الشجن الثقافي


 

محمد عفيف الحسيني

Ez nizanim!

 

الصاعد من قامشلو، نحو عامودا، سيرتطم برواية "معسكرات الأبد"، وتحديداً في "هليلكي"، حيث لازالت الأختان الشقيَّتان، تنتظران عودة الإوزات الشرسة، من النهر إلى البيت، وستنتظر الأختان، الرجل الغامض، صاحب المثاقيل الغامضة، ثم ستتراكضان خلف دورية فرنسية، وتراقبان المطار الذي بناه الفرنسيون في الجهة الثانية من قامشلوكي، أيضاً على هضبة، الجهة الجنوبية؛ بنى الفرنسيون المطار، ثم جاء الشمول، فنصب عراء أحمر ـ نقطة تفتيش ثقيلة ـ بالقرب من المطار، كل سنة تحط طائرة على مدارجه الكليمة. كانت الأختان في هليكي، تكبران، اندلعت ثورة سعيد آغا الدقوري، تاهت الثورة، كبرت هليلكي، وعلى مصاطبها، ارتفعت بيوت المهاجرين الكرد، من القرى الكردية، إلى ضاحية مدينة الكرد، جفف التركُ النهرَ الذي كانت تخوض في وحل أطرافها، إوزات "سليم بركات"، كما خضنا في أوحالها: محمدنور، رضوان، عبدالحكيم، وأنا، لنصطاد لاشيء، في الضحالة. وظلت هليلكي تكبر، وتتسع، الشمال ملغوم، وفي أسفل القصبة ـ المدينة الصغيرة، تستقر حنجرة المغني الذي مات قهراً من المخابرات: محمد شيخو. في جانب القصبة ـ الهضبة الفقيرة، ثمت بضعة شجيرات حزينة، أتلفها البعث الشمول، في طلاء المدينة بلون الشمول، المحلات يجب أن تكون أبوابها بنصف بني، ونصف حليبي ـ البيج القلق.

تصعد السيارات من كاراج قامشلو، إلى عامودا، وعليها أن تخوض الوحل من على الجسر الذي بنته الحكومات الوطنية، ثم تصعد نحو هليلكي، تتهالك السيارات الروسية الأممية الصفراء "صالون، ثمانية ركاب"، تأخذ استراحة، في أعالي الهضبة، حيث مدرسة "صقر قريش" الابتدائية، فيسمع السائقون والركاب، وطيور الركاب، النشيد البعثي، يردده طلاب كرد، في مدرسة الصقر الكبير. يتأفف السائق، وتتأفف عجلات روحه، تتعطل السيارة الأممية "صالون صفراء بثمانية ركاب"، صالون حلاقة بالقرب من المدرسة، صالون يديرها، متعطل، ومخبر، يراقب لحى زبائنه المرتجفة، وهو يمرر بشفرته الزرقاء عليها، ويحدثهم، بأن ثمت ضيوف، غرباء قادمون، سيحرثون الأرض بمحاريث متفجرة، سيحرثون أرضاً نبيلة، بفولاذ غير نبيل. الأرض فسيحة، الأرض كثيرة على أهاليها، وفائضة على حيواتهم وحيواناتهم، الأرض هي مباحة!!.

***

في السبعينات، كان سد الفرات، على نهر الفرات، قبل ذلك بعقد، دوّّن "محمد طلب هلال" تدويناً ـ نبوءة، سداً، بأن الجزيرة الكردية، يجب تغييرها ديمغرافياً، جلب شاحنات من العرب، شاحنات روسية أيضاً، الزيل العسكري، وإملاء فراغات الكرد، إملاء أرضهم بغيرهم. جاء بهم البعث، بالغرباء الفقراء "المغمورون"، من قرى ضفاف الفرات، التي غمرها ماء الفرات، فكانوا بلاء وغمراً على القرى الكردية، في الشريط الحدودي، من القيامة إلى القيامة، فصحح الشمولُ وضع الكرد، فصادرت أراضيهم ودجاجاتهم وإوزاتهم وأسماء قراهم، ومنحتها، هبة كريمة للضيوف الغرباء. بنت لهم قرى نموذجية ـ لاأعرف ماهي القرى النموذجية ـ، بين أرض عراء، وعراء أرض، اكتملت بناءات أساسات نموذجية، أسطحها من القرميد المشوي بنار الكرد، وعلى أبوابها، يجلس القرفصاء بضعة من ملولين، يشربون الشاي، ويدخنون تبغاً جديدا عليهم ـ التبغ المهرب من كردستان تركيا ـ القريبة من أنفاس شواربهم الصفراء، وتستقر تحت أقدامهم الرشاشات الكلاشينكوف، الأممية الصنع، تطقطق أرواحهم بحنينهم إلى القاتل صدام حسين، الذي كان يبزغ نجمه، في مساءاتهم الغليظة البعيدة عن ضفاف الفرات. كانت الجمهرةُ بعثيين، وكانت الجمهرة، تؤوب في المساء إلى غرفها النموذجية، فلاينامون. "هؤلاء الجيران هم أكراد". كانوا يرددون، بين أنفسهم وشحاطات مساءاتهم الغريبة.

