الشجن الثقافي 


 

 

 

 

مها حسن

 

الأكراد، شعب الله المحتار!

 

 

هم وجدوا وصفهم جاهزاً في كتبهم المقدسة: "التوراة "، أما نحن، الأكراد، تحار بنا الدنيا، ونحار بأمرنا، إذ ليس لنا مصدر مقدس ننهل منه، فلسنا أبناء "الأفستا" ولا "مصحفا رش"، ولا "التوراة" ولا "متى أو لوقا أو غيرهما"، ولسنا أبناء بررة للعزيز "القرآن".

مع أن آباءنا وأمهاتنا يصلون بالعربية، وكذلك جداتي الثلاث كن يفعلن، ورغم الفقر والحرمان الذي نعاني منه نحن الأكراد، إلا أني كنت محظوظة بثلاث جدات: الحلبية والإعزازية والكردية.

الأولى جدتي لأمي، جدة أمي وأم جدتي، ولا أعرف لماذا ندعوها بـ الحلبية، علما أنها تنحدر من أصول تركية، ربما لأنها أقامت في مدينة حلب بعد زواجها من رجل حلبي، لم أره يوماً، واشتهرت جدتي هذه بزيجاتها المتعددة، وأعتقد أن في وسمها "الحلبية" قصدية ما لإبعاد حالة "تعدد الأزواج" عن المجتمع الكردي.

أما الثانية، الإعزازية، فقد وُلدت في "اعزاز" القضاء الإداري التابع لمدينة حلب، وأقامت هناك مع عائلتها، لحين زواجها، ولما تمت خطبتها وزواجها من جدي "الكردي" كانوا يسمونها طيلة ذلك الوقت بـ الإعزازية، حتى التصق بها اللقب.

جدتي الكردية، لا أتساءل عن سبب لقبها، لأنه واضح، فهي تجهل اللغة العربية، ولا تعرف سوى بضعة كلمات، إلا أنها تصلي، كالأخريتين بالعربية ذاتها، وبالطريقة ذاتها، وكم يكون المشهد مربكاً ومضحكاً حين تجتمعن ـ نادراً ـ  جداتي الثلاث، المتناقضات، المتنافرات، المتنافسات.

الحلبية مهووسة بالنظافة، وتعتبرها مقياساً للتعامل والحكم على الآخرين، ومن هذا المقياس لا تتردد في قول جملتها الشهيرة "يبللن أطيازهن ويغادرن الحمام"، في انتقاد الطريقة التي تستحممن فيها، مشيرة إلى جدتي الأخريتين، وهي شهيرة في العائلة بحمامها الذي يدوم سبع ساعات، واختصرته في أيامها الأخيرة من ثلاث إلى أربع ساعات.

الإعزازية مهووسة بالفن، والموسيقا منه على التحديد، جدتي ذات صوت جميل، تحب الغنج والدلال، ورغم كل جمالها وأنوثتها، لم تمنع جدي من زيجاته غير المعروفة العدد، إلى أن يُشاع أن له أولاد لا يعرفهم!، إذن جدتي هذه، الميالة إلى الترف، لا تحظى باحترام أمها، التي لا تتوقف عن الحركة، ولا باحترام "الكردية" التي ترى في الغناء ما يقلل من هيبة المرء.

أما الكردية، ذات المكانة والمهابة، فكانت تحظى باحترام الجميع عرباً وأكراداً، رغم خلطها الهائل بين الضمائر المذكرة والمؤنثة، لتخاطبني بـ أنتَ، بينما تخاطب أخي بـ أنتِ، مصرّة على تذكير المؤنث وتأنيث المذكر، إلا أنها تصلي بلغة سليمة، ولكنها ما أن تناجي الله وتدعوه خارجة عن النص، حتى تفعل بعربية مهشمة، أو ممزوجة بالكردية، مما يجعل جدتي الحلبية تتدخل لتصليح الأخطاء اللغوية، بينما ترد عليها الكردية: "يفهم الله عباده بجميع اللغات"، معلقة بصمتٍ أحياناً على تمييز الله لعباده الناطقين بالعربية!

