أنتولوجيا تيريز، الشعري


 

 

 

فواز قادري

يدكِ، التي على جبيني

 

ببيوغرافيا:

ـ فواز قادري، مواليد، 1956، دير الزور

المطبوع:

ـ وعول الدم 92

ـ بصمات جديدة لأصابع المطر 93

المخطوط:

ـ لم تأتِ الطيور كما وعدتكِ.

ـ شهادات ليست أخيرة.

ـ سيرة العاشق، سيرة المكان.

ـ كمن أضاع البيت.

ـ نهر بضفة واحدة.

النصوص، هنا، مختارة من الكتب المطبوعة، والمخطوطة.
* مقيم في ألمانيا.

النزيف

سألتُ أمي
عن رائحة الرحيل
العالقة بي منذها
من
أورثني إيّاه؟ا
كان دمعها
أجوبة الترحال الطويلة،
منذ نزيفها عن هناك
،

ألف رائحة في ذات اللحظة
بساتين كردستان
كرومه
، ينابيعه
شجر لم تسمه
بلوطه
، وحجله الفاغر
شهدا
ؤه، قتلاه،
اغترابه الغارق في الزمان
نّى أكون فعلى الفرات صليبي).

حصاد الألسنة

بالكرديّ الفصيح،

قالَ أطفالُ بلادي

صباحُ الخيرِ يا دمشق

صباحُ حريةٍ لطيور أفراحك التعبة

لياسمينك الذي لا يفوح

لليلِ قاسيون

صباحٌ خالصٌ من البثور

صباحُ البلوطِ والحجل

لعيونكِ الوسنى

صباحٌ لكِ دينٌ على أرواحنا

لم تجبْ دمشقُ المكممة

جاوبتِ الهراواتُ والعسس

***

لا جند للغزاة على أبواب دمشق

ولم يحلقْ طيرُ حربٍ على هامة قاسيون

كانتْ تحايا الطفولة

ياسمينيةُ الفوحِ

والكلماتُ مصوغةٌ

من ارتجال ودودٍ وتأتأة

لم يطلقْ أحد على خوذ الجند

ولم يضعْ متراس رمل

على أيّة ناصية

كانتِ القبلُ هي الدشم

والعيون الوسيمة القلاع.

***

لا جند للغزاة

هي الطفولة بآثامها البيضاء

بالحليب المدرسي

والطباشير الملونة تهاجم

بألعابها وأحلامها تهاجم

بالليالي السود الطويلة

وما أنجبتْ من الجراح

بدمِ النذور من الشهداء

بكردستان تخبىء أطفالها

من حربٍ إلى حرب

ومن مجزرة إلى مجزرة

الى آخر الأرض.

***

قالَ طفلٌ مصاب بالغناء:

ـ "دايي"، أريد شيئا من الفرح مع الحليب

قالَ شيخٌ مصاب بالأحجية

ـ "ولاتِ مِنْ "، الضائعة،

في أيّ المحطات تنتظر؟

قالت عاشقة مصابة بالمطر

ـ "يا را من"، الذي مات لأجل بلادي

هل أعشبَ قلبه في التراب؟

وحين قالت:

ـ "بَهْ رخان"، بالكردية: ماع ...

لم يمتنع عشب

ولم يغضب النهر أو الرابية

قالت الغيمة الشاهدة على ما يجري 

سأنزل ضيفة

على الكرد في المآتم والأعراس

قبل أن أتابع رحيلي إلى الجذور

وأخيراً قالتِ الأمّ التي

أرضعت الكرد العنفوان والجلد

وهي تنظر إلى فراغ أضلاعها

من الأبناء

وعينيها من الدموع

قبل أن يبتكر الطغاة

أعيادا لحصاد الألسنة

كانت لغتي حرة كالينابيع

طليقة كالطيور في أعاليها   

ومنذ "ميديا"،

لم يكتمل عش لصغار الطير

ولم تكتمل حديقة

لوردي الذي ينوس حنينا

لرائحة الأيدي المغادرة؛

لم تكتمل أغاني الرعاة

وهي تتقافز كالجداء

من قمة إلى أخرى

قبل أن تحتضنها

الفضاءات والأودية

***

صباح الخير يادمشق

صباح الفراشات والزهور.

بالكردية كانت القلوب

تلقي تحاياها الودودة

قبل أن يجيب الجنود

على الطفولة العزلاء.

لم يتفاجأ الله

مسح دمعتين ساخنتين

قبل أن يلتفت

إلى شان آخر ويستريح.

