اصدارات كردية


 

 

 

 

ماهر شرف الدين

ثادريـميس' لسليم بركات نحت الـحياة المتقـنة

 

إذ تبدأ رواية "ثادريميس" لسليم بركات، الصادرة لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، من فجرها الرابع، فلأنها تنتهي فيه. استهلالها بالموت يبدو أميناً لحكاية فانتازية ترى إلى صراع المعقلين الأخيرين للبشر، ثاروس وهيكو، حول تمثال. هذان المعقلان اللذان يضع كل منهما علومه في عهدة صنعة ما، هيكو في عهدة النحت، وثاروس في عهدة النسج، يقترحان قيام تقابل افتراضي بين سلالتين: سلالة اللحم وسلالة الحجر. بعد ذلك، قيام هذا التقابل بين ذاكرتين: ذاكرة بشرية لا تثق بالمرآة، وذاكرة حجرية تتمثل بيدَي نحات.

بين التمثال والمرآة يستوفي الموت حضوره، وتصبح الآلهة شأناً يومياً، في معنى أنها موقتة مرهونة بمزاجية شخصية. من إلهك اليوم؟ سؤال طالما يتكرر بين شخصيات الرواية، وتتعدد أجوبته:  خاتم، سوق، ماء، جواد، معصرة... هذه الآلهة اليومية، التي يتخذها الناضج في ثاروس شفاعة لأيامه، تبدو بدلاً من ضائع لآلهة دائمة، لولا أن التماثيل التسعة التي نشبت الحرب صراعاً على أحدها أخذت هذا الدور على عاتقها. لذا حاول البعض تعريف التماثيل فقال إنها مخلوقات لا تقطف العنب، ولا تشرب الخمر، ولا تتزوج، ولا تنام... صفات ملائكية في معنى ما. لكن المرجو من كلامنا هذا أن أبطال الرواية إئتمنوا أحد هذه التماثيل على خلودهم: ثادريميس، هو اسم التمثال النحات، وهو امرأة قيل إن الذي تولى صبّها من معدن البرونز لم يجد من يعلّمها شيئاً بسبب طنين لم يبرح أعماق معدنها المجوّف، فانتحر. وأُهمل تمثال المرأة في ساحات هيكو زمناً، لكنهم فوجئوا بها، ذات يوم، تحفر وجه نحاتها المنتحر على حجر. تستدعي قصة تعليم التمثال الإشارة إلى أن لكل تمثال صنعة، أقرب إلى الموهبة، يقوم بها ويمتهنها: لامينا، مخترع السموم وكاشف مستورها في الطعام. سيلوبو، مدرّب النحل على اقتفاء زهر الليل مصدر العسل الأنقى. أهفافا، منشئة التقويم على أربعة عشر شهراً للسنة. نينارديس، البارعة في حفظ التواريخ. نيذريو، الخبير بهيئة البناء الواجب قيامه على أرض في عينها، كي تتجانس الأبعاد المرئية للساكن - جسده، ظله، شهوته... ميديكسا، محصّل البراعات في تدبير الهواجس لمن يكتم أمراً فيه خدعة، حتى يفقد اتزانه فيهذي. سيس، العقل البهلوان في إنشاء المخامر بالإعوال على نسبة الأرواح في أهوية الكهوف والأقبية. روسالو، الحصين المعصوم في تقدير المسافات. إذاً، تسعة تماثيل أحدها ضخم لامرأة من البرونز، واثنان نحاسيان، وستة حجر، في أرض هيكو، تجد قريناتها في حائكات أربع في أرض ثاروس لا يعمدن إلى تلوين الأصواف، قبل غزلها خيوطاً، لأنهن يؤثرن الصوفَ أبيضَ لم يخضع لمساءلة اللون وشهواته، وبذلك يكنّ عادلات في غزله. فلو حدث أن أتاهن الصوف ملوّناً، لأوجبت قلوبهن تفضيل لون على آخر. هو عدل الغَزْل، إذا استنطقنا لغة سليم بركات في هذه الرواية.