لم أكن أنوي الحديث عن جداتي، ولكن القرآن العربي، قادني إليهن، ولو عدت إلى بداية "شجني" لأبرر "شعب الله المحتار"، إذ لم تنزل في نص مقدس، لأننا نحن الأكراد، ليست لنا مرجعيتنا الدينية بعد، وبعيداً عن الفلسفة، وتجنباً للجنائزية والحزن اللذين لا يمكننا إلا الوفاء لهما، لأنهما يرافقاننا، أقول نحن شعبٌ، وإذا كان ثمة إلهٌ، فيجب أن يعترف بهذا الشعب، كجزءٍ من خلقه، وأن يكون له مكانة ما لدى هذا الإله، نحن شعبٌ، شعب الله، ولكن كيف يرانا الله، إذن؟!

***

في العراق، يقسمون العراقيين إلى، أكراد، سنة، شيعة، فكأن الأكراد ليسوا سنة أو شيعة، و:كأن الكردية، ديانة لا قومية!.

***

صديق لي في باريس، قال حين تحدثنا عن الدين "أنا أدين بالكردية"، فسألته عن هذه الديانة، قال: "الكردية، أن تؤمن بكردستان وطناً ومصيراً، وأن تكون كردياً بالدم والانتماء، وأن تتحدث اللغة الكردية، ليس للأكراد إله، لأنهم آلهة أنفسهم، ولسنا بحاجة إلى نص أو مرجعية، يحق للكردي فعل كل شيء، عدا الزواج والإنجاب من خارج الملة، لأن أبناءنا يجب أن يكونوا أكراداً مئة بالمئة!" .

ذعرت من كرديته، وخفت على أبنائي الذين لم يولدوا بعد!

***

الأكراد في باريس ينتشرون في ستراسبورغ ـ سان دوني، كما لو أنهم في ديار بكر أو ديرسم، وخاصةً أكراد "الآبوجية".

حين تتجول في الدائرة العاشرة في باريس، ليست البعيدة كثيراً عن "الأوبرا"، وخاصة ستراسبورغ ـ سان دوني، تسمع خليطاً من اللهجات واللغات، تشعر أنك في الشيخ مقصود أو الأشرفية، تسمع الكردية والتركية والعربية أيضاً، فتقول لنفسك: ياه باريس، أنت عاهرة المدن، تنفتحين لكل الأمم، تلجك جميع القوميات، عاهرة عظيمة هي باريس، إلا أن الداخلين فيها، يمضون لياليهم، ثم يغادرونها، دون احترام!.

***

أشعر بوحدة أخجل من وصفها، تحولني إلى متسولة صداقة وعائلة ووطن، حولي ناطقون بلغاتٍ أنطق بها، الكردية والعربية والفرنسية، ولكني أحتاج إلى وطنٍ يشبهني، وطن ينطق بصوتي الداخلي العميق.

أكراد باريس مملّون، يلعبون الورق والشطرنج، أو يذهبون إلى مقرات الأحزاب لشرب الشاي ومتابعة نشرات الأخبار في محطة Roj tv، عرب باريس منغمسون في البارات والمطاعم والأمسيات الشعرية، أما الفرنسيون، يكررون شعارهم البليد، باريس، مترو، بولو "عمل" ، دودو "نوم"، يشاهدون فيلماً في التلفاز، ثم يمارسون الحب وينامون.

أما أنا، في عزلتي المختارة، لا أمارس سوى الكتابة والضجر.

ثمة رجال كثيرون في باريس.....

الأكراد يمارسون السياسة والتجارة؛ العرب يمارسون الدراسة والبحث عن الفرنسيات؛ الفرنسيون يمارسون برودهم العاطفي وأزماتهم الفكرية.

الكرديات يمارسن السياسة؛ العربيات يمارسن الحب والشعر؛ الفرنسيات يمارسن جميع اللذائذ؛ ولذتهن الكبرى هي التغيير.

لا تترك الفرنسيات لنا حصةً، نحن الأجنبيات، إذ أننا نحن الكرديات، العربيات، الهنديات.... نمارس الانتظار.

الأكراد يلتقون بالعربيات، العرب يلتقون بالفرنسيات، والفرنسيون يبحثون عن راحة البال، بعيداً عن الأجنبيات والمجنّسات "الفرنسيات من أصول أجنبية والحاصلات على الجنسية" والأصليات!

نبقى نحن الكرديات، محظورٌ على الرجال الاقتراب منا، لأسبابٍ وطنية!     

