مواضيع أخرى


 

 

باسم النبريص

أنا وأخوالي الأكراد

 

كان لرواية سليم بركات "فقهاء الظلام", الفضل في تعريفي, ثقافياً, على عوالم أخوالي الأكراد. بعد أن عرفت عنهم, أقل من القليل, إعلامياً ومدرسياً. ففي المدرسة, درسنا عن صلاح الدين الأيوبي, محرر القدس وفاتحها العظيم. لكنهم, هناك, لم يتكلموا عن الفاتح الكردي, بل ركّزوا على دينه الإسلامي. وهكذا لم نعرف, ولم نفهم شيئاً عن إخوتنا وجيراننا الأكراد. أما في الإعلام, فقد كان الموضوع الكردي, غامضاً, وشاحباً, بحيث لا تعرف له رأساً من رِجْليْن!.

ولهذا, عندما ذهبت إلى مربد بغداد, للمرة الأولى عام 98, لم تكن معلوماتي عن هذا الشعب العظيم, أكثر من معلومات جيراني عن اللغة الصينية! إلى أن التقيت في المربد بالعديد من الأدباء الأكراد العراقيين, فلفت نظري, مدى تحضّرهم ورقتهم ورقيّهم في التعامل الإنساني مع الآخرين.

صادقتُ في المربد, صديقين كرديين عزيزين هما صلاح زنكنة القاص, وكولالة نوري الشاعرة. ورغم شحة الوقت المهرجانيّ وزحمته, استطعتُ أن ألمس نبلَ شخصية هذين الأديبين, وتفردَ سيكلوجيتهما, ما جعلهما, كأديبين وشخصين, يمكثان في وعيي, ولا يبرحانه, فيفلتان منه, كما هي العادة, مع مئات الوجوه العابرة في المهرجانات العابرة.

عرفتُ من هذا المربد, أننا, كفلسطينيين وأكراد, نتشارك في همّ تاريخي واحد, وأننا نعاني من ذات الجرح الأبدي: جرح أننا جميعاً, نعيش على ترابنا الوطني والتاريخي, ومع هذا يحكمنا الغزاة والغرباء!.

في المربد أيضاً , سمعتُ من صديقي الراحل, الشاعر النبيل حسين الحسيني, قصصاً وحكايات, عن زيارة سرية له لمنطقة كردستان, في شمال العراق. عاد الرجل بانطباعات وآراء جد إيجابية, عن تجربة الكرد العراقيين في حكم أنفسهم. وعن مدى ما يتمتع به الوضع الثقافي هناك, من امتيازات وحريات, ورقيّ حضاري. فالمثقف الكردي يتمتع بكل ما يتمتع به أي مثقف في بلد أوروبي. وحكومة الإقليم, هناك, تتعامل باحترام مع مثقفيها. وفوق ذلك, توفر لهم كل ما تستطيع من ظروف مؤاتية, لخلق إبداع عفي صحيح, في جو من التعدد واحترام الخلاف وتقديس الحرية. بعيداً عن دكتاتورية المحيط, وفاشية النظام في العاصمة.

رحم الله صديقي الحسيني, فقد أسرَّ لي بأنه كان يتمنى لو يقضي بقية عمره في إقليم كردستان. بين هؤلاء البشر الرائعين, الجبليين, الأشدّاء كالصوّان, ومع ذلك: تجرحهم النسمةُ!.

أحببت الكورد إذاً, من خلال حديث الحسيني عنهم. وأحببتهم أكثر من خلال احتكاكي العابر بهم. أما رواية فقهاء الظلام, هذه الرواية الخالدة في التراث الإنساني, فقد فعلت بي الأفاعيل! حتى أنني, عندما اشتريتها وقرأتها, عام 86, من مكتبة عامة في القدس, عدتُ في الأسبوع الثاني, واشتريت منها ست نسخٍ, كي أهديها إلى الزملاء الأصدقاء, كعادتي مع كل كتاب عظيم.

