مقام الضيوف


 

 

 

 

كولالة نوري

(لولا الأمكنة لما كتبتُ)

 

أجرى الحوار: نصيف الناصري

* بدت لي مجموعتكِ الأولى "لحظة ينام الدلفين التي صدرت عن "دار ألواح في اسبانيا عام 1999 وصدرت طبعتها الثانية عن دار "الشموس" في سوريا عام 2000 كما لو انها آنية تحتضن شذرات من الماس. لماذا تأخرتِ في اصدارها، وأنا أعرف انها كتبت منذ زمن طويل؟

ـ نعم تأخرت في اصدار تلك المجموعة، ففيها قصائد تعود كتابتها الى عام1990

ربما بسبب حر بغداد وزياراتي القليلة إليها بسبب ذلك الحر، ونار الحصار أيضاً كل تلك السنين، أمّا حرّ بغداد فأنت تعرف انني كنت أسكن في مدينة "كركوك ثم انتقلت الى مدينة "الموصل وكانت زياراتي الى بغداد تكون غالباً في فصل الصيف لأسباب مختلفة وغير محددة. كان هناك ثمة فرص ولو تحملت الحرّ قليلاً لكنت قد طبعت المجموعة مبكراً، لأنني كنت أعتقد حينها بأن أول مجموعة يجب أن تصدر من العاصمة، وكنت مخطئة، لأنني اكتشفت بعدها بأننا وحدنا الأدباء نقرأ لبعضنا البعض، وكان طبعي للمجموعة في أية محافظة كفيلاً بقرائتها من قبل الجميع مع بعض الجهد من قبلي.

ثم أن سنوات الحصارالذي كان خارجياً وداخلياً كان لها دور أساسي في تأخر اصدارالمجموعة، اضافة إلى انني لم أكن أشعر حينها أن من المهم جداً أن أصدر مجموعتي  كنت أنشر كثيراً في الصفحات الثقافية للجرائد، وكان هناك اهتمام نقدي كبير بنصوصي، وربما كنت متشبعة اعلامياً.

* الوحشة. الموت. الحيرة. الأسى. الغياب. الحنين. موضوعات أثيرة في مجمل أعمالك. هل تحاولين أن تفرضي سلفاً شعورك تجاه الحياة؟، أو فلنقل هل تنطلقين هنا من لحظات شعورية أم انها نتيجة قراءات معينة؟

ـ لا ... أنا دائماً أفترض شعوراً مختلفاً تجاه الحياة، عكس ما ذكرت تماماً، أما الوحشة والرحيل والموت والحيرة والأسى والحنين فكلها عشتها وأعيشها. يبدو لي أن تولد عراقياً فهذا شيء بحد ذاته مغامرة. الحياة في الطرف الآخر فيها الكثير كي تُحب وتعاش. لماذا علي أن أفترض ما ذكرته؟! بالعكس انني أصبحت محترفة في اكتشاف ما يجعلني أرى جمالية الاشياء والحياة والحب والشعر. أصنع الهدوء بالموسيقى والقراءة، وأي شخص أجده يضيع بعض تلك الجماليات أتجنبه وأحاول أن أضع في رأسي الذكريات الجميلة من كل مرحلة عشتها وأعيشها وأستفيد من سيئاتها، واذا لم أجد أي ذكرى جميلة في تلك المراحل، فانني أحاول أن أسقطها بعيداً عن كمية الجمال في رأسي عن طريق الكتابة أو كما أسقط منديلاً أصابه العطب لمصادفته شتاء قارصاً.   

أما قراءاتي فمتنوعة جداً وأستطيع أن أفصل بين القراءة كتأثر وبين القراءة كمعرفة.

* ماذا يمنحنا الشعر في عالمنا المليء بالصراعات والحروب والوحشة؟

ـ الشعر منحني عوالم وأدوات رصد لتفكيري والتزامي الانساني والادبي . حين تمسك الشعر كملاذ. فعلا يكون كملاذ، أما اذا كنت تمسكك بالشعر لأسباب ليس لها علاقة بالشعر، فانك سوف تحمله الكثير من البلاوي التي تنزل عليك .

