة الكون المتشابكة

ثمة نبع برتقالي غير مرئي يسعل، 

هذه نبوءة جد ملعونة ومقدسة،

نبوءة اللعنة والقداسة،

لمشقة البحث والمطاردة

تقتلع الروح من الجسد

عدمية الوجود.. ووجود العدم 

يفجر الأسئلة في وجه الورد،

وينزل الانسان من سدرة العرش.

الكرة الأرضية الشبيهة برحم الكون

مليئة بالخواء والخطايا البريئة الفاتنة

لا مقبض لبوابة النجاة فيها،

ونوافذ الحرية فيها مقلوعة المقبض!

الكرة الأرضية التي هي اكثر الكواكب عقما

وأشدها خصوبة

مغطاة بأتربة الفناء،

وبالأَرجوان وزنابق الانفلات!

البداية اختلاف...

المنتصف اختلاف...

لكن النهاية انسجام… ذروة الانسجام!

نواظير الناظور

ها ان الحجر يمطر!

كم أشفق على الأَنهار الزجاجية.

فهي لا محالة سوف تتهشم!

عندها تنسحق مرايا الحقيقة

ها ان الدم يمطر!

كم أشفق على الجبال القطنية

فهي لامحالة ستتلاشى،

عندها يخون "الأَحمر" أشقاءه، الأَلوان الأَخرى

لا مناص!

الشعب سيبطش به في النهاية

عقابا لخيانته.

كم أشفق على الحاضر

وأرتعد فزعا من الغد

آهٍ.. كم توجعني خاطرات الماضي!

الحاضر موجع.. كذلك هو الغد والماضي

انا فى خفية من هذه الهواجس الثلاثة

أضيء قبسا من سعادتي

وأرعد بالبكاء.

فيما وراء هذه العوالم الثلاثة،

صبوة صباي تجلس القرفصاء مثل العجائز

وتغزل نسيج الشجون المتشابكة

وأحيانا.. مثل "شيرين"*

أغزل بـ "نول" العشق والفكر والتاريخ الخاوي،

تحت أفياء شلالات أغنياتي

مثل الساحرة، أحيل ألف "وفائي"*

الى سمكات جذلى

وألف قصيدة شعر تصبح دثارا من الطحالب لصخرة قلبي،

أجعل من عصيان المياه نفيرا لنشوب الحرب

ومهرجانا لبهجة السلام.

أعرف أنني أخطأَت

أنا خطيئة... خطيئة كبرى!

شوهت لوحة الطبيعة بمجيئي فى غير موعدي

ذوبت قلب الماء بسحر ومكائد جمالي  

وطغيان فتنتي،

أشعلت النار فى صلابة الحجر

والحرائق فى جبروت  "الآلهة الكهول"!

ثم أحرقت النار بمياه ظنوني ودهريتي

وشكوكي بكل شيء.

ليس ثمة مكان لبقائي

فيما الأمكنة كلها تهب اِجلالا لمجيئي!

ويا لكثرة الأجساد المتهاوية فى زلزلة جرأتي الخارقة

وشجاعتي!

ليس ثمة معبر لعظمتي

فيما الدنيا من بدايتها والى نهايتها،

فيما الأَبطال… والرعاديد، من الأَرضين

والسبع السماوات

وكل ما بين تلك وهذه.. وأولاء.. وهؤلاء

اِستنجدوا بي، ومسحوا دموع أرواحهم بأذيال ثوبي!

أرادوني شهيدة أبدية

وأرادوا لأنفسهم ان يبقوا على وتيرة أكاذيبهم

أولاء.. وهؤلاء "الطرزانات"*

أرادوني خطيئة مقدسة فى مباهج الحياة..

عظيمة جد ضيئلة 

عذراء.. عاهرة

وجودا.. وعدما،

عرشا ملكيا في دخيلة نفسي وخارجها

أَولاء.. وهؤلاء أرادوني فى لحظة الموت أن أكون لنفسي،

وأن يكونوا هم.. لأنفسهم!

***

عاجزة هى اللغة الكوردية المسكينة

أن تصف وحدانية الأنثى، 

وحدانية قاتمة

وحدانية قاتلة لا شبية لها!