مرّت الرواية, عن طريقي, إلى أكثر من عشرين قارئاً على الأقل. وأذكر الآن أنني أعرت نسخة منها لعميد إحدى كليات الآداب في إحدى جامعاتنا, عام 87, ففاجأني الرجل, بعد أسبوع, برغبته في شراء عشرات النسخ من الرواية, وتقريرها على الطلاب, في مساق دراسي. قال لي: شكراً أنك عرّفتني على الأكراد وعوالمهم. وشكراً لك أنك عرفتني على أديب عظيم منهم, وعلى عمل أدبي فذ قلما يجود به التاريخ!.

ولهذا السبب, ولعشرات الأسباب الأخرى, أقترح من فوق هذا المنبر الكردي الجميل, أن يُسمّى سليم بركات سفيراً فوق العادة, لإخوتنا الكرد في كل مكان. فالرجل, بشعره ونثره الشاهقين المتفردين, واللذين لا شبيه لهما في العربية إلى الآن, يستحق هذه المكانة الرفيعة, بل وما هو أرفع منها.

لكن من الخطل أن نختصر الأدب الكوردي في سليم بركات وحده. فسليم في النهاية, وبما أنه يكتب بالعربية, محسوب على الأدب العربي لا الكردي. لذلك, أتمنى أن نقرأ الأدب الكردي مترجماً إلى العربية, كما حدث مع الشاعر العظيم شيركو بيكه س وغيره.

إنه من العار, أن تظل علاقاتنا الثقافية مع جيراننا الكورد, كما كانت عليه في السابق: علاقات باهتة شاحبة يحكمها السياسيُّ لا الثقافي. فهذا شعب عريق له مساهمات كبرى في مختلف مناحي النشاط الإنساني. فضلاً عن أنه شعب معذب مجروح تاريخياً, ونحن العرب, ساهمنا وصنعنا الكثير من عذاباته وجراحاته.

لقد آن الأوان للحديث عن "المسكوت عنه" في العلاقة الكوردية العربية. وبما أن الشعوب هي الشعوب, والأنظمة هي الأنظمة, فعلى شعوب المنطقة أن تعيد ما قطعه الديكتاتوريون من علاقات فيما بينها.

لقد ولّى إلى غير رجعة نظام الحكم الفاشي في بغداد. وأنا جد سعيد بذلك. لكن سعادتي لن تكتمل إلا بزوال النظام البعثي الفاشي في دمشق أيضاً. فهذه أنظمة ذلّت شعوبها وأعادتها إلى الوراء, قروناً من الزمن. وعليه, فلا أسف على ذهابها, بل ياليته يحدث اليوم قبل الغد.

أما إخوتنا الكورد, فمن حسن حظنا, أننا بدأنا نتواصل معهم, ونتعرف على آدابهم وحضارتهم, في زمن القرية الكونية الصغيرة. لذا, فالجهل بهم ـ هذا الجهل الذي كرّسه الإعلام العربي الحكومي الرثّ ـ انتهى إلى غير رجعة. بل وحلّ محله, تواصل وتفاهم ومحبة واحترام متبادل.

إن علينا كمثقفين عرب وكورد, كمثقفي هامش وهوامش, أن نبني الجسور فيما بيننا وبين ثقافتينا. وعلى الأخوة مثقفي الكرد ممن يتكلمون اللسان العربي, أن يترجموا لنا أدبهم الجميل, لنتعرّف عليهم أكثر, وبالمعنى المحترم للكلمة.

فالثقافة الحقة هي التي تجمع الشعوب, والثقافة الحقة هي التي تمنع الدكتاتوريات. أقول قولي هذا, وآمل أن يغفر لي صديقي وجاري القريب, الشاعر محمد عفيف الحسيني, أنني لم أستطع, الآن وهنا, أن أكتب, كما طلب مني "نصاً سردياً فنتازياً عن أخوالك الأيوبيين".. فأخوالي الأيوبيون, هم أجلّ وأعظم من فسحة هذا المقال العابر. ولا بد لمن يتهيأ للكتابة عنهم, أن يعطي الموضوع حقه, والكتابةَ حقها, إلى أن تأتي لحظة إشراق كتابي, تليق بقوم عظام وشاعريين مثل أخوالي الكورد الأيوبيين.

سلاماً محمد عفيف.

سلاماً آخين ولات.

سلاماً ميتان الأمير الصغير...

وسلاماً ياكل الأكراد الجميلين, المعذبين, في كل زمان ومكان.

 

غزة في الحادي والعشرين من سبتمبر 2005

 

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006