* تظاهرة الاطفال الاكراد مطالبين بمدارس كردية, وبالجنسية السورية وبحقوق أخرى، فكان رد النظام قمع الاطفال واعتقالهم.

لغة أخرى بيننا

بيني وبينك
قطارطويل
من الكلمات
وكأنك فضاء
منذ الأزل يصغي
إلى أجراسي التي تقرع.

***
بيني وبينك لغة عسراء
وأنت تقتحمين حصوني
رايتي البيضاء
هي التي
أنثرها كالورد
على رؤوس جندك الفاتحين
وهم يطأوون بخيولهم قصوري

وأسراري وخلوتي
وأنا أسلم لعينيك
بلاد قلبي
بكاملها طائعاً
من البر إلى البحر
من الغيم حتى آخر وردة
تلتهب في هذا الصقيع

***

بيننا اللغة
وما يتساقط من الغناء
على الرصيف حين أضمك
على مرأى من السماء التي تتسع
وبيننا هذا الذي
تسميه المسافات زمناً
نعبره
كما يعبر عاشقان
وهما يتعانقان
على آخر مفترق.

***

يدك على جبيني
حياة تعج بساكنيها
مدن لاتتورع عن المعصية
وهي تقلب الغرباء
على سفود أشواقها
وأنا أرتجف بكل تخومي
حيث تهرول لتجتمع
هنا في الأعلى
كل دمائي تحت دفئها

***

كيف نفترق في هذا الزحام
الذي يجمعنا
كلما التقينا
وقلوبنا تلوح
كأننا في وداع

***

لم يبق ما يكفي
من الشجر ليشهد
أن الطيور غادرت
إلى منافيها
وليس إلى هجرة عابرة

***

وحيداً تعبت
مني خطاي
تعبت من عد المسافات
تعبت لاأعرف لي
جهة أسميها الأخيرة
***
إن لم تكن اللغة
هي التي بيننا
ماالذي نسميه إذاً
حسنا لنحتكم
إلى لغة أخرى
كأي غريبين
يلتقيان في محطة عابرة ويفترقان.

أرني يديك

الى فرج بيرقدار...
لأجل كل الذي تبقى


أرني يديك نظيفتين
من ذالك الظلام البليغ
أرني وجهُا
كان شمس الناس
ستشرق عليه ابدا
أرني خطوك
ينسرب في الضوء
بعد خفوت
وانشغال الشرفات
بقمر ليس لك
كيف شاغلت الأبيض المتوسط
طويلاُ
بطيف شراعك  ـ لأسير
وطويت الريح
بحدس لألأئك
المستور في زنزانة
ماذا قلت للموج
ليطلق ضحكات فتية مارقين
لتأتي الشام أليك
بلا أضغاثها
ولينحني قاسيون
للشهداء كي يمروا
الى احتفالات التراب.

***

هل ليلنا...
في أوانه ألاخير
قل لي
لتمشي نوايانا الجميلة
على حلّ شعرها
في البلاد
وكيف سأعتذر للشهداء*
عن الحياة التي أحيا
للطيور الحرة في مهاويها
للأمهات يجففن الدموع
كالمؤونة
للشتاء الحزن الأخير
للفرات كسيراُ
في وداعي
في أيّ عزاء
ستنوب القصائد عني
وانا هنا
اهيّء مدائحي
لأفراح في علم الغيب
لشموع صغيرة تتقد
وهي على مرمى
نفخة للريح
لأيّ ...وأيّ...
أنفض جناح قلبي
ليشفى
ولترحب سمائي.

***

أرني يديك
أو فأرني الظل الذي
تساقط عنك
أو تعامى
في زحامك
اخترتَ حياة تعلو
وارتجيت
معافى
يصحو العصفور
ليغني أو ليحدو
لقوافل تقتفيك
فيك مافيك فهبني
شيئا من السكينة
او الضغينة
لأنشر قلوعي
في الهبوب الذي
يأتي
من بلاد شبتُ فيه!.
*

لـ... محمد عبود, سليمان مصطفى غيبور, أحسان عزو، هيثم الخوجة, عبد الله الأقرع, علي غضبان, غياث شيحا..
وآخرون لاتحصى صرخاتهم في الضمائر. الشهداء الذين ماتوا تحت التعذيب في المتقلات السورية.