نحن.. مشكلتنا رهيبة مع الكلمات

مشكلة معقدة مع الكتابة،

مع الحرف والفارزة وطلاسم بدايات الاَسطر ونهاياتها

ومع النقطة السرابية لنهايات النهاية.

نحن.. لا أرضنا تعرف الكتابة

ولا سماؤنا تعرف القراءة!

فسماؤنا تكتب بجهالة.. وأرضنا تقرأ بجهالة

أهي مصادفة أن نكون سليلي جهالة الجهلاء؟

وأمية كل الأميين؟!

لا..!

ليس شرطا أن تكون مصادفة،

ولكن..!

اِن لم يكن الأمر كذلك ،

فماذا اِذاً!!

نواظير الكذب أو نواظير الوطن

في هذه البقعة النائية من العالم 

في هذه البقعة الخطرة من العالم 

في أرض يسمونها كردستان...

لابحر، لكي يكون تظاهرة للمياه الغزيرة التي فيها

بل فيها محيطات من دم وعظام ودموع.

لافكر.. لا عبقرية.. لا زمن!

هنا يوجد الحلم وسطوة الالهة والاسترخاء الكسول

هنا العشق والكذب وسوء الحظ .

هذه " الوردة الميدية"*.. شوكة ميدية!

قبيل "الأنفالات" وبعدها

قبيل الضربة الكيمياوية وبعدها

قبيل الاحتلال.. وبعد الاحتلال

كانت هي.. هي،

وكذلك ستبقى

معجزة كانت.. وسوف تكون!

مثلما أبيدت "ابادتها"*!!

اَه.. الحقيقة:

هكذا حدث.. ما حدث،

مصير لا أمل له علقني فوق صليب أكذوبة كبرى

اسمها: حب الوطن!

يدا عقاب قاس لـ "سيدة عبقرية"

غربلتني مع التراب.. وعجنتني مع الطين

ووضعتني فوق صخرة من الصوان

ثم خبزتني على نار ملتهبة!

على هذه الشاكلة: أنا اليتيمة، فاقدة الأب،

اِضطجعت فى تابوت الشرق بلا مبالاة

وفي مهد أحلام يقظتي،

أنا اليتيمة، فاقدة الأم،

قهقهت.. حد اِنفجار القهقهات

بكيت.. حد طوفان البكاء،

وناغيت.. حد جنون المناغاة

المرضعات الرؤومات فى الدنيا!!

طفولتي تجيل النظر بين خرائب بلادنا

آهٍ.. أيتها الطفولة!

تقفين على شرفة، التطلع منها يفجر عقلك 

ويقذف به من ثقبي أنفك، لشناعة ما ترين،

وفظاعة ما ترين!

فمن تلك الشرفة ترين "مامه ريشه"*

وقد صار "تحسين شاوه يس"*

و"تحسين شاوه يس"  اَصبح  "مامه ريشه"!

فى تلك الشرفة

كفى.. كفى.. كفى ما رأيت!

يقينا لو رأيت الأكثر، لاَصبت بالعمى

ولأصابك العته والجنون.. يا طفولتي.

آهٍ.. قُتلتُ أنا،

قتلتُ بالوطن!

الصدق قتلني.

فتحدثي يا نواظير الكذب.. تحدثي

كم أنت مدينة لي بالكلمات الصادقة؟!

وأي شيء رأيت عبر نواظير الوطن الملطخة بالدم،

غير الضباب.. ولرؤية المتلاشية؟!

نواظير العشق

من أعالي قمة صحوتي

وحتى آخر نقطة فى سهول غبائي،

تأملوا!

ترونني مليئة بالجرائم مثل الأَطفال،

مليئة بالخطايا مثل الملائكة!

أنا فى وقت واحد:

صاحبة ثلاثة عشاق!

عشاقي ليسوا واحدا.. ليسوا اِثنين،

ثلاثة هم عشاقي 

ثلاث هي عقدي المستعصية!

نرسيس،

تاناتوس،

واِيروس*

حدثتُ نسمة الشمال بهذه الحقيقة

فتحولت بوجهي الى عاصفة

كررتها ثانية للجبل فاهتز مثل الزلزال

وثالثة حين كررتها لدى النهر

حدث الطوفان

ورابعة عنما كررتها لدىَ التاريخ

صفعني!

