القص


 

 

سوزان سامانجي

الحبيبة الآتية من حلبجه

 

الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمد

 

اقتربتْ "سانيا خانم"، وهي تجوب المنزل جيئة وذهاباً بفردتي (مشّايتها) المدويتين، من ابنتها التي تغسل الشرفة، وقالت لها: "أسرعي، لقد حان وقت قدومهم، لانريد أية نواقص، فاطمة خانم هذه كثيرة الكلام". انتصبتْ ابنتها، والعرق يتصبب منها: "ألا ترين حالي، أوشكت أن أهلك من التعب !!؟". ردتْ سانيا خانم، بصوت خفيضٍ وبثقةٍ: "فلتسرْ أمورُ أخيك بخير، ولايهم مايحل بنا من عناء ..؛ هل تعلمين أنها قامت بتجهيز ابنتها، دون أي تقصير، ابنتها جميلة، وربة بيت. بالرغم من لامبالاة فاطمة خانم الظاهري، فإن شحم قلبها، يذوب عندما يمر إسم إحسان على مسمعيها". ثم أسرعتْ نحو الباب الخارجي، الذي كان يُطرق، ولم يفتها، أن تقولَ لابنتها: "أسرعي، وبدلي ملابسك".

كان القادم ابنها إحسان، الذي ضاقت الدنيا به منذ بضعة أيام، محتارة بصدده. قالت له بصوت أموميٍّ: "مابك يابني. منذ فترة لاتستطيع المديةُ فتحَ فمك!، لاتكتم همومك عني، أنا أمك". لم يأبه إحسان بكلمات أمه، وبآلية، قصد الحمّام، واضعاً رأسه المثقل بالألم تحت الماء. سمع صوت أمه: "تفضلوا، تفضلوا". عندما خرج من الحمام سمع جلجلة ضحكة أمه، وحديثها مع الضيوف.

تبـرّمت سانيا خانم من تأخر ابنها. سحبتْ فردتي (مشّايتها) نحو غرفة ابنها، ووقفتْ أمام بابها المفتوح. أجالتْ بعينيها. رأتْ إحسان مستلقياً، يحدق في السقف. نقرتْ الباب بهدوء، وقالت: "ابني..، فاطمة خانم ومن معها، قد جاؤوا للعشاء، لاتتأخر كثيراً..". لم يتحرك إحسان. تأملتْ سانيا خانم في وجه ابنها العابس.

دخل إحسانُ البَرِمُ الصالونَ. جلس على طاولة الطعام. كان الكلُّ مشدوهين أمام التلفزيون. اختلستْ فاطمة خانم نظراتِ الغبطة مابين إحسان، وابنتها، بشعرها القمري المنسرح إلى الخلف. كانت سانيا خانم متضايقة من تصرفات إحسان، وطريقة مقابلته للضيوف، فيتغير لونها من حين إلى آخر، ولم تدرِ ماتفعله، سوى أن تنظر إلى ابنتها، نظرات استغاثة. تناول إحسان عشاءه دون شهية، وهو يتأمل نقوش غطاء الطاولة القماشي ويدير بمقبض ملعقته. لم يحتملِ البقاءَ أكثر. غادر مكانه دون صخبٍ. وقال بصوت خفيض: "المعذرة، لدي عمل هام". عندما أغلق باب الغرفة. كانتِ الأنظارُ كلُّها متجهةً نحوه؛ وهو بدوره خلّف وراءه صوت الفرقة الموسيقية في التلفزيون، وهي تنشد "وأنا أيضاً، سأذهب إلى العاصمة".*

بؤساء، مغتمون، يجوبون الشوارع. يقف رجالٌ نصف عراة على الشرفات في صراعهم المرير مع قيظ النهار. نساء يختبئن خلف أبواب مفتوحة، ينشدن نسمة طرية من الهواء. سيارة العروس المزركشة. سيارات الإطفاء الزاعقة، وهي ترش الطرقات الإسفلتية بالماء. كل هذا وإحسان لايبالي، غير أن رائحة التراب المرشوش بالماء، قد أفغمت منخريه. وعلى عادته، مثل كل المرات رفع يده عالياً، وهو يلوح للباص الصغير القادم، مشيراً له بالتوقف. كان صوت "شفان" المنبعث من آلة التسجيل في الباص الصغير، وهو يغني "حلبجه" قد ترك أثراً كئيباً على وجوه الركاب، فتسرب الحزن الخفي إليهم.

عند موقف Daxkapiye، ترجّل إحسان من الباص، وهو يتجه نحو Fiskayae، مـرّ من أمام المشفى، واجه بعينين فارغتين سيارة الإسعاف المبهرة الأضواء، رأى الحشد من الناس، وهم يسيرون بخطوات عجولة. انحدر من التل، فلفحَ وجهَه هواءٌ ساخنٌ، له رائحة اليانسون. جلس على جذع شجرة بجانب الطريق. فتش في جيوبه عن علبة تبغه، العلبة التي كان قد نسيها في البيت.