***

القرى النموذجية، تكاثرت، وتكاثرت الآلات الزراعية أمام أعينهم، وهم يحصدون قمحاً وشعيراً وزؤاناً وعدساً وبرسيماً وسماءً ليست لهم، وأرضاً ليست لهم، ويعكرون نهار الكرد بلغة قاهرة للكرد.

الغرباء ملأوا الشريط الحدودي بقرى نموذجية. وضعوا لها أسماء ـ شاخصات زرقاء، غرسوا الشاخصات على جانبي الطريق، شرقاً، غرباً، شاخصات، أسماء القرى الجديدة المستوردة من فلسطين وبني قحطان الأول. القحطانية، الهلالية "هليلكي سابقاً"، أم الربيع، الجابرية...الخ.

توالد هؤلاء الغرباء، والجيل الذي نما وكبر في سهول القمح الكردية، بعد عن سد الفرات العظيم، تعلم التحدث بالكردية، لكن، ظلت لغته الأساس: الريبة، ونقل التقارير النحاسية إلى السادة الفروع الآمنة، كانت محاريث كثيرة، ترقد أمام كل تلك القرى النموذجية، مثل أسماك القرش، تنهب الأرض المباركة، وتكثر المسدسات التي يحملها الغرباء، بين جنباتهم المنتفخة، وهم يشتطون في ريبتهم، عندما تسوقهم الحاجات إلى المدن القريبة، بنيت لهم مدارس نموذجية أيضاً، في حين كانت القرى الكردية تغطس في الظلام المدبر بتدبير "محمد طلب هلال"، الأسود، كانت المدارس في القرى الكردية، تتكون من غرفة واحدة، تلحق بها غرفة ـ قن ـ هي للمعلمين، وتكاليف بناء الغرفتين، يدفعها الكرد الفقراء، الذين صححت لهم الدولة مسارات أراضيهم الزراعية، إلى مسارات الغرباء، يتكفل القرويون، بترميم هذه المدارس، وتقديم وجبات المعلمين الفقراء، الذين يرتجفون في الظلام المستوحد الأعزل في الطين الشتائي، بينما القرى النموذجية، وكلها على مشارف نعمة الأسفلت، ومدارسها تنعم بالغرف العصرية. لم يكن من مسارب إلا مسارب الانتماء، أنت كردي، أنت في الريبة.

***


هليلكي

الصاعد من أسفل "هليلكي"، إلى أعلى هليكي، الهضبة، صعوداً نحو الغرب، حيث عامودا، سيجتاز الصعود المصاطب الإلهية، إلى مصاطب الغرباء، أولى تلك القرى النموذجية: هيمو (ألها اسم آخر؟)، الصاعد سيصطدم بالملولين، الذين يدخنون التبغ المهرب من كردستان تركيا، ويراقبون الآيبين والرائحين، بتأفف وريبة، يستنطقون الهواء والأسفلت وعجلات السيارة الصفراء "صالون بثمانية ركاب"، ويتحسسون مسدساتهم اللئيمة.