وعندما كررتها للمرة الخامسة لدى الناس

نصبوا لي صليبا من نار

وسادسة وأخيراً عندما كررتها لدى نفسي،

رأيت نسمة الشمال والجبل والنهر والناس،

يومئون برؤوسهم اِعجابا

ويسبحون بالصلوات لسعة قلبي

وجبروت رجالي!!

ليسوا واحدا.. ولا اِثنين،

ثلاثة هم أولادي!

"نرسيس"..

حبيب أبدي يعصى على النسيان

"تاناتوس"..

زوج اَبدي،

سقف منزل يجمعنا معا

"اِيروس"..

عشق أبدي يمنح معنى لحياتي!

آهٍ يانواظير العشق

كم تبعدين الرؤى القريبة

وكم تقربين الرؤى البيعدة!

نواظير أنوثتي توشك أن تصبح هشيما

وتنسحق كالشظايا!

ذاكرتى تحمل النواظير المقربة،

قاطفة فاكهة شعري التي لم تنضج بعد 

من شجرة الحضارة!

وعلى هذه الشاكل :

يصبح مثواي حيا،

وفنائي حيا،

وفنائي يموت!

 

السماء الشذرية:

"أجل"!*

الأرض الفستقية: "كلاَ"!!

بينهما سحب الأَلوان الممتزجة ببعضها البعض،

أشد شبها بخلاقية مبدعة لفنان مجنون

غائبة فيها حبات أمطار حلم الدنيا

الأمطار الغزيرة لحلم الكرد،

هى وحدها التى فيها!

أما أنا، فلم أعد لابجوار "أجل"،

ولاتحت "كلا"

ولست جالسة فوق الطاقية المستدقة للألوان!

تيقنتُ من سوء حظي

عندما رأيت الشياطين يجهشون بالبكاء لأجلي

وعندما رأيت الأشواك تعقد مشد الرقص لأجلي

وعندما رأيت الأعداء يحبونني!

أنا فى تلك اللحظة.. فى ذات تلك اللحظة

أيقنت ان الدنيا كلها سيئة الحظ ، خائبة الطالع!

عندما يحل الليل

يحمل الجبل ناظور الكبرياء

والنهر ناظور الاستسلام

أما أنا،

فأَعلق فى رقبتي ناظوري العشق والأنوثة

فيما الشعر يحمل ناظور العصيان!

السماء تقول:

نهاية الطيور وحتفها نهاية الطيران.

الارض تقول:

عندما تغيب النواظير تنعدم الرؤية.

أما أنا فاقول:

ها أن يد الحب أصابت منا مقتلا،

وليس يد الحكمة

الأساطير تصقلنا، لاالحقيقة

آه.. الحقيقة!

ان كنت تبغي الحقيقة:

فأنا أشعر انه من هنا تبدأ سيرورة حياتي

وهنا، وليس فى أي مكان آخر

تتلاشى نهايتي!

وعلى هذه الشاكلة:

يصبح مثواي حيا،

وفنائي يموت!!

كوردستان، تموز ـ أب 1993

الحواشي والاشارات:

* في كردستان يفسرون الظاهرة الطبيعية المسماة بالهجرة الجماعية للطيور على انها مشايعة لمواكب الأعراس، أي أن الطيور المهاجرة هى التى تحمل العرائس الى خدورهن.

* وفائى: شاعر كلاسيكى كردي اشتهر برائعته المعروفة (شيرين تغزل)  وشيرين حبيبة الشاعر.

القصيدة ابدعها المغني (مزهر خالقى) بوتيرة غنائية خالدة لدى الكرد.

* الانفالات: عمليات ابادة جماعية قام بها النظام الدكتاتوري العراقي في كردستان، وراح ضحيتها 182000 إنسان وذلك عام 1988 على وجه الخصوص.

* مثلما أُبيدت "ابادتها": أي أن خطة ابادة كردستان هي التي أبيدت بالأنتفاضة الكرستانية عام 1991.

* نرسيس، تاناتوس، ايروس: في الميثولوجيا الاغريقة الاول إله الذات، الثان