كانت أضواء التلفزيونات تتراقص داخل المنازل. والأولاد الذين خرجوا للنوم مبكراً على أسطح منازلهم، يتعاركون فوق الفُرُش والبُسُط. وثمت كلاب شاردة هنا وهناك، تنبح. في الضفة الثانية من نهر دجلة، تتكسر أضواء المصابيح بليونة فوق سطح ماء النهر.

في بداية النصف الثاني من شهر آذار، قصف صدام حسين مدينة "حلبجه" بالأسلحة الكيمائية، فقُتل خمسة آلاف كردي. والتجأ الآلاف منهم إلى تخوم تركيا، واجتازوا الحدود. فاضطر الأتراك إلى استقبالهم. فتم إيواء إثني عشر ألفاً من "البيشمركه"، مع نسائهم وأطفالهم، في معسكرات خاصة. كان الرعب والقلق باديين على وجوه أولئك الرجال، بملابسهم المتشابهة بلونها القهوائي الفاتح. والنسوة بملابسهن الطويلة الملونة، وأحزمة خصورهن النسيجية البيضاء، وهي تتدلى طويلاً. وبتلك المناديل الملونة المعصوبة على جباههن. أطفال بوجوه وأجساد غارقة في جروح غائرة. كان الباص الذي يعمل عليه إحسان، ينقلهم من المعسكر إلى المشفى، وهم يئنّون بصمت.

في يوم ربيعي مشمس، وهو عائد بباصه من المدينة إلى المشفى، مر إحسان بجانب المعسكر، رأى عند بابه حشداً من الرجال والنساء، وهم ينتظرون قدوم الباص. صعدتِ الباصَ فتاةٌ شابةٌ ، بملابس رمادية، وبخطوات متثاقلة، جلست على الكرسي الذي يلي كرسي إحسان مباشرة. لقد زادتِ العُصابةُ السوداء التي شدّتْ بها جبينها، والخِمار الذي لفت به وجهها وفمها، اتساع مقلتيها وبريقهما. ثبّت إحسان بعفوية مرآة الباص الداخلية عليها. أسندتْ رأسها على زجاج النافذة، وكانت بأصابعها الطويلة الرفيعة تمسح عينييها الناعستين. عند موقف المشفى، وقفت الفتاة، وبمساعدة بيشمركه عجوز نزلت بتثاقل. حينئذ بدت لاحسان قامتها الرهيفة، أكثر وضوحاً، تحت تلك الملابس الطويلة؛ فتحسر، وهو يتابعها بنظراته!!.

منذ ذلك اليوم، وماتلته من أيام، لم يعد بمقدور إحسان نسيان ملابسها الرمادية الطويلة، عينيها الدعجاوين، أصابعها الطويلة، وطريقة مسحها لعينيها. وكان، وهو وراء المقود، دائم التفكير بها، يراها بين رماد الضباب، خلل نافذة الباص، أمام استراحة المشفى، أوعلى باب المعسكر. فتلفح بدنه موجةٌ من الغبطة. كان يمرر بعينيه على الحشد، وعلى أمل اللقاء بها ثانية، كان يغتلي من الانتظار.

بينما كان إحسان يتلقف المسافرين في باصه، في موقف المشفى، في حدود الساعة العاشرة؛ رآها: كانت ترفع أطراف ثوبها الرمادي الطويل، وتنزل من الدرجات بتثاقل. سقطت سيجارته من فمه من شدة انفعاله. تغيرتْ سحنته، اختلطتِ الأصواتُ عليه، وبدتْ أمام عينيه خيوطٌ داكنةٌ، انتقلت يده الرَّجفة إلى المرآة. جلستْ هذه المرة، في الصف الثاني، وهي تتحدث مع المرأة الجالسة خلفها، وتشير لها بأصابعها الطويلة إلى الدواء الذي بين يديها. ثمت حادثة مرور على الجسر، فتوقفت المواصلات، نزل المسافرون كلهم من الباص، إلاّ هي، أسندت برأسها على النافذة، متأملة المشهد في الخارج. انزلق خمارها قليلاً، فبدا شعرها بلونه الأصفر العسلي. بعد هنيهات، قامت من مكانها، أسندتْ نفسها على مساند الكراسي، اتجهتْ إلى احسان، وبكردية صافية، طلبت منه ماءً من أجل شرب حبوبها. تشوّش إحسان، ولم يستطيع السيطرة على رجفة يديه وشفتيه، وهو يقدم لها الماء من الترمس؛ أعادت القدح إليه، وشكرته: "إسمي جيان"، قالت. ثم حدثته عن حلبجه.. وهي تقاوم عبراتها. كانت هي وعمها في المعسكر، لم يكن بامكانهم الخروج منه، إلا في ساعات محددة.