ظلّها

ظلها على العشب
ظل غيمة شارفت على الهطول
ظلها على الماء
ظلّ وردة عطشى
ولا علم لمياهي
ظلهاّ في الشمس
فاجأ الشاطئ
بطفل قمريّ يلهو
ظلّها في التيه
بوصلة لخراف جانحة
ظلّ لها في الظل.

ببساطة

هكذا،
ببساطة في المساء،
اغلق اعين قلبه،
ونام...
بينما،
عاصفة الحزن
في الخارج
تقرع بشدة
ودون توقف
حتى الصباح.

***

ببساطة،
غسل
اصابع قلبه،
جيداً
وراح يفتش
في المدينةالخائنة،
عن طفولته الشعثاء

***

ببساطة سأل حبيبته
لم تبكين؟
وأخفض قلبه
بينما
حجر الشائعات،
يحطم, زجاج نوافذ الرأس
***
هكذا ببساطة،
استفاق في الصباح
وجمع
العصافير الميتة في القلب
والزهور الصفراء.
الذكريات الذابلة،
أصدقاء الطفولة الخبيثين
أقداح العرق المحطمة،
وعلق
لافتة على شفتيه
أهلا ً
بالحياة.

تفتح قرنفل في ليل شعرها

لكِ وعد قلب الغريب
لكِ أغانيه التي ارتحلت
قبيل انبجاس الموت فيها
وبيننا بلاد
أنهر بحار
ملايين من الذاهبين
إلى نوم
أو يقظة صاخبة
لكِ دم الكلام الذي يشي
بحزن ضارب
أو بطعنة دمع
على خد الغريب
بيننا بلاد
والفرات يأتي خلسة
إلى سريري
وتأتي
رائحة الأصدقاء المقيدين بحلمهم
والمتخمين بغربة لا تحدّ
غبار الشارع يأتي
غناء العصافير
على شجر مجاور،
غيوم العابرين إلى خبزهم في الصباح
العائدين من حرب أيام خاسرة
***
بيننا بلاد
وبي ما يكفي من الوِحدةِ
لتمشي قصيدتي
على درب قلبك دون إذني،
من الحنين
ما يكفي لأوزعه على شعوب كاملة.
***
انتظري رسائل توقي كل صباح
قبلي تقرع أبواب الشفتين
يدي تلامس ما تفتق من قرنفل
في الضفائر.
رأسي
على وسادة صدرك الخالية.

تلاويح

ثمة ماءعَطشٌ فيّ
ينابيع تزدرد زقومها ولاتصيح
نهارات مؤجلة عرجاء
فراش فاقد هواء الخلان
ارض تلوب
حول مستقرها
فيّ هذا الذي يبكي
كنديم خاسر
ويضحك لطفل
يهش على طيف العابه
في شارع او حديقة
تلك التلاويح
حين ادنو تنأى بمنا ديلها
فمن اين لي
ان اقتفي اثري
لاستد ل على قصيدة
او حجر نا طق
تحتفي بما استر د
من طيور
تجيئ بنشيج
يلهو باجراسه الخرسا ء
برنينها الخافت المتعالي
لتمضي حرة الى جهاتها.

حرية

يجيء الضوءُ،
آخرالأمر,ليلاً
وأنتِ,
تمارسينَ خفيةً, بهجةَ الانتظار
تتسللُ نوافذُ،
الى دمك المظلم
يرسلُ قمر,
ضحكتهُ مهنئاً
يتمرغ مو ج فارع
على قدميكِ،
يكتشفُ طفل،
سر،
تكاثر الهراوات والدموع
تشهدُ طرقُ،
أنها،
رأت خروجَ الغرباء
من جسد المنافي
تركضُ زنازينُ،
الى آفاقك،
هاربةً
يجيءُ الضوءُ،
آخر الأمر
تباركت،
غزالاتُ دمك،
ايتها المزنرةُ
بدم العصافيرِ الفولاذي
بذاكرةِ الفقراءِ المدببة
تباركت،
غزالاتُ دمكِ،
ايتها الحريةُ،
انا،
لا تشيخُ لهفتي.

رحيل

ومرةً
غادرتُ وجهكِ،
طافحاً باحتراق الموانىء،
والمراكب الغارقة
تلقفتني الشوارعُ الضليلةُ،
عصاً,  تطرق الليل بها
والنجوم الكالحات
والمجرات التي،
لم يهتدِ اليها،
المتعبون
ولم ترني،
أفرش ُ اعصابها, بالبكاء.

عشق

عاشقة مغرورة،
أبكت الوردة

عاشق جلف،
أغلق أفق العصافير

وأنا،
فتحت قلبي،
على اتساعك،
أيها العشق.

