القص


 

 

 

جلال سعيد

الجد صوران

 

بذلك الزخم من الاندفاع بتلك العزيمة الشامخة, بألم يستبد بكل ما يمت إلى الماضي, جلس يرتشف كأسه اليومي من حليب السباع كما اعتاد تسميتها، على بقعة خضراء من عشب نيسان كانت قد ظفرت بها حوش منزله بأمتارها العشرين, كأس وطاولة وكرسي صامدان في وجه نسمات المساء، خلقت حوله بعد ارتشافه للشفة الأولى خريف وخوف و هواء، ووجه القمر البدري الذي ما برأ ينظر إليه لاشك هي نافذته لهروبه المشين  دخان سيجارته المتصاعد كأبخرة الكنائس، ورجفة اليد بعد كل صعود بالسيجارة إلى فمه, شارباه المعقوفان على شفتيه كعجوز أذلته السنون, انكسارة عينيه ومسحة الخمول فيهما، تناثر خصلات شعره الكستنائي الممزوج بالأبيض الكثير دون اصطفاف أو ترتيب، انسدال حاجبيه الكثيفين، شواهد كانت تدينه أمام قمره، انه عاد من جديد إلى عادته السيئة إلى انهزامه طفلاً مغشياً عليه أمام سطوة أوراق مرصوفة اشتكت الطاولة ثقلها مع كأس العرق السك الذي كان قد وصل إلى نصفه، حيث كانت كافية لتشعل لفافات عذاباته وشجونه كان يرغب في البعد عنها بتلك الكأس، بعدما أوصد عليها محارة الأيام، فغدت في غياهب ثبات عميق.

هو جدي صوران على عادته تلك منذ أكثر من ثلاثين عاماً يهرب كل يوم في ذلك التوقيت من زبد فم جدتي بسنة، رحمها الله التي كانت تنهي أعمال اليوم لتبدأ بوابل لومها اليومي عليه، فيجده مبررا لكأسه الحاضرة، ويترك بذلك العالم كله وراءه بعد أول كل شفة،لا توبيخ ولا مواعظ الملا جمشيد مؤذن الجامع ولا رجاء زوجته المرحومة استطاعت أن تمحي تلك الكاسات من على جبينه.

استرقت ذات يوم السمع إلى مشادة كلامية بينه وبين جدتي وهو يريد أن يشرب كالعادة فإذا به يقول:

يا امرأة سمي بالرحمن أنت امرأة مؤمنة وتصلين وتعرفين أن المكتوب على الجبين ستراه العين ومسألة الشرب ليس بيدي وهو قدري إلى حين مشيئة الله, سوف ترين، وقد تركت الشرب، وأصلي.

فتقتنع جدتي وتتنهد لتقول:

ـ متى سأرى ذلك اليوم؟ .

يضحك جدي يعرف انه استطاع أن يضحك عليها بكل سهولة, اليوم بالذات يمضي أربعون يوماً على وفاة جدتي, ومنذ وفاتها وصوران جدي كالطفل الذي فقد أمه، ترى الدموع أحيانا كثيرة قد انهمرت عنوة عنه لتنشر في أسارير وجهه، لكن الغريب في الأمر انه انقطع منذ وفاة جدتي عن الشرب وكأنها كانت وسيلة فقط لإغضاب الجدة بسنة والاستمتاع بصراخها أو كأنه يريد أن يحترق في كل ثانية من حياته المتبقية  بنار تذكرها.

تقدمتُ نحوه وأنا متردد في قطع شروده وصمته الحزين، لكن لم أشأ في الوقت نفسه أن أتركه يذوب في آلامه.

ـ جدي ما بالك وما هذه الأتربة على سروالك؟ هاقد عدت إلى الشرب مرة أخرى.. نظر إلي وقد انفتحت أسارير وجهه قليلاً:

ـ أتعلم يا بني لقد فقدت نشوة العرق الرائع هذا بعد وفاتها، كم أشعر بالمرارة في طعمها وكأنهم أصبحوا يغشّون فيه أليس كذلك؟؟

ـ يبدو ذلك!! ولكن لماذا وجهك معفر بالأتربة؟؟

ـ ألم أخبرك.. قالها و هو يرفع رأسه المثقل ويهمس في أذني لقد حجزت قبرا!!

ـ ماذا قبر.. جدي يبدو انك اليوم قد أثقلت في الشرب؟؟

هبّ واقفاً وهو يبتلع غصة الحزن المريرة وعيناه تغرقان في الدموع التي فشل في مقاومة ذرفها...  أبداً فأنا أعرف ما أقول لقد حفرت قبراً وهمياً قرب المرحومة "بسنة"، أرغب بأن أدفن بجانبها عند مماتي ياولدي! قالها وانهار من طوله على الكرسي وهو يجهش في البكاء.

استدرك قائلاً بعد أن نشف دموعه: نعم يا ولدي تفادياً لأن يسبقني أحد إلى تلك البقعة الفارغة التي بجانبها، قد يكون لي الآن بقية من العمر وليس هناك من طريقة أحافظ بها على مكان بقرب جدتك إلا بحفر قبر وهمي بجانب قبرها يوحي بوجود ميت حتى لا يدفن آخر هناك.

صعقت عجباً وحزناً؟! كم أحسست بحاجتي للبكاء, تركته هناك وخرجت أجوب الشوارع تائها هائماً على نفسي وتملؤني أحاسيس غريبة لم أستطع أن أسبر أغوارها, كيف لهذا الكهل صوران أن يصل إلى ذلك الإحساس النبيل الطاه , إلى ذلك القدر من الإخلاص كيف؟؟ كيف ومن عاشره يدرك أنه من الغباء توقع ولو جزء بسيط من الحنية والضعف أمام ما يسمى بالعاطفة لديه، فقد كانت جدّيته دائماً تطغى على كل ما يسمى بالإحساس والعواطف، كيف كان له أن يخفي ذلك المارد وراء حاجبيه وحدة عينيه طوال كل تلك السنين.

في اليوم التالي استيقظت على عويل أمي وصراخها وهي تقول:

ـ لقد مات صوران، جدك لقد مات.

هرعت من سريري كالمجنون إلى بيته, كيف البارحة لم يكن به شيء! يا للغرابة معقول! إنه كان قد استقرأ  دنو ساعته البارحة عندما حدثني عن القبر.

 قطعت المسافة الطويلة التي تفصلنا عن بيت جدي بسرعة البرق، ولا يزال الشك يراودني فقد أكون مازلت نائما وهذا كابوس من الكوابيس الكثيرة التي تخيفني، وصلت هناك وجمهرة من الجيران مجتمعون حول البيت منهم من يبكي.. وآخرون هناك يتهامسون فيما بينهم فيقول أحدهم:

كيف للنمل أن يأكله دون أن يحس أو يتألم أو يدفعه عن جسمه, والله هذا عجيب وغريب!!

يقولون إنه كان سكران حين فتك النمل بكل جسده؟

الرجل من يوم وفاة زوجته لم يقرب الخمر ؟

وإذا كان سكران... يعني السكران لايحس بحاله؟.

على كل لا يجوز على الميت إلا الرحمة.

نعم والله... الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة!

 

www.tirej.net

 

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006