مرة كنت محتارة جداً ومتوترة وكانت نذر الحرب الأخيرة على الأبواب. اتصلت بالشاعر سليم بركات وكنت متوترة وأشعر بان العوالم الحقيقية والناس الطيبين يكادون أن يختفوا. قال لي سليم اخلقي عالمك في الشعر. نحن ليس لدينا سوى الشعر.

* قصيدتكِ "تحالف لاستدراك أوميد منحتني انطباعاً بانكِ تشعرين بوطأة الزمن عليكِ .

ـ الزمن له وطأته في كل حين اذا كان غير مطواعاً لتطلعاتك وطموحك وهمك الانساني العالي . قصيدتي تلك حنين للبراءة ولصديق طفولتي أوميد والذي أحببته عندما كان عمري ثماني سنوات، والقصيدة كتبتها وأنا شابة. بالتأكيد انك ترى وطأة الزمن طالما انني اتحدث عن زمن بعيدة.

* بعد سنوات ومشاريع ومخطوطات والبحث عن أشكال جديدة. هل تعتقدين أن تجربتكِ بعد أن أصدرتِ ثلاث مجموعات قد استقرت على ميزة معينة في خضم تيارات الشعر العراقي الراهن؟

ـ ليست لدي اختلافات كبيرة في الاسلوب، وانما هناك تنوع في الهموم وطرح الموضوعات بطريقة أكثر هدوءاً، وأصبحت قادرة على تحديد ما أقوله بالضبط في الجملة الشعرية. كنت أميل أكثر الى الضربات الشعرية القصيرة، وفي المجموعة الثانية والثالثة لدي نصوص ذات نفس طويل، وربما أكتب أكثر في المستقبل النصوص القصيرة. لا أعرف. لا أستطيع أن أعطيك كلاماً قاطعاً، أعرف نفسي انني لا أهدأ. ولو انني في الماضي كنت أكثر سرعة في تحويل هم معين أو جذوة القصيدة الى الورق. قد يكون للانترنيت الآن دور في تعطيل نعمة التأمل. هذه حقيقة نعاني منها، وصدّق لدي الآن ستلايت عاطل، لا أود أن أصلحه لأن كارثة الانترنيت التي أعيشها بوجهين كافية لتسرق وقتي .

* عشتِ في أمكنة عديدة. ماهو تأثيرها على تجربتكِ؟

ـ آه.. الأمكنة!! لولا الأمكنة لما كتبت أصلاً. أنا أهتم بالمكان أكثر من الزمان. المكان هو روح النص ومشهده. فجيعة أو مرح النص. نعم سكني في أمكنة عديدة صحح الكثير في معرفتي، بل وبتنقلي من مكان الى مكان، اكتشفت من يؤكد لي فطرة الانسان الأولى، لذلك لم أنهر ولم أفقد الأمل، ولم تنتصرعليّ الوحشة أو يكون لليأس مكان في حياتي. حين كنت أمر بأزمة نفسية أو صدمة لم يكن أمامي سوى السفر أو تغيير مكاني، لأن الزمن لا تستطيع أن تمسكه وتقذف به الى الخارج. الزمن شيء صعب المراس وغير مطواع، بينما المكان هو ملك يديك ولا تحتاج معه سوى الى حقيبة صغيرة وجنون وجرأة لتغير مكانك فـ "أرض الله واسعة كما يقال وأ نت مقدماً مغامر كما قلت كونك ولدت عراقياً .

* تقولين في نهاية قصيدتكِ "بيت الندى":

تَلمس نساءً فيّ

اجعلهن باقة ورد

مزقهن ورقة ورقة ..

ضع رأسك على الأخيرة

ونم طويلاً ولا تخف

فورق الورد منذ زمن الورد .

بيت الندى .

هل كنتِ هنا تودين أن تمنحي قارئ شعرك انسانية السلوى؟

ـ بالضبط . اذا كان لديك طبائع الورد، فلمَ خوف الطرف الاخر من العواقب،  اذا كان يمثل طبائع الندى! فهما ملتصقان ببعضهما البعض في الصباحات المنشرحة عادة منذ بدء الخليقة.أليس كذلك؟

* تقولين في قصيدتكِ "انتحار غيمة":

مهيأ تماماً

لتسدل على الذاكرة

ما طاب من طين

مرصع بأغصان

لآحلام مشردة .

