ثقافات العالم 


 

 

 

 

 

يوم في حياة نديم غورسيل

 بالنسبة لي انها ساعة "الراكي"

 

"طويلا دأبتُ على الاستيقاظ باكرا. هناك، على الضفة الآسيوية من البوسفور، في مدينتي الحبيبة التي تتبعني الى كل مكان والتي ذكراها، كمثل حديد أحمر، محفورة دائما في قلبي. كنت استيقظ كل صباح عند ساعة الصلاة لكي أكتب".

تلك هي الكلمات الافتتاحية من كتابي "رواية الفاتح". اليوم، لم اعد استيقظ عند ساعة الصلاة، لكني أسمع صوت المؤذن يأتيني حتى سريري. صوته معدني وخشن أحيانا، كما لو أنه طالع من قاع الأزمنة. يحكى ان هاتفه الخليوي رنّ مرة وهو يصلي، وتقول السنة السوء إنه أوقف يومذاك الدعوة الى الصلاة لكي يردّ على المتصل. لا اعرف إذا كان ذلك صحيحا، لكني يجب ان اعترف اني لست صباحيا بقدره. أفضل ان استيقظ في ساعة متأخرة، حوالى التاسعة تقريبا. فنحن لم نزل في فصل الصيف، ولم ازل مبدئيا في عطلة. رغم ذلك، لست كسولا تماما، فأنا اعمل على كتابي الجديد في هذه الاجواء التركية جدا، كي لا أقول العثمانية.

"حصن الأناضول"، على غرار ما يوحي به اسمه، حي موجود على الضفة الآسيوية من البوسفور. إنه أقدم حصن في المدينة، تم بناؤه في القرن الرابع عشر، وهو ينتصب قرب منزلي. انه في الواقع منزل العائلة حيث أمضي الصيف، وحيث اكون بمفردي غالبا لأن زوجتي وابنتي تفضلان قضاء العطلة على شاطىء البحر، جنوب البلاد.

"حصن الأناضول" هذا هو المكان الأمثل للكتابة. قبالته، وتحديدا على بعد ستمئة متر منه، ثمة حصن آخر بناه محمد الثاني الذي نسميه "الفاتح"، والذي تحدثت عنه باسهاب في روايتي المذكورة اعلاه. هذا لأقول لكم إن يومي يبدأ في هذا الإطار السحري، وإن الزوارق التي تمرّ تحت نافذتي تقرر ايقاع كتابتي. يحصل احيانا ان تصطدم هذه المراكب بالمنازل العثمانية القديمة هنا وهناك، لكن تلك قصة اخرى. بيني وبينكم، انا لا احب ان استيقظ يوما لأجد باخرة نفط روسية في غرفة نومي. أفضل صوت المؤذن.

بعد طعام الفطور (التركي بامتياز مع الشاي الغامق والزيتون والجبن الأبيض وكل أنواع المربيات)،  أكتب وانا اراقب مرور المراكب. عند الظهر أخرج لأتغدّى في المطعم الصغير المجاور، حيث يستقبلونني استقبال الملوك. لمَ يحسنون معاملتي؟ لأني الزبون المثالي، آكل ما يقترحونه عليّ ولا "أنقّ". ليس ثمة في هذا المطعم خيارات كثيرة اصلا، وخصوصا إذا قارنّاه بالمطاعم الموجودة على ضفة البوسفور.

بعد الظهر، لا جديد تحت سماء اسطنبول. الكاتب يعمل و"العمل يُتعب"، كما كان يقول تشيزاري بافيزي. عندئذ تدق ساعة القيلولة، التي تحوم خلالها أشباح حياتي من حولي، وتقض كل امل في أن اشبع نعاسي. لست مزعوجا جراء ذلك. أصلا انا اكتب بفضل هذه الأشباح بالذات، واتكلم عليها في كتابي الجديد. كتاب يتقدم ببطء بسبب ايقاع العمل الذي تكسره المكالمات الهاتفية وصرخات الباعة الجوالين. نعم، لا تتفاجأوا، لم يزل هناك باعة جوالون في أحيائنا التركية.

ينزل الليل على مهل على البوسفور، تمرّ الغيوم وتتهادى مع المراكب، لكن الريح التي تهبّ تدفعها نحو سقوف البيوت. أسمع من جديد صوت المؤذن داعيا الى الصلاة الأخيرة. بالنسبة لي انها ساعة "الراكي" وليست ساعة الصلاة. والكأس الأولى التي اشربها برفقة امرأة جميلة تشرّع لي أبواب اسطنبول وأحلامها.

طبعا لا أكتب أبدا ليلا. ففي اسطنبول "الليل رقيق حنون"، مثلما كان ليقول سكوت فيتزجيرالد، وهو طافح بالأسرار. لذلك سأستسلم له. لذلك لن استيقظ غدا في ساعة مبكرة لأكتب.

 

صحيفة النهار

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006