***

في بزوغ نجم صدام حسين السبعينات، نجمه!!!، وهو ينتقل عبر تلفزيون القتل، من مكان إلى آخر، كان هؤلاء الغرباء، يمتدحون الزعيم، الذي سيحرر فلسطين، ويحرر كردستان من جيوب الخونة المخربين الكرد. كانوا صداميي الهوى، ولم يخشوا في يوم ما، من الإجهار بذلك، حتى وهم في حلقاتهم البعثية الحزبية، أيام كان البعث السوري والعراقي، في أشد لهفة العداوة. وكانت أسلحتهم الرشاشة، وكانت مسدساتهم بطلقات 9 ملم، تنام في شحوم الكراهية.

على جدران أحد البيوت النموذجية، ثمت عبارة مكتوبة بمادة الكلس ـ طلاء الاتقاء من الحشرات والشحوب:

عاشت المقاومة في الفلوجة.

***

باصات جمعية النقل والتعاون في عامودا، تنقل المسافرين في رحلات مكوكية، بين عامودا وقامشلو، الباص الأخير العائد من قامشلي، ينطلق الساعة الثامنة مساء، ثمت ثلة من عمال عامودا، في مطاعم قامشلو، أحدهم "حليمو" الرهيف بروح النكتة الخارقة، الرهيف بإشاراته النارية، كان يعمل في مطعم الكباب، مطعم "الفرسان" يعمل من الفجر إلى الثامنة مساء، بين روائح السكاكين والبصل والبقدونس والفجل ولحم الضأن والملح والفلفل الأحمر والماء والفحم الناري والغبار والزبائن الغرباء القادمين من هذه القرى النموذجية، يتهالك في الثامنة إلا الربع، في الكرسي المفرد جانب الباب، فهو ـ الكرسي محجوز له كل يوم ـ يتهالك على كرسيه، كرسي أنبياء المطاعم، ويظل نشطاً في التنقل، الحديث، ثمت ركاب آخرون، على الباص أن يأويهم إلى بيوتاتهم، في مساء الجزيرة، ثمت امرأة مسنة، من الغرباء، تستوقف الباص، في صعود هليليكي، فيتوقف الباص، المحشور بالليل والمسافرين، سيقوم عامل المطعم، عن كرسيه، وهو متهالك، ويقول لها: تفضلي ياخالة، ستجلس الخالة، وتشكره، وتنزل الخالة في قرية هيمو. القرية النموذجية، التي صُعُداً إليها من هليلكي، إلى روح الإوزات الشاردة في خيال المشردين الكرد، بعد أن شرد الشمول البعث، أراضيهم وخيال ديدان أراضيهم. قال لها تفضلي؛ وعلّق يترادف شيطاني: خالتي تشبه إوزة.

***

كنا نخوض النهر. وكان الدُغل القريب من النهر، يرمي لنا بحنش النهر. كنا نخوض ذكورتنا البدايات في نهر البدايات، نراقب حنش النهر، قبل أن يجف النهر الملاصق لهليلكي. وقبل بناء سد الفرات.

ـ لماذا بنوا السد؟.

ـ يسألنا حنش النهر. نهر قامشلو.

ليأتوا بهؤلاء الغرباء.

تخوض إوزات قامشلو طمي النهر، وترجِّف الماء، لتصطاد الحنش الذي  سألنا سؤالاً تورية، قبل زمن هؤلاء الغرباء.

***

هيمو، القرية القديمة، التي أصبحت ملاصقة لـ هيمو الغرباء النموذج، غرقت في الفقر الشديد، بيوتها أشبه ببيوت الغجر، والإهمال النوراني المتعمد، من قبل سدنة البلديات غير النورانية، نسي أن ثمت من يعيش. الجانب الآخر.

لماذا أقيم سد الفرات؟

لماذا لم يذهب الحكماء الشموليون بالضيوف الغرباء، إلى جهة غير جهة الكرد؟

***

"علي فرو"، القرية، التي أقام الكرد نوروزهم فيها هذا العام، كرد قامشلو وعامودا، ومابينهما.