ما هذه الأحلام المشردة والذاكرة التي ينسدل عليها الطين؟ هل هي مشاعركِ عن الموت؟

ـ هو عن الموت. عن التلاشي. تلاشي الاصدقاء. تلاشي الحب. تلاشي مقومات خطط الحياة التي كنت أريدها. تلاشي الانسانية في وقت ما.

* نالت مجموعتكِ الأولى صدى طيباً . ماهو شعوركِ تجاهها الآن؟

ـ أحبها. لم أشعر أبداً بانه كان علي أن أكتب عكس ذلك... انها تمثلني وتمثل مرحلتي تلك. كان فيها العبث والتمرد والصخب والتجريب والاعتداد بالنفس واحتراق الآخر بسهولة عندي لو احترق انسانيا (الآن قد أضع الكثير من الأسباب لاحتراق انسانية الكائن) تجد كل ذلك هناك وهي أنا بلا تزويق أو مواربة. كنت في بداية العشرينات وكنت متأكدة انني سوف أستمر وأكتب بطريقة أخرى كما كنت أقرأ وأرى الكتابات الأولى للأدباء المعروفين ثم كتاباتهم الاخير.

* آملُ أن تحدثيني عن المكونات المعرفية الأولى التي دفعت تحربتك ِ الى الأمام .

ـ قراءاتي المبكرة وأنا في السابعة وتنوع الاماكن والتعرف على مستويات معرفية في بلدي وخاصة من هم من جيل الستينات والسبعينات والثمانينيات كنت أنهل منهم ولا أتوانى أن أسمع منهم والنقاشات الثرية بيني وبينهم، اضافة الى نشاط زملائي في بداية التسعينات واهتمامهم بي كصوت له مستقبل في عالم الشعر، لذا جعلوني أكثر اصراراً على التواصل. كل ذلك كان له تأثير كبير في ترسيخ ما يسمى بمكونات معرفتي ولا تنس انني أجمع ما بين ثقافتين: الكردية والعربية وكان لهاتين الثقافتين تأثير على كتاباتي ورؤيتي للأشياء .

* من هم الشعراء الذين أحببتهم وأضافوا لتجربتكِ غنى ومعرفة؟

ـ سليم بركات.. حين أكتب وأنا أتذكر سليم بركات، لا أرضى عن شعري أبداً، وليس فقط الشعراء هم الذين أضافوا لتجربتي. أحببت ماركيز الى حد الهوس، وتأثرت بادوارد سعيد كمفكر، وأثر علي في الكثير من الطروحات، وادوار الخراط كذلك كروائي . للأسف كان خيرة كتابنا في المنفى ولم نستطع أن نقرأ لهم. بسبب منع كتاباتهم من قبل السلطة .الآن بدأت أقرأ لهم وهم عائدون يقدمون لنا كتبهم ونتاجاتهم الأدبية. قرأت أخيراً زهير الجزائري وأعماله جميلة جداً وعودة هؤلاء الكتاب واتصالنا بهم الآن سوف تضيف لنا ونضيف لهم، ونمسك بالحلقة التي كانت مفقودة لسنوات طوال.

* القصيدة موقف من العالم وهي تكتسب مفهومها من الرؤيا الداخلية العميقة في روح الشاعر. انطلاقاً من هذا الشيء بدت لي تجربتكِ انها مرآة لنفسكِ في صراعها مع العالم. آملُ أن تحدثيني عن وظيفة الشعر عندكِ .

ـ في كثير من المواقف والصراعات التي مررت بها كان الشعر هو الزند الذي يمسك معصمي. الشعر كان كرياضة اليوغا. وكانت قصائدي التي أكتبها ولا أقرأها بعد الكتابة تمنحني الاحساس ولو لمدة قصيرة بانني قوية في الصراع مع العالم ومع الأشياء التي تحاول اطفاء جذوة الحياة .

الشعرلدي عودة وطبطبة على كولالة ومعرفة مستمرة. ففي الكتابة الابداعية أنت تخلق، وليس فقط تقرأ لآخر ،وتستمتع، وللشعر عندي متعة الخلق ومتعة القراءة.

 

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006