***

هل كانت جدتي الكردية تنام فعلاً مع زوجها؟ وكيف جاءت بكل مهابتها ورصانتها، بعشرة أولادٍ، أولادٌ أحياء، ولا أعرف، عدد الأموات؟!.

***

أسمع موسيقى كردية الآن، أغير الشريط، أسمع الفرنسية، العربية، البوسنية، الإسبانية، أحب جميع الألحان، هل لست متعصبة حقاً لـ çar nava؟.

***

المعهد الكردي في باريس، مكان يحلم بزيارته كل من لم يأتِ إلى فرنسا، أنصحكم بالتخلي عن هذه الرغبة، ما أن يمر أحدكم من شارع La fayatte، حتى يقف مفتوناً، أمام كلمة "المعهد الكردي" بالفرنسية، تضغط زر "الأنترفون" ليفتح لك الباب الكبير المطل على ممر صغير، يفضي بك إلى بابٍ آخر، يُفتح لك بترحاب، تدخل الساحة الصغيرة، الأنيقة، لتصعد سلماً، سيفضي بك إلى تلك الصالة، إذ تمد رأسك من الباب وتدخل قائلاً "بونجور" أو "روج باش"، فتصدمك الوجوه التي يطلوها الملل، وانتظار رحيلك، ما أن تطرح أسئلتك، حتى تصاب بالإحباط ، وتفر هارباً من كل ذلك الاستياء والضجر....

***

ليل باريس الشاعري، باريس الليل، غير باريس النهار، هي امرأة ذات وجهين:

الأول منهوك بالعمل، شاحبٌ وناعسٌ وضجِر، والثاني، في الليل، لمّاع وبرّاق ومتألق وحيوي....

"إيفل" في الليل يلتمع بشبق عضوٍ مستعدٍ لإرضاء كل النساء.

العشاق يتأخرون في العودة، يتبادلون القبل على الأرصفة ومحطات المترو، أنا أتأبط وحدتي، وأعود منصتةً إلى أصوات خطواتي، الحادية عشر، الثانية عشر، الواحدة ليلاً....

أعود مع أضواء باريس، باريس التي لا تعرف الهدوء ولا العتمة، أعود امرأة وحيدة في مدينة لا تعرف نساؤها الوحدة، أعود متخمة بلحم الخنزير والنبيذ، حاملةً وحدتي وبردي ولا انتمائي، إلى غرفتي التي لا تتسع لاثنين معاً...

المرأة التي كانت تخاف من العودة بعد الثامنة مساء، تخاف هنا من العودة قبل منتصف الليل، المرأة التي كانت تتحاشى الرجال، تخاف من الرجال، تعود هنا، بعد منتصف الليل، خائفة من الوحدة، والابتعاد عن الرجال!

***

لم أكن سعيدة في "شبه الوطن" هناك، حيث لا تزال قريتي وأهلي وأبناء عمومتي، وراما والأصدقاء...

لست سعيدة هنا، في "المنفى الطوعي"، حيث الثقافة، الحضارة، الحرية وحقوق الإنسان، يحتار بنا الله نحن الأكراد، لا يعجبنا العجب، ماذا نريد أكثر؟! أقول لله "وكأنك لا تعرف ماذا نريد!".

سوف نظل حائرين، محيّرين الله، لا نتمتع بلحم الخنزيرونبيذ باريس، لن نعرف هناءة القبل على الأرصفة وفي محطات المترو، لن يسعدنا إتقان الفرنسية والألمانية والسويدية، ولن يكفينا عشق "السين" و"ميرابو".....

لا نريد كل هذا، نحن الأكراد نطالب الله بأكثر من هذا الجمال.

هو حلمٌ صغير يراود الكبار والصغار، العجائز و"الخرفانين"، العقلاء والمجانين، الفلاسفة والملحدين، المؤمنين والضالّين، العشاق والمنبوذين، الشعراء والروائيين، كل الأكراد، اليمينيين منهم واليساريين، المحافظين والمجددين.... كل ذلك مرهون بحلمٍ صغير، عداه، سوف نظل حائرين، وسوف يبقى وصفنا لدى الله "يا شعبي المحتار!".

***

 

* هذا النص لا يقيّم أحداً ولا يحكم على أحد، وهو مرتبط بتجربة شخصية خالصة، لا يمكن بالتأكيد تعميمها.

 

 

باريس

 

www.tirej.net

 

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006