باصات الجمعية التعاونية، انتهت، ماتت الباصات والجمعية الاشتراكية ماتت، انتقل المحتفلون بعيدهم إلى قرية علي فرو، بسيارات خاصة، وباصات ـ ميكرو باصات مستأجرة، وبيك آبات مستأجرة. احتفل الكرد بنوروزهم، رقص الكرد، وربما تغزل الشباب بالشابات، وبالتأكيد فعلوا ذلك، وربما أكلوا العشب الطري على أرضهم الطرية، وربما كانت دوريات الأمن تجوب المحيط، والشرطة، وقوات حفظ النظام، وجمهرة المخبرين، احتشد بالتأكيد كل هؤلاء؛ في المساء، أول الغروب، ستتداعى الجمهرة إلى بيوتاتها التي تنتظر ساكنيها، سينفض الجمهور المزين بروح كاوا، من العشب الطري الأزرق، والغني بماء الحب والسنة الكردية الجديدة، سيعودون بمركباتهم وآلياتهم، يتوزع كل إلى جهته، سيكون "جميل محمد حسن"، الثلاثيني، عائداً إلى منزله في "هيمو"، غير النموذجية، الملاصقة لـ "هيمو" النموذجية، سيسد الغرباء الطريق، سيحمل الغرباء الأنابيب الحديدية، المخصصة لمجاري غربتهم، سيحملون الحجر، سيحملون علب تبغهم ـ تبغ كردستان تركيا المهرب ـ، سيحملون عواميد بيوتهم النموذجية، سيحملون سكة محاريثهم، سيحملون عقالاتهم الشديدة، سيحملون قرميد أسقف بيوتهم النموذجية، وأخيراً، سيقلعون الشاخصتين الزرقاوين، بكتابة بيضاء، سيسدون الطرق، أمام العائدين، بمواكبهم البهيجة، سيرمون بكل أشيائهم العنصرية، على الكرد المبتهجين، سيشتمون كاوا وآل كاوا، وجنس كاوا وديكة كاوا الرومية وزعماء كاوا، سيمجدون، بهتافات، يشقون بها حناجرهم الغريبة، صدام حسين وآل صدام وقصور صدام والمجاهدين القتلة ـ مجاهدي الزرقاوي، أو قصابي الزرقاوي، سيمجدون روح القتل؛ يسد الغرباء الطريق أمام العائدين.

***

الصاعد من هليليكي، ومنها النزول البسيط نحو هيمو، ستصطدم بصيرته بحقل شاسع مسوّر، هو حقل الإصلاح الزراعي والمدرسة الزراعية والتوجيه الزراعي والأبحاث الزراعية، فيها بضعة موظفين ملولين، يدشنون ساعاتهم بالمشي تحت أشجار روحهم المعذبة، سيظل هؤلاء، منذ ألف سنة، لايعملون أي شيء، سوى المشي تحت ظلال الأشجار في قيظ الصيف، وخوض الوحل، في زمهرير الشتاء. يحصون الدقائق التي تمر مثل سلحفاة هائلة، والضجر يأكل خصيانهم، فهم موظفون لاعمل لهم؛ مراوح الصيف السقفية تخفق بهواء ثقيل، وأجنحتها ترتطم بالركود الثقيل؛ وشتاء تهتز مدافىء المازوت الوطني، في مكاتب خاوية، إلا من بضعة موظفين نموذجيين، تستقر في خزانة من الصاج الحديد، بضعة قوارير، فيها دواء التحنيط: الكلوروفورم، ينام فيه، على التوالي: ثعبان بني، بمقاس شبر، خنفساء سوداء، دويبة محلولة اللون، فراشة دون أجنحة، وفي إحدى القوارير، ينام راكداً هادئاً مستقراً متخماً، حزب البعث العربي الإشتراكي. وفي قارورة كبيرة، كبيرة جداً، بحجم المزرعة بالكامل، ينام الاصلاح الزراعي والمدرسة الزراعية والتوجيه الزراعي والأبحاث الزراعية، المصادرة من الكرد، إلى الشياطين.

***

العام الماضي، في آذار العام، استقرت حافلات الزيل التافهة المتهالكة، في هذه المزرعة، ربما هي نفسها الزيلات، التي حمّلت الغرباء من ماءٍ فراتٍ، إلى جزيرةٍ غير فراتٍ. الجيش السوري، بآلياته ومثاقيله وأسلحته المنتصرة في حروبه الأزلية، وبعد تحرير لواء الاسكندرونة والجولان ولبنان وفلسطين، لم يبق لهذا الجيش من مهام، سوى مهام الاهتمام بالأبحاث الزراعية في مدرسة هيمو الزراعية، الجيش، استقر هنا، وحفر خنادقه، ونام. يستيقظ فقط، عندما يسمع همهمة بالكردية.