اعتاد إحسان في بدايات كل نهار على وضع ترمسه على الكرسي الذي يليه تماماً، وجيان تعرف ـ عندما تأتي ـ أن هذا المكان هو لها، فتجلس. الآن، ارتسمت ضحكة على وجهها، احمرت عيناها، واكتسحت رقبتها بقعٌ حمراءُ غائرةٌ. بعد أن بدأت تسهيلات الخروج من المعسكر، أتقن إحسان معرفة مواعيد زيارة جيان للمشفى، وهذه المرة، وضع فوق الترمس سبحته بحباتها الحمراء والبيضاء، ويتدلى من "الإمام" حرف (I). عندما كان ينزلها في السوق، يتآكله القلق واللهفة ونفاد الصبر. تبادلا البسمات لشهور عديدة من خلال مرآة الباص، ورانت العذوبة والحرارة على هذه الهدايا المتبادلة. في يوم ما، دسّت جيان له علبة، وذهبت مسرعة، فتحها إحسان بلهفة، كانت قصاصة ورق مركونة على الملابس، كتبت عليها: "غداً، نوروز، ارتدِ هذه الملابس، سأكون عند الباب". كانت هذه العبارة كافية، لئلاّ ينام طيلة تلك الليلة.

في يوم رائحة الربيع، تحولت ساحة المعسكر إلى ميدانٍ للحياة، ارتدى البيشمركه ثيابهم الجديدة، وكانت الألوان الزاهية لألبسة النسوة تشعّ تحت أشعة الشمس، تحلق الجميع حول النار، يرقص، وينشد بفرح للحرية، و لـ كاوا الحداد، واندحار ظلم "دهّاك"؛ ثم تحولوا إلى الطرف الخلفي للمعسكر، حيث ثمت دغل صغير.. جلسوا على العشب المندّى. كان خمار جيان قد استقر على كتفيها، فبدت خصلاتها الصفراء العسلية تتطاير مع هواء آذار، وتلمع فيها الخيوط البيضاء أكثر، وثمت وَجَلٌ دفينٌ في بريق عينيها.

مرة أخرى، جاءت الأوامر، بعدم الخروج من المعسكر؛ فكبرت نظرات جيان أكثر في وجدان إحسان، وشواه الشوق إلى صوتها الطري، فلم يعد يطيق غيابها، ولمرات ومرات، وبالرغم من الحراسة المشددة، والأسلاك الشائكة، إلا أنه كان يحوم جيئة ذهاباً حول المعسكر وعلى التل القريب، ولم ينقطع عنه.

انتشر الخبر الأسود في المدينة: لقد دس السم في خبز البيشمركه، فتسمم الكثيرون، ونقلوا إلى المستشفى. في المساء، وفي قاعة كبيرة كئيبة، رآها واقفة عند رأس عمها الذي يحتضر، تقبل يده، مرتعشة الشفتين، منكسرة يائسة: "لِمَ ضاقت بنا الحياة، أين الإنسانية؟!!"، قالت جيان. بكى البيشمركه والنسوة بصمت.

مرة، كانت هي وإحسان، يمشيان عند القرية القريبة من المعسكر، جلسا تحت شجر الحور، كان حفيف الأوراق وخرير الجدول القريب منهما يتمازجان، ثم سرعان ما يتلاشيان. مسحت عَبَراتها، وهي تقص عليه حكايات ليالي الشتاء، وثلوج جبال "متين"، والزهور التي تتفتح في السهل، والينبوع الأبيض. قالت له بصوت طري ومُذْنِبٍ: "لقد أصبحنا حِملاً ثقيلاً عليكم، لكم أيضاً فقراؤكم". كانت مثل طير جريح يغني في القفص. لم يدرِ إحسان ما يفعله؛ لكنه، كان يتذكر جيداً أمر فرمان والي المحافظة: "ممنوع الزواج من هؤلاء".

تالياً، جاء اليوم الأخير. مثلما جاء البيشمركه، هكذا سيرحلون أيضاً. في المرة الأخيرة، جاءت جيان حزينة كئيبة، وجلست في الصف الأمامي من الباص، لم تنظر قط إلى المرآة، أسندت رأسها إلى زجاج النافذة؛ وعندما همّت بالنزول، عضّت شفتيها، وقالت: "غداً".

في اليوم التالي، كان إحسان عند باب المعسكر يراقب رحيل البيشمركه، لمح جيان: كانت تهبط من التل، بثيابها الرمادية، وهي تلوح بمنديلها الأحمر مودعةً. مسح إحسان دموعه التي لامست حد رقبته.

كان القمر على نهر دجلة مضيئاً، والرجل الضئيل الذي ينحدر من تل المعسكر، ينظر بفضول إلى إحسان. استقام إحسان ويداه في جيبه، سار بخطوات ثقيلة بين بساتين Hewsele الجامدة في الليالي المقمرة، مـرَّ بجانب دجلة الذي يجري بهدوء، راقب الأضواء المتراقصة على ضفته الثانية. تنصّت لصوت الليل، وبخطوات متثاقلة اتجه نحو المنزل.

عندما دخل الحي، كان الكل نياماًً. فقط الصوت المألوف لجلال بك وهو يتردد في الحي كلِّه. طرق إحسان الباب بخفوت. وعندما سمع الصوت المدويّ لفردتي (المشاية)، تذكَّر عيني أمه الحمراوين المنتفختين.

دياربكر ـ آمد

* بالتركية في الأصل: (Ben de Gidem paytahta)

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006