الوصف الفسيح

تستدرج لغة الرواية بلاغتها إلى حيث تصبح البلاغة صفة أولى: زيادةً على نصاعة الشعريّ في مجمل أعمال سليم بركات، تبدو اللغة الشعرية هنا أكثر من "مساهَمة" في تحقيق الفانتازي. لغة تستحضر شعريتها حتى في استرخائها: العناوين الداخلية، على سبيل المثال: ولاء اللون، ذبابة الوجود، إلهي أيها السهل... هذه اللغة التي تستغرق الرواية تجعل للمطر ستارته، وللأعماق وحولها، وللتعب رماله، وللحديد المصقول تورياته... أيضاً، عبرها سنجد العشب المدرَّب، ولسان العقل الذي روّضته الخفة، والمشاعل المتقنة نحت الظلال ومحوها... الكلام عن هذه اللغة يستدعي كلاماً آخر عن وصف طويل وفسيح طاول مطارح كثيرة في الرواية. يقول بركات: "أوقدوا ناراً من خشب زيتون ثاروس، ورفعوا فوقها، على شاقولين من الحديد، وعاء اللحم المطبوخ قبلاً في الشحم والملح. أخرجوا خبزاً رقيقاً من اللفائف، وزيتوناً، وكيساً من الزبيب الذهبي لسمر الليل. ربطوا أرسان الجياد والبغل إلى عجلات العربة. سقوها ماءً. أكرموها بزاد من التبن فيه شعير مجروش، وقشر بطيخ مجفف". وفي مكان آخر: "حمل الهواء رائحة العنب المختمر على غصونه في الكروم، إلى أعماق هضبة نين، وأخواتها السبع الأخرى: لقد حلّ الخريف الفاره، منحدراً بأنفاس جبال كوربين ذوات الرئات السوداء، صوب السهول التي طفح فيها الثمر فأُهمل لكثرته فلم يُقطف. انفجرت جنبات العناقيد بمناقير الطير، وتغضّن الجلد على النوى. جاراه ثمر الزيتون أيضاً: اسودّ واحتقن. سقط بعضه من نشوة عصارته الناضجة، بل سقط الكثير الذي يَهَب طيور السمانى شحماً أنيقاً يُثقل طيرانها الأنيق".

 يعرّف سليم بركات شخصيات روايته وأشياءها بعلامة ما، على مثال ما يتم تعريف شخص باسمه: الجواد ذو العينين الخضراوين، العصبي الوجه ذو اللحية الحمراء، ديامين ذو الندبة الطويلة في وجهه... على ذلك لن نعدم وجود تعريفات حسية أخرى، أكثر تحديداً. فالصباح وحده، على سبيل المثال، احتمل التعريفات الآتية: شفيع الغريب، صفاء محادثات الرسل، ثقة اللسان بأحوال كلامه، بزرة الحظوظ، ميزان المستيقظ، رغيف الله... أيضاً، لهذه الرواية حقائقها الخاصة. فالقنّبيط مثلاً يفسد المنيّ، لأن كل الذين حبلت أمهاتهم بهم، بعد جماع أكل فيه الآباء قنبيطاً، صاروا رعاة أوزّ.

أزاميل الصوت

في اليوم الثالث من سبي التماثيل التسعة تحسم ثادريميس التمثال النحات خيارها، فتقرر أن تنحت رسماً لخازن الفؤوس. وحين يجن جنون الولاة، الذين تباروا في الاقتراع على من سيكون الأول في سجلّ ثادريميس الحجري، تفاجئهم بقول لم يخطر في بالهم، ولم يتحوط له خيالهم: "أنا أختار لنحتي من تتطابق صورته مع الصدى، الذي لا يبرح أعماقي المجوفة". إذاً هو الفن من وحي الطنين، حين لا يُنحت الحجر إلا بالصوت، مهما كان مبهماً. "ثادريميس"، رواية تتعثر فيها الحياة بقفف الموت "المعروضة كزنابيل البقالين". ببساطة، لأن أناسها يجيدون صنع النهايات المتقنة، لكنهم لا يصنعون تمثالاً

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006