 ***


قامشلو

الصاعد، من قامشلو، إلى عامودا، سيصعد هضبة هليليكي، ثم ستمر به، أو يمر هو بـ هيمو المهلهلة، غير النموذجية، ثم هيمو النموذجية للغرباء الذين يشبهون الجراد، والمزرعة الحكومية الاشتراكية النموذجية، التي يخصَوْن فيها العدم، سيمر الصاعد، بأرض منبسطة، بعد أن يرى أن الشاخصتين الزرقاوين، قد اقتلعتا، ستأتي قرية "نجموك" الغارقة في حنان خالتي "ثريا"، خالتي التي لم أكن قد التقيتُ بها، منذ سنوات كثيرة جداً، بعد طفولة معذبة مشتركة لنا، مع أخي الذي شلّه شلل الطفولة، خالتي التي ذهبنا إليها أمي وأنا، قبل نحو مئة سنة، أعني قبل سنة، فقد دخلتِ الذاكرةُ مجدداً في تلاوين الزمن، واختلاط الزمن والمكان؛ العام الماضي، دعتني خالتي ثريا، لأذهب إلى قريتها نجموك، كانت ابنتها "ستير" الصبية الشيطانية، تجهز ترتيبات زواجها من قريب لها، كانت سعيدة، وهي تعرض أشياء حياتها القادمة على خالتها ـ أمي ـ وكان ثمت جروان، ظلا ينبحان علي، كلما اقتربت منهما، قدمتُ لهما أحشاء الديك الرومي الذي ذبحه زوج خالي، أكلا الأحشاء، وظلا ينبحان علي، غسلتهما بالماء والصابون، ليس الصابون، بل الصابون السائل، "لودالين"، صناعة وطنية، يشبه وحلاً لزجاً، من قرية هيمو النموذجية. تحت صنوبر الماء المبارك، رشت خالتي الماء على الجرو الكروي، وجعلتُ وبره يلمع، لم أستطع إمساك الثاني، كان قد انسل من الحوش، إلى عراء الكرد، قالت خالتي: لماذا تغسل الجرو محمدو؟. قلتُ سآخذه لي.

في برية ـ عراء نجموك، أخذتني ابنة خالتي الشيطانة، إلى قبور نجموك، كانت أمي تراقبني، وكانت خالتي تراقبني، وكان الديك الرومي الذبيح يراقبني، لكن الذي لم يراقبني، كان الجرو، الذي كان يلمع وبره، وهو يتقافز ورائي، ويعوي، عواء حنوناً حميماً.

ـ "لقد تآلفتما ابن أختي". قالت لي ثريا، خالتي.

في ذلك العراء ـ عراء نجموك، وضعتُ الجرو في صندوق من الكرتون، وبقي رأس الجرو في ثقب ركيك يلتفت إلي، من كرتون وطني، شدَّ زوج خالي بقنب حنون الصندوق، وفي النزول من هضبة نجموك، إلى الطريق العام الأسفلت، إلى عامودا، لم يكن من بدٍّ، غير أن أستأجر سيارة بيك آب، ذهبتُ إلى قامشلو، ومن قامشلو، استأجرت سيارة بيك آب، بيضاء، صعدنا هليلكي، وصعدنا الحدود. وضعنا الجرو في صندوق البيك آب. وذهبنا إلى عامودا. كان صاحب البيك آب، هو نفسه الذي اجتمع عليه الغرباء ـ غرباء سد الفرات، ضيوف الكرد الثقلاء، وطعنوا صدره "جهة الكبد" بمطواة كليمة عنصرية، وكسروا يده، بأحد أنبوبين، من أنابيب الشاخصتين الغريبتين، وشجوا رأسه بقرميد قراهم النموذجية.

***

على الجانب الآخر من القرى النموذجية الغريبة، كانت المصابيح التركية المضاءة من كهرباء سد الفرات، تضيء حدود الوطن السوري السعيد من الباب إلى الباب، من المحراب إلى المحراب، من الحدود إلى الحدود، من الجراد إلى الجراد، من الشاخصة الزرقاء الغريبة على يسار الطريق، إلى الشاخصة &