***

أرمل،
صباحنا المطير
أرملة،
شمس الظهيرة
أرملة ضفيرةُ عاشقة ،
وعازب قلبي
أيتها الدنيا النضرة.

***

أخذني الصباح من يدي،
وغادر الذكرى
أخذتني الشمس في حجرها
وعانقت الأرض.
أخذني النهر،
ونام
على خاصرة الشجر
أخذني الحجر،
وألقاني ،
في الهاوية
وحبك ،
هذا المشاغب،
اقتلع قلبي ،
وأهداه .
اهداه للحياة.

موتى يقتسمون الوقت

في صباح حزين بورده
أعد القهوة للراحلين
وللموتى من الأصدقاء
أعد الحنين
على مائدة لهم
بشمعه طازجاً
وأدعو الشمس التي
تستريب بحزننا
لتدخل شرفتنا
مع الداخلين
أعد القهوة
وأسكب شيئاً
من اللوعة
على وجوههم
ليصمتوا قليلا
حتى يأذن ورد الشرفة
بالغناء
***
لم يقل أحد التقينا
شربنا نخب من بقيوا
على قيد الأنين
نخب حياة تشبه الموت
ونثرنا على الطاولة
أحلامنا
حسبنا الخسائر
أعدنا القيود إلى
وضع يستقيم به الحزن
وحين استعصت علينا المسائل كلها
قلبنا الفناجين
على أفواهها
واتفقنا على موعد.

حال الغربة والترحال وحال غياب المسرات

حال

لكَ أن تتربص
كممحاة بالقصائد
او كهواء فاسد بالأغاني
لكن قل شيئاً
يثير الغموض الذي بيننا
يالدودي
***
أنتَ اخترت
شمساً حيزبونة
لتدلي بأوجاع الظلام
لذا  هي لم  تنسج
خيطاً واحداً لبلادك التي
اعشوشب فيها الألم
***
سارية حلمك
ماالذي هبّ عليها
ليفتك بالشراع هكذا
من رحيل لرحيل
إلى رحيل
هذا عنوان خطاك
في غربة الله
أنتَ لم توصد
باباً واحداً
خلفك
لهذا تشابهت عليك
جميع الجهات
***
كانت البلاد
أو لنقل المدينة الصغيرة
حصرا
قبلة أوجاعك
أنت نويت أن تصلي
كل يوم
على أبواب حواريها
كراعٍ أعمى
بخرافه الأسطورية
وعشب بصيرته
الطالع
من أرخبيلات الجنون
***
هنا ورد صديقة ينمو
هنا جسر معلق من أحزانه*
ومياه ساقطة
إلى أعمق أعماق الحنين
شجر مقطع الأطراف
حزين وناحب
هنا بيت بلا سور
وبلا حديقة
أمي كانت تحلم
فيه أن يفرع الريحان
ويتطاول حتى هامة الغيم
هنا طفل
يركض
خلف كلب جائع
خبزته بيده
وأقدامه خفيفة
على الهواء الكسيح
هنا النساء نساء
قبل حسبة العائلة
المال ، البيت ، المهر
والحسَبُ الدميم
نساء طفح من الشوق
والشهوات
نهود ذائبة
قبل احتلابها
وشعر مائس
على كتف النسيم
وهنا الفرات يعول ويعول
دمع له
فاضح كما قالت امرأتي
هنا الأصدقاء
سم أخبارفرقتهم
ينزّ
وروحي
أرض
عليها لايضيع مطر لهم
وأنا هناك
على عطشي
أعب من خواء جراري
فكيف سيستقيم هكذا القلب
على سراط  هوى قديم
***
صمتُّ طويلا
وحين غنيت
غنيت بعد موات الفرح
حزن هائل لغنائك
لاتتسع له الكائنات
***
القلب يميل
إلى غروب أخير
جناحاك مشرعان أبداً باتجاهها
" تلك البلاد "
فحلق بما تبقى
لك من مدى
لعلك عن بعد تراها
أو تشم شيئاً من أنفاسها
ليستريح فيك
الذي لايستريح


حال


الطائر الكسيح
ليس ذلك الذي
لايمشي
والشاعرالأعمى
ليس ذلك الذي
لايرى
والقاتل الحقيقي
ليس ذلك الذي
أطلق النار
على العزل من العصافير فقط.
 * تشتهر مدينة دير الزور بجسرها المعلق الذي بناه الفرنسيون.

 

www.tirej.net

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي